يشكل مغاربة العالم اليوم أحد أعمدة المغرب المعاصر، ليس فقط من خلال ما يقدمونه من تحويلات مالية تدعم الاقتصاد الوطني، بل أيضًا عبر ما يحملونه من قيم وصورة للوطن في مختلف بقاع العالم. فهم سفراء غير رسميين لبلدهم، يساهمون في التعريف بثقافته وتاريخه ويجسدون ارتباطًا عميقًا بوطنهم الأم رغم بعد المسافات.
غير أن ما يثير الاستغراب في الآونة الأخيرة هو بروز بعض الخطابات التي قد تُفهم منها نبرة تقليل من دور الجالية المغربية أو التقليل من قيمة مساهماتها. ومما يزيد الأمر حساسية أن يأتي هذا الخطاب أحيانًا من مسؤولين يفترض فيهم أن يكونوا أول المدافعين عن مكانة مغاربة العالم وعن دورهم الوطني.
لقد عاشت الجالية المغربية عبر عقود طويلة تحديات عديدة في بلدان الإقامة، بدءًا من صعوبات الاندماج والعمل، وصولًا إلى بعض الأحكام المسبقة التي قد تواجهها في مجتمعات مختلفة. ومع ذلك، استطاع مغاربة العالم أن يثبتوا حضورهم بجدارة في ميادين الاقتصاد والعلم والثقافة والرياضة، وأن يحافظوا في الوقت نفسه على ارتباطهم بوطنهم الأم.
ومن هذا المنطلق، فإن كرامة الجالية المغربية ليست موضوعًا يمكن التعامل معه بخفة أو التقليل من شأنه. فمغاربة العالم لم يكونوا يومًا عبئًا على وطنهم، بل كانوا دائمًا سندًا له في مختلف المراحل. وتحويلاتهم المالية، واستثماراتهم، ومبادراتهم الاجتماعية، كلها شواهد حية على عمق هذا الارتباط.
إن الخطاب السياسي المسؤول يقتضي أن يكون جامعًا ومقدرًا لكل مكونات الأمة، داخل الوطن وخارجه. فالمواطنة ليست علاقة قائمة على الامتنان أو المزايدة، بل هي علاقة شراكة وانتماء ومسؤولية متبادلة بين الدولة وأبنائها أينما كانوا.
لذلك فإن أي خطاب قد يُفهم منه الانتقاص من مكانة مغاربة العالم أو التقليل من دورهم لا يخدم مصلحة الوطن، بل يخلق مسافة نفسية لا حاجة لها بين الجالية ومؤسساتها. والمطلوب اليوم هو تعزيز جسور الثقة والتقدير، وإرساء خطاب يعكس المكانة الحقيقية التي تحتلها الجالية المغربية في وجدان الوطن.
إن مغاربة العالم لا يطلبون امتيازات خاصة، ولا ينتظرون كلمات مجاملة، لكنهم يستحقون الاحترام والتقدير لما قدموه وما يزالون يقدمونه لبلدهم. ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي توضيح المواقف وتصحيح أي خطاب قد يُفهم منه الإساءة للجالية المغربية، بل وتقديم الاعتذار إن اقتضى الأمر.
فالوطن في نهاية المطاف ليس جغرافيا فقط، بل هو أيضًا علاقة وفاء متبادلة بينه وبين أبنائه. ومغاربة العالم كانوا دائمًا أوفياء لوطنهم، وسيبقون كذلك، ما دام هذا الوطن يحتضنهم بخطاب الاحترام والتقدير الذي يستحقونه.




