الدولة والمجتمع معا يحتاجان إلى اليسار الوطني الديمقراطي. وحاجة المجتمع تبدو بديهية، باعتبار أنه لا يوجد اليسار إلا كإفراز مجتمعي وكتعبير عن الآمال والطموحات المشروعة للناس، وهي حاجة تتجدد على قاعدة الحاجة إلى قيم اليسار في التضامن والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وقيم الحداثة والعقلانية والتقدم وقيم التعايش والسلام، محليا وعالميا.. وهذا شرط ما زال قائما لوجود يسار قادر على حمل هذا المشروع..
أما حاجة الدولة فقد باتت تتطلب بعض المرافعة المُحَيَّنَة. كما تفترض نوعا من التمييز، كي لا تُعتَبَر هذه الحاجة كما لو أنها ذريعة لكي تستدعي الدولة اليسار للقيام بمهام معينة!
ويستوجب ذلك أن نستحضر ما يلي:
اليسار والدولة، وجودان متلازمان في المغرب المعاصر، منذ معركة الحرية الوطنية وفجر الاستقلال: أولا لأن جزءا من آباء اليسار المؤسسين هم أنفسهم من مؤسسي الدولة المغربية الحديثة ما بعد الاستقلال. وكانت توجهاتهم واضحة في هذا التموقع الفكري والسياسي..
وأشير هنا مثلا إلى عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة، على سبيل المثال. سواء في تحرير الدولة أو في بناءها من بعد الاستقلال فقد كان لهما حضورٌ تأسيسيٌّ لا غبار عليه.
الأول ساهم في تفعيل أول نموذج تنموي في المغرب، من خلال تحرير الاستقلال وبناء النسيج الصناعي والبنكي وتحرير العملة وما إلى ذلك من أوراش قطاعية وأخرى استراتيجية في السيادة الطاقية مثلاً من خلال لاسامير، وقتها…
وقد كان ضمن ثلَّة من الزعماء التقدميين أو اليساريين، أمثال رئيس أول حكومة يسارية عبد الله إبراهيم، الوجه الفكري والثقافي والسياسي للوطنية التقدمية.. لنستحضر استقبالَهُ لتشي غيفارا في فترة المسؤولية الحكومية!
والثاني من خلال تأسيس تقاليد الدولة الديمقراطية عبر المجلس الاستشاري (أول برلمان)، حيث كان المهدي رئيسا أول له وكان إلى جانب عبد الرحيم في وضع أول مخطط اقتصادي في الاستقلال..
بل، حسب ما حكاه عبد الرحيم بوعبيد للمؤرخ عبد لله العروي، كان المهدي هو صاحب النص الأول لوثيقة المطالبة بالاستقلال.. بإشراف الزعيم أحمد بلافريج، المشرف العام والعالي على العملية، في بيته..
وما زلت أذكر جوابَ الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، في البرلمان، عن تدخُّلٍ حادٍّ وشَرِسٍ للمرحوم المسفيوي، البرلماني والقيادي في حزب الاتحاد الدستوري.. وقتها كان قد هاجم الفقيد اليوسفي بالقول: «لقد كنتم في المنفى وكنتم خارج الحكم، وها قد وجدتم البلاد تتقدَّم» مضيفًا ما معناه، أنا أتحدَّث من الذاكرة، «لا حاجة للمغرب بكم»، فكان ردُّ اليوسفي: «إذا كانت البلاد واقفة فذلك يرجع الفضل فيه إلى الأطر التقدمية التي كانت تسهر عليها في كل دواليب الدولة والإدارة والقطاع الاقتصادي»..
وهو ما لم أدرك مغزاه حتى جاءت وفاةُ أحد الوجوه البنكية في المغرب.. عبد العزيز العلمي. وعرفتُ أثناء نعيه في صفحات الجريدة أنه كان من الأطر التي اشتغلت مع عمر بنجلون وكان شبه الراعي القريب لأسرته بعد استشهاده. وقد كان شخصية محورية في القطاع البنكي من ذلك اشتغاله كنائب مدير بنك الدولة أو بنك المغرب وكرئيس مدير عام البنك التجاري المغربي والشركة الوطنية للاستثمارات..
وكثيرٌ من الأطر المعروفة في أعالي الدولة كانت تنتمي إلى خلايا يسارية بإشراف مناضلين من حجم الشهيد عمر..
اليسار كان حاضرا أيضا في مرحلة النموذج التنموي الانتقالي مع حكومة عبد الرحمان اليوسفي، في قلب الدولة. قبل القرار السياسي إذن..!
وقد ظهرت الحاجة إلى اليسار، في العهد الجديد من خلال قيادة عملية قوية تعنى بالقراءة الجدية للتاريخ، من خلال عمل المصالحة والإنصاف، كما من خلال المهمة الكبرى لقراءة التاريخ العام من خلال «قراءة المغرب الممكن» وتقرير الخمسينية..
وظهرت أيضا الحاجة إليه عند التعديلات الإصلاحية الكبرى. فما يخص روح هذا الإصلاح: وقد ضاعت الفرصة بشكل قوي في المرحلة ما بعد دستور 2011، حيث أن الإصلاح الكبير الذي ورد في الدستور، لم يجد في السياسة سوى نزعة محافظة كانت أولويَّاتُها الكبرى هي تطبيع وجودها في الدولة (وأتحدّث عن تيَّار الإسلام الحزبي). أي أن روح الإصلاح تَمّ تأخيرُها إلى ما بعد التطبيع في مربع الدولة!
فقد كانت الدولة في أعاليها ذات نزوع تحديثي كوني، ووجدت نفسَها تحت إكراه كبير يتجلى في «التَّعايُش» cohabitationمع نزعة محافظة تتفاوض معها كلّ مرحلة مرحلة..
وتظهر الحاجة إلى اليسار كذلك عندما ننظر إلى مرحلة الدولة الاجتماعية وتنزيل التوافقات الكبرى حولها.
فقد وجدت البلاد نفسَها تعيش تعايُشًا من نوع آخر بين الدولة في هرمِها الأعلى وبين الحكومة في قيادتِها، تعايُشٌ بين دولة اجتماعية ديمقراطية وحكومة نيوليبرالية مُتَنَطِّعَة…
وقد ظهر جليًّا من خلال تضارب المصالح والأوليغارشية المالية والمركَّب المَصْلَحِيِّ السياسي المالي الذي فرض أجندتَهُ وأولويَّاتِهِ الاجتماعية عوض الذهاب بعيدا في الدولة الاجتماعية..
وما زالت هذه الحاجة قائمة تستدعي التنزيل، وتفتح هوَّامِشَ اجتماعية قطبُها العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية.. في إطار التوافقات الكبرى التي تُقَلِّصُ من هوامش الفعل عند كلِّ القوى السياسية وفي قلبِها اليسار..
إن اليسار مطالب بتحيين وجوده من هاته الزوايا ولا ينبغي أن يعتبر هذا الوجود معطى متعاليا وفوق التغيرات التاريخية وفي منأى عن التآكل والانتفاء..
عليه أن يدرك بأن أهم شيء حصل في تطورات الإصلاح بالمغرب تم بوجود القوى الوطنية الأخرى، حيث كان الحدث الاستراتيجي الكبير هو الكتلة الديموقراطية التي قادت الإصلاح ووفرت شروط وجود حكومة التناوب..
والنضج الجديد، هو الانتقال من الديناميتين اللتين طبعتا وجوده: تاريخ اليسار هو تاريخ قمعه وتاريخ اليسار هو تاريخ انقساماته..
ولعل الوقت قد حان لكي يتفق اليسار على تحليل في الحد الأدنى، من التطور الحاصل في المغرب: الدولة والمجتمع والطبقات والمصلحة الوطنية وصناعة القرار..
ثم من خلال برنامج اجتماعي يساري يقف في وجه التيار الاوليغارشي الذي استبد بالقرار الحكومي والمؤسساتي الترابي للخمس سنوات مضت، ويمكن أن يجدد عودته في غياب سلطة اليسار المضادة..
من خلال يسار برنامجتي، كما في التجارب التي أعادت لليسار حضوره في إسبانيا والبرتغال والدول الاسكندنافية..
إن اليسار مطالب بالتقاط دعوة الاتحاد الاشتراكي الصدرة في البيان الأخير له والقائمة على:
مدونة للسلوك تحترم المشترك السياسي التقدمي الذي يجمعها بالاتحاد، والحفاظ على الاحترام المتبادل.
تفادي «سب المستقبل» في وقت تحتاج بلادنا فيه إلى بدائل ديموقراطية واشتراكية للفرز الناجع والاصطفاف المنتج تاريخيا، لتفعيل الدولة الاجتماعية الديموقراطية التي ينشدها بلدنا..
ولعل الموقف العقلاني المطلوب من القوى التقدمية هو «ألا تخطئ الخصم، الطبقي والسياسي، لأن ذلك يحرم عموم الجماهير من محاسبة الذي يستحقون المحاسبة»، وعدم تفويت اللحظة الديموقراطية التي تمثلها الانتخابات القادمة للمساءلة والنقاش الحر لحصيلة الحكومة وأغلبيتها..
البديل لا يمكن صناعته إلا من خلال تعزيز «على كل الدعوات التي تسير في اتجاه المستقبل، ومنها دعوة صادقة لكافة الطَّيف اليساري في أفق الانتخابات التشريعية القادمة من أجل العمل يدا في يد»..
عبد الحميد اجماهري، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي




