mercredi 22 avril 2026
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: فرنسا لا تتلقى الدروس من الرجعية الدولية في إشارة إلى روما وواشنطن

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
يوسف لهلالي: فرنسا لا تتلقى الدروس من الرجعية الدولية في إشارة إلى روما وواشنطن يوسف لهلالي

تحولت قضية تعرّض الناشط اليميني المتطرف كانتان دورانك للضرب حتى الموت على يد عناصر محسوبة على اليسار المتشدد بمدينة ليون، من قضية ذات بعد جنائي ومحلي إلى قضية جدل دولي.

 

فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من الهند التي يقوم بزيارة رسمية لها، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الكف عن "التعليق على ما يحدث عند الآخرين"، وذلك إثر إدلائها بموقف حول مقتل ناشط يميني متطرف إثر اعتداء من خصوم سياسيين متطرفين. وجاء ذلك يوم الخميس الماضي، قبل أن يعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الأحد بدوره، أن باريس استدعت السفير الأميركي تشارلز كوشنر للاحتجاج على موقف بلاده من مقتل هذا الشاب. لم يحضر لدعوة يوم الاثنين بالخارجية الفرنسية الماضي لكنه تواصل مع وزير الخارجية هاتفيا يوم الثلاثاء لتجاوز الازمة، وهو معروف كرجل اعمال وابنه صهر لرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

وكانت هذه التطورات متوقعة. وقال وزير الخارجية الفرنسي: "نحن نرفض أي استغلال لهذه المأساة لغايات سياسية. واضاف "نحن نرفض أي توظيف سياسي لهذه المأساة. ولا نحتاج تلقي أي دروس، خصوصا فيما يتعلق بالعنف، من التيارات الرجعية على الصعيد الدولي."

 

وكانت الإدارة الأميركية قد أدانت، الجمعة، "الإرهاب" في فرنسا، وحذّرت من العنف اليساري، بعد تعرّض الناشط اليميني كانتان دورانك للضرب حتى الموت. وقالت نائبة وزير الخارجية للدبلوماسية العامة سارة روجرز إن مقتل دورانك يُظهر "لماذا نتعامل مع العنف السياسي والإرهاب بشدة."

 

وقضى دورانك (23 عامًا) متأثرًا بإصابات في الرأس بعد تعرضه لهجوم من ستة أشخاص على الأقل، على هامش احتجاج ضد مؤتمر شاركت فيه النائبة الأوروبية ريما حسن من حزب "فرنسا الأبية" اليساري في مدينة ليون الأسبوع الماضي.

 

وتسببت الواقعة في سجال دبلوماسي بين فرنسا والولايات المتحدة من جهة وبين فرنسا وإيطاليا من جهة اخرى، التي تربط رئيسة وزرائها اليمينية جورجيا ميلوني علاقات ودية مع ترامب.

 

ودعا ماكرون، الخميس، رئيسة الوزراء الإيطالية إلى الكف عن "التعليق على ما يحدث عند الآخرين"، إثر إدلائها بموقف حول مقتل ناشط يميني نتيجة اعتداء من خصوم سياسيين. وكتبت ميلوني، الأربعاء، على منصة "إكس"، أن "مقتل شاب عشريني بهجوم جماعات مرتبطة بالتطرف اليساري في مناخ من الكراهية الأيديولوجية المنتشر في دول عدة، هو جرح لأوروبا بأسرها."

 

وخلال زيارة رسمية للهند، قال ماكرون: "فليهتم كل شخص بشؤونه لتسير الأمور على ما يرام". وأضاف: "أتعجب دائمًا عندما أرى قوميين لا يريدون أن يتدخل أحد في شؤون بلادهم، وهم أول من يعلّق على ما يحدث عند الآخرين،"

 

وتعليقًا على ما أدلى به ماكرون، أعرب مكتب ميلوني عن "دهشته"، مؤكدًا أن مواقفها جاءت بمثابة "علامة تضامن مع الشعب الفرنسي المتضرر من هذا الحدث المروع."

 

وقالت ميلوني، في مقابلة مع وسائل إعلام إيطالية: "أرى مناخًا لا يعجبني، أراه في إيطاليا وأراه في فرنسا وأراه في الولايات المتحدة". وأشارت إلى ما يُسمّى بـ «سنوات الرصاص" في إيطاليا بين عامي 1969 و1980، عندما عانت البلاد من هجمات شنتها منظمة "الألوية الحمراء" الماركسية المتطرفة."

 

وحينها فرّ العديد من أعضاء "الألوية الحمراء" السابقين إلى فرنسا، وتحول وجودهم إلى نقطة خلاف بين البلدين. وأضافت ميلوني: "يجب على الطبقات الحاكمة أن تفكر في طريقة لمكافحة مناخ قد يعيدنا بضعة عقود إلى الوراء، وهو تاريخ تعرفه إيطاليا جيدًا وتعرفه فرنسا جيدًا، بعدما منحت اللجوء السياسي لنخبة الألوية الحمراء."

 

وهي تلمح بذلك الى جدل بين البلدين حول لجوء أعضاء من الالوية الحمراء الى فرنسا. هذا الاستغلال الدولي لمقتل هذا الشاب الفرنسي سبقه استغلال داخلي من طرف اليمين واليمين المتطرف الفرنسي. فقد تحدث وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان عن "الكلمات التي تقتل"، كما اعتبر جوردان بارديلا، زعيم اليمين المتطرف، أن العنف قادم من اليسار المتشدد ويجب محاربته، في إشارة إلى حزب "فرنسا الأبية". واتهم وزير الداخلية لوران نونيز اليسار المتطرف بالمسؤولية عن الحادث. وكان هذا الحادث المأساوي مناسبة للهجوم السياسي على حزب فرنسا الابية الذي أصبح منافسا قويا لخصومه ويحمل خطابا مختلفا على خطاب التوافقات داخل المشهد السياسي.

 

حتى اليسار أصبح منقسمًا؛ إذ صرّح فرانسوا هولاند، من الحزب الاشتراكي والرئيس السابق، بأنه لا تحالف مع حزب ميلانشون حتى في الدور الثاني للانتخابات البلدية، بعد أن أخلّت الحركة برفض العنف في النقاش السياسي، حسب رأيه، وهو ما يعني انقسامًا خطيرًا داخل اليسار نفسه.

 

وحثّ ماكرون، إثر هذا الحادث المأساوي، الفرنسيين على الالتزام بالهدوء والتمسك بمبادئ الجمهورية، موجّهًا كلامه إلى كل من "الحركات اليسارية المتطرفة" و"الحركات اليمينية المتطرفة التي تضم أحيانًا ناشطين يبررون أعمال العنف.

 

وردّ جون لوك ميلانشون، زعيم الحركة، بعنف في تجمع بمدينة مونبلييه قائلًا: "ليس لنا علاقة بهذه القصة. كل من يزعم العكس مفترٍ!"، مشيرًا إلى تعرض مكاتب للتخريب نهاية الأسبوع.

 

وبعيدًا عن هذه الحادثة، فإن الإحصائيات التي نشرتها بعض وسائل الإعلام الفرنسية بينت أنه منذ 2022 وقعت 6 عمليات قتل ذات طابع سياسي؛ واحدة نُسبت إلى اليسار المتطرف و5 إلى اليمين المتطرف. كما أورد كتاب حول العنف السياسي في فرنسا منذ 1986 حتى اليوم، تحت إشراف الباحثة الاجتماعية إيزابيل سوميي، أن 57 عملية عنف سياسي أدت إلى القتل، منها 52 منسوبة إلى اليمين المتطرف و5 فقط إلى اليسار المتطرف، ما يبيّن الفارق في ممارسة العنف المؤدي إلى القتل.

 

لكن هذه الأحداث المحلية والمعزولة التي شهدتها فرنسا أخذت بعدًا دوليًا من خلال تدخل إيطاليا والولايات المتحدة الأميركية بشأن العنف الذي تعرفه فرنسا والتهديد الذي يشكله وعملية تضخيم هذا الحادث المأساوي الذي عرفته فرنسا. وهو ما يُعد إشارة واضحة إلى تحالف واسع لأحزاب وحكومات متشددة تجاه بلدان ديمقراطية، بما قد يؤشر إلى ما ينتظر الفرنسيين في الانتخابات الرئاسية لسنة 2027، التي لن تفلت من التدخلات الخارجية.

 

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg