في قلب مدينة فاس العريقة، وبين أزقتها الضيقة وأحيائها الشعبية التي تحتفظ برائحة التاريخ ونبض البسطاء، وُلد طارق السكتيوي سنة 1977. لم يكن طفلاً عادياً، فقد كانت قدماه تعرفان طريقهما إلى كرة صغيرة من قماش أو جلد أكثر مما تعرفان طريقهما إلى السكون. كان يركض في الأزقة خلف الكرة، يتعثر أحياناً وينهض مبتسماً، كأنه يدرك منذ تلك اللحظة أن السقوط ليس نهاية بل بداية جديدة. كان أصدقاؤه يلقبونه بـ"الفنان"، لأن لمساته للكرة تختلف عن البقية، فيها خفة، وفيها ذكاء مبكر لا يخطئ العين.
في البيت، كان طارق طفلاً هادئاً، لكن حين يخرج إلى الحي يتحول إلى قائد حقيقي، يوزع الأدوار على رفاقه في المباريات الصغيرة، ويصرّ على أن الانتصار ليس مجرد أهداف تُسجّل، بل روح جماعية تُصنع. والده كان يدعمه بالصمت، يراقبه من بعيد وهو يدرك أن ابنه يملك شيئاً مختلفاً، بينما والدته كانت تخشى عليه من أن يضيع بين أحلام لا يعرف أحد إن كانت ممكنة التحقق. غير أن طارق، وهو في سن مبكرة، كان يرى الكرة بوابة إلى عالم آخر، عالم أكبر من حدود الحي، ومن جدران المدرسة، ومن ضيق العيش الذي كان يلازم أسرته مثل ظل طويل.
التحق بمدرسة المغرب الفاسي، وهناك بدأ الحلم يتخذ شكلاً أوضح. كل مدرب يشاهده كان يؤكد أن موهبته استثنائية، جناح سريع يملك مراوغات ساحرة وقدرة على قراءة الملعب بذكاء لافت. لم يحتج وقتاً طويلاً ليحجز مكانه بين الكبار، حتى صار اسمه يتردد في مدرجات الملعب كما لو أنه الوعد القادم لكرة القدم المغربية.
حين شدّ الرحال إلى أوروبا، حمل معه حقيبة صغيرة وقلوب عائلته التي كانت ترفرف خلفه. في هولندا، بلد كرة القدم السريعة والمنظمة، وجد نفسه في تحدٍ جديد: لغة غريبة، ثقافة مختلفة، وانضباط صارم. لكنه لم يستسلم، بل جعل من كل مباراة امتحاناً لإثبات الذات. هناك، في الملاعب الأوروبية، تعلم أن الاحتراف ليس موهبة فقط، بل التزام يومي بالعمل، واحترام للفريق وللجمهور. صار لاعباً يحظى بالتقدير، يلمع في لحظات الحسم، ويترك أثره في قلوب الجماهير التي أحبّت طريقة لعبه.
مع المنتخب المغربي، كان طارق واحداً من تلك الوجوه التي تعطي الأمل لجمهور عطش للفرح. ارتدى القميص الوطني بألوانه الحمراء والخضراء وكأنه يرتدي قلبه، دافع عن الشعار بكل ما يملك من عرق وجهد، ووقف في صفوف الأسود في مواجهات صعبة، يحمل معه الحلم الجماعي لملايين المغاربة. لم يكن المنتخب آنذاك في أزهى أيامه، لكن السكتيوي ظل رمزاً للاعب المخلص، يرفض الهزيمة، ويحاول أن يصنع الفرق كلما لامست قدماه الكرة.
بعد سنوات من الاحتراف، جاء قرار الاعتزال، وكان ذلك بمثابة قَطع مع مرحلة وبداية لأخرى. لم يكن من السهل أن يترك المستطيل الأخضر، لكن قلبه كان يقول له إن الوقت حان لينتقل من دور اللاعب إلى دور المدرب، من صانع الأهداف إلى صانع الفرق. دخل عالم التدريب بخطوات مترددة في البداية، لكنه سرعان ما اكتشف أن شغفه لم يخفت، بل تحوّل إلى طاقة جديدة. عمل مع الفئات الشابة أولاً، ثم مع أندية تبحث عن بصمة، وكان يحمل في كل مباراة فلسفته الخاصة: أن كرة القدم ليست مجرد خطط ورسومات على الورق، بل تربية على الصبر، وانضباط، وروح جماعية.
مع نهضة بركان، وصل إلى محطة مفصلية. هناك وجد نفسه أمام تحدٍ كبير: نادٍ يطمح إلى اعتلاء منصات التتويج قارياً. آمن بلاعبيه، بنى فريقاً متماسكاً، وعلّمهم أن البطولة ليست فقط في المهارة، بل في القتال حتى آخر ثانية. وفعلاً، تحقق الحلم، فرفع الفريق كأساً قارياً تاريخياً، وكان طارق في قلب الصورة، يبتسم بهدوء بينما الدموع تتسابق في عيون اللاعبين والجمهور. لحظة كانت تختصر سنوات من العمل والتحدي والصبر.
لكن القدر خبأ له فصلاً آخر أكثر بريقاً. حين تسلم قيادة المنتخب المغربي للمحليين، كان يعرف أن المهمة ليست سهلة: جمهور ينتظر الكثير، ولاعبون محليون يريدون إثبات أنفسهم في ظل نجوم المحترفين. هنا ظهر معدن المدرب الحقيقي. زرع في لاعبيه الثقة، وجعلهم يؤمنون أن القميص الوطني لا يفرّق بين محترف في أوروبا ومحلي يلعب في الدوري الوطني، فالروح واحدة، والعلم واحد.
وجاءت بطولة إفريقيا للمحليين لتكون مسرحاً لبصمته. مباراة بعد أخرى، كان المنتخب يمشي بثقة، يلعب بانضباط، ويقاتل بروح جماعية لم يعرفها منذ سنوات. وفي النهائي، حين أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً تتويج المغرب باللقب الإفريقي للمرة الثالثة، انفجرت المدرجات بالفرح، وتعانق اللاعبون والطاقم الفني في مشهد خالد. وقف طارق السكتيوي مبتسماً، يرفع رأسه نحو السماء، وكأنه يقول في سره: "لقد تحقق الحلم، هذا من أجل فاس، من أجل المغرب، من أجل كل طفل يركض خلف الكرة في أزقة ضيقة كما كنت أنا ذات يوم".
في شخصيته، يختلط الحلم بالواقعية. هو الحالم الذي كان يركض وراء كرة من قماش في أزقة فاس، والواقعي الذي يعرف أن البطولة لا تُهدى بل تُنتزع بالعرق والجهد. هادئ في مظهره، لكنه ناري في قراراته، قليل الكلام لكن كلماته تحمل وزناً ثقيلاً. لا يبالغ في الاحتفال، بل يحتفظ بابتسامة خفيفة تختزن الكثير من الرضا الداخلي. يراه الكثيرون قدوة حقيقية: لاعب حمل راية المغرب في الملاعب الأوروبية، ومدرب صنع إنجازات محلية وقارية، ورجل علّم أجيالاً أن الطريق إلى المجد يبدأ من الإيمان بالنفس والعمل الجاد.
هكذا تُختصر قصة طارق السكتيوي: من طفل في فاس يلعب بالكرة وسط الغبار، إلى لاعب عالمي يلمع في أوروبا، إلى مدرب وطني يقود منتخبه إلى التتويج الإفريقي. هي رحلة إنسان حمل معه حلماً صغيراً، كبر معه حتى صار أسطورة، وكتب اسمه في سجل الرياضة المغربية بأحرف من ذهب. وبين البدايات المتواضعة والنهايات المشرقة، ظل الخيط الواصل بينهما هو الشغف، ذلك الشغف الذي لم يخفت يوماً، وظل يضيء له الطريق.
