الصورة التي التقطت لي زوال الأربعاء 2 أبريل 2025، بساحل غمارة بالطريق الساحلية رقم 16 بشمال المغرب، التقطت بموقع يسميه علماء الجيولوجيا: "باب الولوج إلى جنة الجيولوجيا في العالم".
هذا الموقع يوجد بقبيلة "بني بوزرة"، إحدى قبائل اتحادية غمارة، بالمدار المتوسطي (la rocade méditerranéenne)، الذي يحتوي على كنز جيولوجي ثمين يسمى "صخور البيريدوتيت" Péridolites، وهي صخور لا توجد إلا في ثلاث مواقع في العالم بشكل بارز، وهي : ساحل غمارة بشمال المغرب وسلطنة عمان والسعودية كما توجد ايضا في كاليدونيا الجديدة وجزر باباواسي وسواحل اليونان ويوغسلافيا السابقة، فضلا عن قطع صغيرة بالولايات المتحدة الأمريكية.
هاته الصخور السوداء تمثل غطاء الأرض، أي الطبقة الموجودة تحت القشرة الأرضية التي طفت إلى السطح بفعل انزياح الصفائح التيكتونية، وهي صخور تتكون في معظمها من بلورات كبيرة تضم العديد من المعادن.
حين وصف علماء الجيولوجيا في العالم المغرب بأنه "جنة الجيولوجيين" Le Paradis Des Géologues، فليس من باب الغزل والمجاملة، بل لأن تاريخ الكرة الأرضية بكامله تختزله أرض المغرب، بحكم أن المغرب يعد من البلدان القلائل في العالم، التي تتوفر على جميع الطبقات الجيولوجية، بشكل يتيح للعلماء الفرصة لدراسة تاريخ الأرض منذ نشأتها إلى اليوم، بفضل ماهو موجود بالمغرب، من أقدم الصخور المتوفرة بكثرة بإقليم أوسرد بجهة وادي الذهب ( التي تعود إلى أزيد من 3 ملايير سنة)، إلى صخور جبال الريف الداخلي بساحل غمارة التابع إداريا لإقليم شفشاون( الحديثة النشأة لكون عمرها يعود لحوالي 2 مليون سنة)، مرورا بكنوز سلسلة جبال الأطلس: الصغير والكبير والمتوسط.
إضافة إلى ذلك، فأرض المغرب تمنح للجيولوجيين فرصة ذهبية لدراسة آلاف المستحاثات النادرة عالميا. لدرجة أن الباحث المغربي البروفيسور أحمد الحساني ( مدير المعهد العلمي سابقا)، كشف بأنه: "يستحيل زيارة معرض أو متحف للجيولوجيا والمستحاثات في أي منطقة في العالم، دون العثور على مستحاثات مغربية معروضة فيه".
الكتلة الجيولوجية الموجودة في تراب قبيلة بني بوزرة بمقدمة جبل سيدي أحمد الفيلالي، اكتشفها باحثون فرنسيون في الجيولوجيا عام 1937. لكن هذه الكتلة لم تدخل لرادار علماء الجيولوجيا عالميا إلا بعد استقلال المغرب، بسبب تزمت الحماية الإسبانية وعدم تعاونها مع العلماء الفرنسيين آنذاك. إذ بدءا من سنة 1957 سيحظى ساحل غمارة بزيارات متعددة للعلماء من مختلف بقاع العالم، لتحديد هندسة وبنية ومكونات هاته الصخور التي لفظتها الأرض من أعماقها، لفهم أفضل للتطور التكتوني بين إفريقيا وأوربا ولفهم أوضح كذلك لانزياح القارات، خاصة وأن بعض الأشكال المماثلة من هذه الصخور توجد في الضفة الشمالية للمتوسط، وتحديدا في منطقة "روندا" Ronda بضواحي مدينة مالكا الإسبانية.
هذه الدينامية العلمية بساحل غمارة ستأخذ بعدا آخر، بعد أن أصبح المغرب يتوفر على أساتذة وباحثين جامعيين مختصين في الجيولوجيا، إذ بفضل هذا الجيل الجديد من الباحثين تم إقناع صناع القرار السياسي بالمغرب بوجوب تصنيف الساحل الممتد من قاع أسراس ( نواحي واد لاو) إلى جنان نيش(نواحي مدينة الجبهة) مرورا بتارغة واسطيحات واشماعلة وبني بوزرة قصد حمايته. وهو ما تأتى عام 1996، حيث بادر المشرع إلى إدراج ساحل غمارة في المخطط التوجيهي للمناطق المحمية في المغرب كموقع ذو أهمية بيولوجية وإيكولوجية.
وبحكم تمدد هذا الموروث الجيولوجي من البحر إلى عمق منتزه تلاسمطان( التابع لنفوذ إقليم شفشاون أيضا)، انتصبت أصوات مدنية وجامعية للترافع من أجل إدراج "جيوبارك شفشاون" ضمن الشبكة العالمية للمنتزهات الجيولوجية، على غرار المكسب الذي انتزعه المغرب من قبل، لما تم إدراج "جيوبارك مكون" بإقليم أزيلال(Megoun)، من طرف اليونيسكو، كأول جيوبارك مغربي في البوديوم العالمي(هناك 111 "جيوبارك" مصنف من قبل اليونيسكو في 32 دولة).
والأجمل هو أن تنهض الجامعة المغربية والجمعيات الجادة، بقيادة الترافع لتحديد مسار جيولوجي (علمي وسياحي وإيكولوجي) يربط بين المحميات وبجيوبارك وبالمنتزهات الوطنية الكبرى بالمغرب ككل. على أساس أن يمتد هذا المسار على طول يقارب 3000 كيلومتر، من ساحل غمارة بشفشاون إلى صخور إقليم أوسرد، مرورا بمنتزهات: تلاسمطان، بلوطة بوزان، تازكة بتازة، إفران، خنيفرة، ميدلت، مكون بأزيلال، طوبقال، سوس، إيريقي بزاكورة، وركزيز بإقليم أسا الزاك، وأخنيفيس بضواحي طرفاية.
وإذا تحقق ذلك، يمكن للمغرب أن يصبح قبلة للباحثين من كل الأصقاع لسبر أغوار كوكب الأرض من جهة، ويصبح المغرب قبلة لعشاق السياحة البيئية والجبلية والصحراوية من جهة ثانية، مع ما يمكن أن يترتب عن ذلك من خلق روافع تنموية تعود بالرفاه على عموم المغاربة، لإخراج الأغلبية الساحقة منهم من الجحيم وشظف العيش إلى حيث المجال أرحب لقطف ثمار "الجنة الجيولوجية" التي وهبها الله للمغرب.