الأحد 30 مارس 2025
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: لا راشي ولا مرتشي وكل اغتناء مشروع.. دفاع مجاني عن الحكومة!!

إدريس الأندلسي: لا راشي ولا مرتشي وكل اغتناء مشروع.. دفاع مجاني عن الحكومة!! إدريس الأندلسي
رأيت الكثير من المسؤولين يتوددون "بصدق" لترانبرانسي المغرب حين يتكلمون خلال ندواتها، أو خلال ندوات تتعلق بموضوع الرشوة، وهذا يُحسب لهم. يفرحون كثيراً حين يتم إدخال بعض التحسينات على مرسوم الصفقات العمومية، ويزدهون بالمبادئ التي بُني عليها القانون التنظيمي للمالية. والأمر المهم هو تقوية ترسانة قانونية، والباقي مجرد تفاصيل. وحين يتم الكلام عن الاغتناء غير المشروع يتكلمون عن إصلاح مرسوم الصفقات، يرون أن الطعن في كل ما يتعلق بأرقام الرشوة وكيف ينظر إليها المواطن واجب سياسي. وأصبح الكلام عن إدخال هذا الاغتناء للقانون الجنائي غير ضروري. تطورت هذه القضية خلال السنوات الأخيرة حين قيل إن ترتيب المغرب يوجد في أسفل لائحة الدول، فقرروا التنديد المسؤول بكل خطاب أو عمل هدفه تبخيس حصيلة حكومية بدعم من عناصر خارجية. وحين طفح الكيل بالحكومة التي يقودها من رفع بوعي شعار "إعادة الترابي"، عملت بجد وصرامة على إزاحة البشير الراشدي رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة. وصمد الحزب الأول وانسحب فريق التجمع الوطني للأحرار من جلسة برلمانية احتجاجاً على ظلم غير مبرر. وهكذا تمت مواجهة من يقولون إن ذلك التقرير المشؤوم فيه "رصد موضوعي وعلمي لمرض الرشوة الذي ينخر اقتصادنا ومشاريعنا ويعطل مستوى النمو". وجاءت أمطار الخير لتؤكد حسن النوايا ولتدحض من يريد أن يشوش على نجاح مستمر للحكومة يستمر لكي تبهر المغاربة والعالم بتنظيم كأس العالم وكأس أفريقيا وكل الكؤوس إلى ما بعد سنة 2030.
 
يتم الترويج كثيراً لاتساع رقعة الرشوة ببلادنا، يفرح المشوشون ولا يخفون ابتهاجهم بالوصول إلى هدفهم مثلهم مثل كثير ممن يسمون أنفسهم "بالحقوقيين". لكن الحكومة وأغلبيتها تقف لهم بالمرصاد. وغداً سيصبح كل تقرير يشوش على عمل الحكومة سبباً للهجوم على من يسيرون مؤسسات الحكامة. لن يتم استثناء هيئة من هذه الهيئات سواء تعلق الأمر بالمنافسة، أو حقوق الإنسان، أو القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، أو الوساطة أو الإحصائيات حول التضخم والبطالة أو السياسة النقدية. ولقد بدأت تحليلات الصحافة تبين أن التقارير التي ستصدرها مؤسسات الحكامة ستعرف كثيراً من التفهم لجهود الحكومة وإنصاف جميع مكوناتها.
 
ولأن "الحق يعلو ولا يُعلى عليه" وبعد تفكير لا قدرة لي على وصفه بالعميق، تبين لي أن الكثير من محاربي الرشوة والفساد لم يتمعنوا جيداً في سلّم أولويات الحكومة ذات الامتدادات العضوية في التجارة والصناعة والفلاحة والأبناك وشركات التأمين والطاقات والمياه. كان عليهم أن يتركوا هذا الفريق الحكومي يشتغل في هدوء، وأن يمتنعوا عن إصدار التقارير والأرقام المرعبة إلى غاية انتهاء عمر الحكومة الدستوري. الحكومة تبني ملاعب كرة القدم والسدود والطرق، ولا يجب أن تضيع وقتها في خوض معركة ضد من راكم أموالاً، وساند حملات انتخابية، ونظّم موائد الرحمان، وضحى بوقته الثمين في اجتماعات طويلة بالجماعة والجهة والبرلمان، ناهيك عن مطالب وحاجيات الحزب.
 
أمام كل هذا الالتزام، يتم تخويف "المنخرطين في السياسة" ببعبع المحاسبة، ويُشهر في وجههم سيف الشكايات أمام القضاء. وهذا ما يدفعهم لهجران السياسة تفادياً "لصداع الرأس". ولقد كان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على صواب حين تصدى بقوة للجمعيات التي لا تترك المسؤول السياسي في حاله لينال في الدنيا حسنة دون حسد من أناس ينصّبون أنفسهم مدافعين عن المال العام.
 
يجب أن تعبّر الحكومة وأغلبيتها عن حبور جياش بعد إنزال البشير الراشدي من كرسي رئاسة هيئة الوقاية من الرشوة. لقد كان تقريره الأخير مرعباً ومخيفاً للكثيرين من أصحاب النيات الحسنة، وكذلك الذين أنعمت عليهم السماء بالخيرات بعيداً عن ممارستهم لمهامهم السياسية. خاف العديد منهم من تكلفة 50 مليار درهم التي قيل إنها مرتبطة بالرشوة. خافوا إن تقرر فرض إرجاعها عليهم. وتبين، والحمد لله، أن هذا الرقم هو مجرد مؤشر قيل إنه يُستخرج "علمياً" حسب منهجية دولية متعارف ومتفق عليها. وهكذا ظهر الحق وزهق ذلك الباطل الذي يُراد به محاسبة الناس على أملاكهم التي يشهد عليها عرق جبينهم الغزير. يجب أن تستمر الحكومة في طمأنة المنتسبين إلى مكوناتها ليستعيدوا الرغبة في المشاركة في الانتخابات، وتسيير المجالس الترابية. ويجب أن تدعمهم وتحميهم عبر الحد من تدخل تلك الجمعيات التي تدّعي أن رسالة أتتها من السماء لمحاربة فساد لا يوجد إلا في عقول مسيريها. وسيرون أن مشروع قانون المسطرة الجنائية سيضعهم على الهامش، ويسد الطريق أمامهم للوصول إلى القضاء، والحط من معنويات المسؤولين الذين يبذلون جهداً جهيداً لخدمة المواطن، ويضحون في سبيل ذلك بالغالي والنفيس. وأجرهم عند خالقهم إن شاء الله. أما من أخطؤوا، دون نية مبيتة، وحُكم عليهم بالسجن، فإنهم سيرجعون لأنهم يؤمنون بقدرهم وما كُتب عليهم. ويجب أن تُجند أحزاب الحكومة مجموعة من مناضليها للدعاء ليل نهار لكي يُلهم الله كل مسؤول جديد قناعة لا تفنى ورزقاً حسناً يزيد في كل وقت وحين.
 
ملحوظة مهمة
وأجد نفسي، في الأخير، مضطراً للاعتراف بأني "قلّبت الفيستا" وقررت عدم السباحة ضد التيار. بدأ الشك يسكنني في قدرة المجتمع المدني على التصدي لهجوم الحكومة على حق المواطن في المشاركة في تدبير الشأن العام عبر الديمقراطية التشاركية. وزاد هذا الشك حين أصبح الهجوم على مؤسسات الحكامة مجالاً تصول فيه الأغلبية الحكومية وتجول. ووجب التأكيد على أن الضغط على القوة الشرائية والتضييق على الولوج إلى المرافق العمومية يستمر في رفع مستوى وحجم الهشاشة لدى فئات كثيرة.