"في حضرة الغياب تأبين الشاعر محمد عنيبة الحمري في ليلة رمضانية بالحي المحمدي وكأن الشعر يأبى أن يغيب وكأن القوافي تأبى أن تفقد عاشقها..."
في ليلة رمضانية مفعمة بالحنين، احتضنت قاعة دار الشباب بالحي المحمدي حفل تأبين شاعر غاب جسده لكنه بقي حاضرا في ذاكرة محبيه، حيث اجتمع رفاق دربه الأدباء والنقاد والشعراء و الفنانين والرياضيين والإعلاميين...ليضيئوا بحديثهم شمعة في درب الذكرى يستعيدون ملامح صوته، تفاصيل رحلته وكلماته، التي ما زالت تتردد في فضاءات الشعر؛
استهل التأبين باستعادة سنوات الطفولة حين كان الفقيد صبيا هادئا تتفتح عيناه على سحر الحروف في أزقة الحي، وفي صفوف المدرسة الإبتدائية كان الطفل يخط أولى كلماته يلتقط شذرات المعاني من الكتب القديمة ويغزل منها عالما خاصا به، منذ تلك السنوات الأولى كان واضحا أنه لا يشبه أقرانه، كان يقرأ بنهم ينحت الكلمات كما ينحت الصانع تمثاله الأول بتأن وشغف،ومع انتقاله إلى المرحلة الإعدادية بدأ ذلك العشق للحروف يتحول إلى فعل إبداعي.
كتب أولى محاولاته الشعرية قرأها على أصدقائه بثقة، لم يخش النقد، كان يشعر أن داخله نهرا لا يمكن إيقافه. منذ تلك اللحظة صار الشعر هويته الأولى طريقه للبوح وللرؤية، كان الفقيد يكتب كما يتنفس حتى صار الشعر جزءا لا يتجزأ من يومياته.
في سنوات الشباب تزايد ولعه بالكلمة وصار يقتفي أثر كبار الشعراء يحفظ أبيات كبار الشعراء وينهل من أمهات الكتب ويغوص في أعماق الأدب ويستلهم من الرواد رؤيتهم للعالم.
لم يكن يكتب لمجرد الكتابة بل كان يحاول أن يمنح القصيدة روحا جديدة، أن يجعلها صوته الداخلي، وحين صدر ديوانه الأول كان ذلك بمثابة ولادة جديدة، حمل الكتاب بين يديه كما يحمل الأب طفله الأول نظر إليه بإعجاب ثم قال لأصدقائه الآن فقط بدأت الرحلة.

توالت الشهادات وكانت كلها تصب في نهر واحد، الحديث عن شاعر لم يكن عابرا، عن صوت امتد في أفق الشعر المغربي، استعاد الحاضرون محطات من مسيرته من حواراته العميقة من نضاله من أجل قصيدة تحمل الهم الإنساني لا مجرد كلمات على ورق...تحدثوا عن التزامه عن رهافة إحساسه وعن محاولاته الدائمة لتوسيع أفق القصيدة لجعلها أكثر قربا من نبض الحياة. لم يكن الفقيد شاعرا فقط بل كان ذاكرة ثقافية، إنسانا يرى في الكلمة فعلا مقاوما ورحلة بحث لا تنتهي.
اختتم اللقاء بكلمة العائلة التي حملت في طياتها امتنانا للحضور واعتزازا بإرث الشاعر الذي لم يكن مجرد فرد من أسرته بل كان فردا من عائلة الشعر من عائلة الإبداع التي لا تعرف الغياب. وكما عاش محمد عنيبة الحمري شاعرا رحل شاعرا وكما أضاء الدروب بحروفه بقيت كلماته شاهدة على حضوره الذي لا يخبو في تلك الليلة الرمضانية في دار الشباب الحي المحمدي لم يكن الموت نهاية بل كان مجرد فاصلة في قصيدة لم تنته بعد
فكل الشكرا لفرع الحي المحمدي والشكر موصول للدكتور عبد المقصود راشدي مبدع هذه المبادرة الإنسانية الراقية التي تجسد قيم الوفاء وتكرس ثقافة الاعتراف لمن منحوا حياتهم للكلمة النبيلة وللشعر الذي يضيء دروب العابرين وبذلك فالشعلة في ذكراها الخمسين تؤكد من جديد أنها حاضنة للثقافة والمثقفين و الفنانين... ملتزمة بالوفاء لكل الرواد وصناع الأمل بفيض الإبداع حيث بدت شامخة في هذا اللقاء بما تمثله من ذاكرة ثقافية عريقة ومسار حافل في خدمة الكلمة الحرة والإبداع الجاد.
فكل الشكرا لفرع الحي المحمدي والشكر موصول للدكتور عبد المقصود راشدي مبدع هذه المبادرة الإنسانية الراقية التي تجسد قيم الوفاء وتكرس ثقافة الاعتراف لمن منحوا حياتهم للكلمة النبيلة وللشعر الذي يضيء دروب العابرين وبذلك فالشعلة في ذكراها الخمسين تؤكد من جديد أنها حاضنة للثقافة والمثقفين و الفنانين... ملتزمة بالوفاء لكل الرواد وصناع الأمل بفيض الإبداع حيث بدت شامخة في هذا اللقاء بما تمثله من ذاكرة ثقافية عريقة ومسار حافل في خدمة الكلمة الحرة والإبداع الجاد.