السبت 5 إبريل 2025
كتاب الرأي

جلال كندالي: أوكرانيا وتعدد الأقطاب.. صراع المصالح وإعادة تشكيل النظام العالمي

جلال كندالي: أوكرانيا وتعدد الأقطاب.. صراع المصالح وإعادة تشكيل النظام العالمي جلال كندالي
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يتصدر النزاع الأوكراني مشهد العلاقات الدولية، ليس فقط كأزمة عسكرية، بل كحجر زاوية في إعادة تشكيل النظام العالمي. فالمواقف المتباينة التي برزت خلال الندوة الصحفية التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب التصريحات المتزامنة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تعكس بوضوح صراع المصالح بين القوى الكبرى، خاصة مع دخول الصين على خط هذه التفاعلات.

في الوقت الذي شدد فيه ماكرون على ضرورة إشراك أوروبا في أي عملية سلام مستقبلية بين روسيا وأوكرانيا، بدا أن الولايات المتحدة غير متحمسة لهذا الدور، وهو ما ظهر جليا في تجاهل ترامب لمقترح إنشاء قوة حفظ سلام أوروبية. هذا التجاهل لا يعكس فقط اختلافا في الأولويات، بل يشير إلى تهميش متزايد للدور الأوروبي في القضايا الجيوسياسية الكبرى.

ففي ظل محاولات الاتحاد الأوروبي إيجاد موطئ قدم في معادلة القوة، كانت موسكو تسعى لترسيخ فكرة أن مفاوضاتها مع واشنطن تظل شأنا ثنائيا، بعيدا عن التدخل الأوروبي. وقد أكد بوتين في تصريحاته أن موقف ترامب من ملف المعادن النادرة في أوكرانيا لا يخدم المصالح الروسية، في إشارة إلى أن هذا الملف يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الأزمة الأوكرانية نفسها.

أحد أكثر التصريحات إثارة للاهتمام كان إعلان بوتين عن استعداد موسكو للاتفاق مع واشنطن على خفض ميزانيات الدفاع بنسبة 50%، مع إمكانية انضمام الصين لاحقا. هذه الخطوة، رغم ما قد تبدو عليه من نوايا سلمية، تحمل دلالات استراتيجية أعمق، إذ تعكس سعيا لتقليص سباق التسلح الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، كما تتيح إعادة توجيه الموارد نحو تعزيز النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وهو ما قد يرسخ هيمنة القوى الكبرى على حساب اللاعبين الإقليميين.

في المقابل، فإن هذا الاتفاق المحتمل قد يضعف الطموح الأوروبي في بناء قوة دفاعية مستقلة، حيث ستبقى القرارات العسكرية الكبرى بيد القوى الثلاث، مما يزيد من هشاشة الموقف الأوروبي في معادلة الأمن الدولي.

المعادن النادرة تشكل بدورها عنصرا حاسما في هذه التحولات، إذ تعد من أهم الموارد الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، نظرا لدورها المحوري في الصناعات العسكرية والتكنولوجية. مع سيطرة الصين على ما يقارب 60% من الإنتاج العالمي لهذه المعادن، بات من الواضح أن أي اتفاق بين واشنطن وموسكو حول هذا القطاع قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي.

في هذا السياق، تبرز أوكرانيا كلاعب غير مباشر في هذه المعادلة، حيث تمتلك احتياطيات هائلة من هذه المعادن، مما يجعلها محل اهتمام أمريكي متزايد. وإذا تمكنت واشنطن من تعزيز نفوذها في هذا المجال، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص اعتمادها على السوق الصينية، وهو ما قد يعيد رسم العلاقات الاقتصادية بين الأقطاب الثلاثة، ويدفع الصين إلى تعزيز تحالفها مع روسيا لحماية مصالحها في هذا القطاع الحيوي.

هذه التحركات تشير إلى أن العالم يتجه نحو نظام دولي جديد تتصدره الولايات المتحدة، الصين، وروسيا، بينما يتراجع الدور الأوروبي بشكل متسارع. فواشنطن لا تزال تحتفظ بتفوقها العسكري والاقتصادي، لكن التحديات التي تواجهها في الحفاظ على هيمنتها المطلقة تتزايد. في المقابل، تنمو الصين بسرعة كقوة اقتصادية وتقنية عالمية، وتسعى إلى ترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في التجارة والصناعات الاستراتيجية. أما روسيا، فرغم العقوبات المفروضة عليها، فإنها لا تزال قوة عسكرية وسياسية لا يستهان بها، مستفيدة من مواردها الطبيعية وتحالفاتها المتعددة.

في ظل هذا المشهد، تبدو أوروبا الخاسر الأكبر، حيث تجد نفسها خارج معادلة التفاهمات الكبرى، بعد أن كانت لعقود طويلة شريكا رئيسيا في صنع القرار العالمي. وبينما تسعى واشنطن وموسكو وبكين إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديا وجوديا يتمثل في الحفاظ على دوره كقوة مؤثرة في نظام عالمي يتجه نحو التعددية القطبية، حيث لم تعد واشنطن الطرف الوحيد الممسك بخيوط اللعبة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد مفاوضات دبلوماسية حول أوكرانيا، بل هو جزء من عملية إعادة هيكلة شاملة للنظام الدولي. فخفض ميزانيات الدفاع وإعادة صياغة خارطة النفوذ الاقتصادي عبر المعادن النادرة يعكسان أن السلام، في هذا السياق، ليس سوى غطاء لإعادة ترتيب المصالح. ومع استمرار هذه التحولات، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة، حيث ستكون الولايات المتحدة، روسيا، والصين القوى المهيمنة، بينما تبقى أوروبا على الهامش، تحاول التأقلم مع هذه التغيرات بدلا من قيادتها.