لست من الذين يحبون الخوض في اللجاج سيما إذا كان عقيما، كذلك الذي يكون بين الطرشان. ومع ذلك سأقوم
بتصحيح الحقائق انطلاقا من حدث وطني كنت شاهدا عليه، ومن الذين كانوا وراءه صحبة ثلة من الشباب مازال بعضهم على قيد الحياة.
ولكن قبل ذلك أود القول أن مشكلتنا الرئيسية نحن أبناء الأقاليم الصحراوية المغربية، وهي من أخطر
ما يواجهنا، أن كل قبيلة من قبائلنا تدعي القيادة والزعامة والريادة للمجتمع، وداخلها يدعي كل مكون من مكوناتها أنه الممثل لها، وداخل هذا المكون نجد أن أحد أشخاصه يدعي أنه يرجع له الفضل في تأسيس ذلك المكون وتلك القبيلة، وفي هذا تضيع الحقائق، وتكثر الأباطيل، ويتم تزوير التاريخ، وتحريف الوقائع حتى ولو كان أهلها مازالوا على قيد الحياة.
مناسبة هذا الكلام ماسمعته مؤخرا من تسجيل صوتي لأحد أبناء أقاليمنا الجنوبية، الفاضل والوطني الكبير عبداتي لعريش، الذي تربطني وإياه علاقة مودة واحترام لا داعي لذكر سببها، ولولاها لما علقت على كلامه، خاصة مايتعلق منه بتأسيس جبهة التحرير والوحدة.
إن التاريخ يشهد، وهذا مايعرفه كل مسؤول أمني وإداري يحترم نفسه، كان في الطنطان أو كلميم، وكذلك بعض شباب كلميم، أن هذه الجبهة تم التفكير فيها، والتخطيط لإخراجها، على يد ثلاثة أفراد (أبو زيد اعلي سالم بن دحمان، سيدي أحمد بوليد، ماءالعينين ماءالعينين) ثم انضمت إليهم العشرات من المثقفين والأطر من أبناء كلميم. وسأكتفي بإعادة نشر مقال كتبته في الموضوع لكي يعرف القارئ حقيقة تكوين هذه الجبهة والمراحل التي مرت منها. ولعل السيد أبوزيد علي سالم ابن دحمان، والسيد بوليد سيدي أحمد، والسيد مفتاح سيداتي الباشا حاليا بمدينة تمارة، الذي كان حينها مقررا للجنة التي وضعت قانونها الأساسي بغابة معمورة، وكنت رئيسها إلى أن أنهت أشغالها عكس مايدعيه البعض أحيانا، خير من يشهد على ذلك.
وإن كنت أتذكر جيدا، أنني وأنا أترأس إحدى الجلسات، تلقيت أمرا قصد الإلتحاق بالجنرال الدليمي بمنزله من أجل ضبط بعض الأمور التنظيمية، فكلفت بعض الأخوة الذين التحقوا بنا من الرباط برئاسة تلك الجلسة نيابة عني.
لقد جانب عبداتي لعريش الحقائق التاريخية، حين أكد أنه وبتعليمات من صالح زمراك كان وراء تأسيس
الجناح السياسي لجبهة التحرير والوحدة، بل أؤكد للتاريخ أن زمراك، وهو حينئذ عاملا على إقليم الطنطان، كان في منتهى الحيرة والدهشة حين استقباله لي من أجل إخباري أن الرسالة التي وقعتها صحبة السيدين أبوزيد علي سالم ابن دحمان، وسيدي أحمد بوليد، قد صادق جلالة الملك الراحل على فحواها ويجب علينا أن ننطلق من أجل العمل...
لا أنفي ولا أؤكد أن عامل الإقليم استدعاه على الساعة الثانية صباحا من أجل الإخبار، وأمره بالالتحاق بالركب، وذلك بعد أن تفاجأ هو نفسه (أي العامل) بالتعليمات التي أعطيت إليه، والتي على إثرها استقبلني بمكتبه وهو في منتهى الغيظ والدهشة.
إن التاريخ يشهد، وكذلك العشرات من شباب مدينة كلميم، ومالدينا من حجج (سندلي بها في الوقت المناسب)، أن تأسيس الجناح السياسي لجبهة التحرير والوحدة، تم على يد مجموعة من الشباب بمدينة كلميم، دون تعليمات ولا توجيهات، من أي مسؤول مهما علت مكانته، رائدهم في ذلك، الإخلاص لثوابت الأمة، والدفاع عن مقدساتها، والإيمان بوحدة الوطن
والدفاع عنها. غير منتظرين من أي مسؤول كان إعطائهم الضوء الأخضر في ذلك، حينما توجهوا الى حضرة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طالبين منه إعطائهم الضوء الأخضر لتأسيس ذلك. ذلك أن الوطني الغيور على وطنيته لايحتاج من أجل القيام بها إلى تكليف أو تعليمات من أي مسؤول اداري أو أمني، مهما علت رتبته، وهذا بالضبط ماكان يقوم به آباؤنا جميعا، حينما اتجهوا من الجنوب صوب الشمال دفاعا عن ملكهم ومقدساتهم ووحدتهم الترابية وهم الذين قاموا بعدة مسيرات وحدوية من أجل ذلك.
كما يشهد التاريخ كذلك وكل من يملك ذرة من حقائقه الناصعة البياض، أنه إن كانت مدينة الطنطان هي منشأ ومركز وتأسيس جبهة البوليساريو، حيث انضم إليها بعد ذلك من انضم من بقية شباب الجهات الأخرى، فإن مدينة كلميم هي المكان الأول لمنشأ ومركز وتأسيس الجناح السياسي لجبهة التحرير والوحدة، وبعد ذلك انضم إليها من انضم من شباب بقية الجهات الأخرى. وهذا شرف يحسب للمدينة ولمن ساهم من شبابها في ذلك، ولذلك الثلاثي الذي كان وراء الفكرة،
وللمزيد من التوضيح سأكون مضطرا لإعادة مقال نشرته من قبل حول الوضوع. ولكل حادث حديث
●●●●●●●
الوطنية لا تتجزأ ولا تقبل القسمة على اثنين. فإما أن تكون وطنيا أو لا تكون كذلك. كثيرا ما عن لي القول إن جميع المسيرات التي قام بها أبناء الصحراء المغربية، في سبيل تحرير أرض الوطن، كانت تلقائية باستثناء المسيرة الخضراء. تلك التي دعا إليها جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. لن نغوص في التاريخ القديم، وسيكون الاستهلال من البدايات الأولى لتوغل الاستعمارين الفرنسي والاسباني. في اراضينا المغربية. هب الصحراويون المغاربة للدفاع عن الأرض، يحذوهم في ذلك الاخلاص لشعار آمنوا به. وأخلصوا له وماتوا من أجله، قبل أن يكون شعارا رسميا للمملكة. منذ تلك البدايات لا ينام صغارهم ويصحون إلا على تلك الأيادي الممتدة عاليا الى عنان السماء طالبين أن يحفظ الله الأوطان وينصر السلطان. أي الاخلاص لله في التوجه اليه والدعاء للوطن وللسلطان.
حارب القوم عن بكرة أبيهم الاستعمار الاسباني في الجنوب والفرنسي في الشمال. ضحوا بأنفسهم، وإبلهم وأمعيزهم وخيامهم من أجل شعارهم ذلك، اختار الرجال منهم ضنك العيش والتخندق في المغارات والكهوف، من أجل التصدي لاستعمار واجهوه في الصحاري والجبال، اتجهوا شمالا، خاضوا معه معارك طاحنة في جبال الصحراء وسوس. وصلت الى سيدي بوعثمان. وتجاوزت إلى ثخوم تادلة والشاوية ومنهم من شارك في جيوش عبد الكريم الخطابي، وساهم في معارك خاضتها قبائل الأطلس. وايت عطا وايت خباش، ضد الاستعمار الفرنسي. وكانوا قبل ذلك اتوا على ظهور جمالهم ومنهم من أتى راجلا، قصد استقبال السلطان الحسن الأول في رحلته للجنوب المغربي. وما انخراطهم في صفوف جيش التحرير المغربي إلا أكبر برهان على ذلك. أعطوا إبلهم ومواشيهم وخيامهم وقِربهم له، إعانة منهم وسخاء في سبيل الشعار. تركوا ما كانوا عليه من عيش نعيم وكريم، استجابة لنداء الواجب. كانوا من الأوائل الذين جعلوا من الرباط قبلة لهم بعد عودة سلطان البلاد من المنفى. وكانوا قبل ذلك يأتون إلى فاس ومراكش و الرباط، من أجل لقاء السلاطين العلويين. وتجديد البيعة والولاء لهم وطلب الإعانة للتصدي للاستعمار وأذنابه، وما التحاقهم من الصحراء المغربية على ظهور جمالهم وخيولهم، ببلدة محاميد الغزلان قصد حضور الزيارة التاريخية لجلالة المغفور له محمد الخامس، بتاريخ 25 فبراير 1958 إلا أكبر دليل على ذلك. كل ذلك وغيره كثير تم دون تلقي أدنى إشارة من المركز والعاصمة والجهات الرسمية. إنه الإخلاص للشعار، والتفاني في حب الوطن والتعلق بالمقدسات. وبالجالس على عرش المملكة، وعلى هذا النهج القويم والطريق المستقيم صار الأبناء.
بتصحيح الحقائق انطلاقا من حدث وطني كنت شاهدا عليه، ومن الذين كانوا وراءه صحبة ثلة من الشباب مازال بعضهم على قيد الحياة.
ولكن قبل ذلك أود القول أن مشكلتنا الرئيسية نحن أبناء الأقاليم الصحراوية المغربية، وهي من أخطر
ما يواجهنا، أن كل قبيلة من قبائلنا تدعي القيادة والزعامة والريادة للمجتمع، وداخلها يدعي كل مكون من مكوناتها أنه الممثل لها، وداخل هذا المكون نجد أن أحد أشخاصه يدعي أنه يرجع له الفضل في تأسيس ذلك المكون وتلك القبيلة، وفي هذا تضيع الحقائق، وتكثر الأباطيل، ويتم تزوير التاريخ، وتحريف الوقائع حتى ولو كان أهلها مازالوا على قيد الحياة.
مناسبة هذا الكلام ماسمعته مؤخرا من تسجيل صوتي لأحد أبناء أقاليمنا الجنوبية، الفاضل والوطني الكبير عبداتي لعريش، الذي تربطني وإياه علاقة مودة واحترام لا داعي لذكر سببها، ولولاها لما علقت على كلامه، خاصة مايتعلق منه بتأسيس جبهة التحرير والوحدة.
إن التاريخ يشهد، وهذا مايعرفه كل مسؤول أمني وإداري يحترم نفسه، كان في الطنطان أو كلميم، وكذلك بعض شباب كلميم، أن هذه الجبهة تم التفكير فيها، والتخطيط لإخراجها، على يد ثلاثة أفراد (أبو زيد اعلي سالم بن دحمان، سيدي أحمد بوليد، ماءالعينين ماءالعينين) ثم انضمت إليهم العشرات من المثقفين والأطر من أبناء كلميم. وسأكتفي بإعادة نشر مقال كتبته في الموضوع لكي يعرف القارئ حقيقة تكوين هذه الجبهة والمراحل التي مرت منها. ولعل السيد أبوزيد علي سالم ابن دحمان، والسيد بوليد سيدي أحمد، والسيد مفتاح سيداتي الباشا حاليا بمدينة تمارة، الذي كان حينها مقررا للجنة التي وضعت قانونها الأساسي بغابة معمورة، وكنت رئيسها إلى أن أنهت أشغالها عكس مايدعيه البعض أحيانا، خير من يشهد على ذلك.
وإن كنت أتذكر جيدا، أنني وأنا أترأس إحدى الجلسات، تلقيت أمرا قصد الإلتحاق بالجنرال الدليمي بمنزله من أجل ضبط بعض الأمور التنظيمية، فكلفت بعض الأخوة الذين التحقوا بنا من الرباط برئاسة تلك الجلسة نيابة عني.
لقد جانب عبداتي لعريش الحقائق التاريخية، حين أكد أنه وبتعليمات من صالح زمراك كان وراء تأسيس
الجناح السياسي لجبهة التحرير والوحدة، بل أؤكد للتاريخ أن زمراك، وهو حينئذ عاملا على إقليم الطنطان، كان في منتهى الحيرة والدهشة حين استقباله لي من أجل إخباري أن الرسالة التي وقعتها صحبة السيدين أبوزيد علي سالم ابن دحمان، وسيدي أحمد بوليد، قد صادق جلالة الملك الراحل على فحواها ويجب علينا أن ننطلق من أجل العمل...
لا أنفي ولا أؤكد أن عامل الإقليم استدعاه على الساعة الثانية صباحا من أجل الإخبار، وأمره بالالتحاق بالركب، وذلك بعد أن تفاجأ هو نفسه (أي العامل) بالتعليمات التي أعطيت إليه، والتي على إثرها استقبلني بمكتبه وهو في منتهى الغيظ والدهشة.
إن التاريخ يشهد، وكذلك العشرات من شباب مدينة كلميم، ومالدينا من حجج (سندلي بها في الوقت المناسب)، أن تأسيس الجناح السياسي لجبهة التحرير والوحدة، تم على يد مجموعة من الشباب بمدينة كلميم، دون تعليمات ولا توجيهات، من أي مسؤول مهما علت مكانته، رائدهم في ذلك، الإخلاص لثوابت الأمة، والدفاع عن مقدساتها، والإيمان بوحدة الوطن
والدفاع عنها. غير منتظرين من أي مسؤول كان إعطائهم الضوء الأخضر في ذلك، حينما توجهوا الى حضرة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طالبين منه إعطائهم الضوء الأخضر لتأسيس ذلك. ذلك أن الوطني الغيور على وطنيته لايحتاج من أجل القيام بها إلى تكليف أو تعليمات من أي مسؤول اداري أو أمني، مهما علت رتبته، وهذا بالضبط ماكان يقوم به آباؤنا جميعا، حينما اتجهوا من الجنوب صوب الشمال دفاعا عن ملكهم ومقدساتهم ووحدتهم الترابية وهم الذين قاموا بعدة مسيرات وحدوية من أجل ذلك.
كما يشهد التاريخ كذلك وكل من يملك ذرة من حقائقه الناصعة البياض، أنه إن كانت مدينة الطنطان هي منشأ ومركز وتأسيس جبهة البوليساريو، حيث انضم إليها بعد ذلك من انضم من بقية شباب الجهات الأخرى، فإن مدينة كلميم هي المكان الأول لمنشأ ومركز وتأسيس الجناح السياسي لجبهة التحرير والوحدة، وبعد ذلك انضم إليها من انضم من شباب بقية الجهات الأخرى. وهذا شرف يحسب للمدينة ولمن ساهم من شبابها في ذلك، ولذلك الثلاثي الذي كان وراء الفكرة،
وللمزيد من التوضيح سأكون مضطرا لإعادة مقال نشرته من قبل حول الوضوع. ولكل حادث حديث
●●●●●●●
الوطنية لا تتجزأ ولا تقبل القسمة على اثنين. فإما أن تكون وطنيا أو لا تكون كذلك. كثيرا ما عن لي القول إن جميع المسيرات التي قام بها أبناء الصحراء المغربية، في سبيل تحرير أرض الوطن، كانت تلقائية باستثناء المسيرة الخضراء. تلك التي دعا إليها جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. لن نغوص في التاريخ القديم، وسيكون الاستهلال من البدايات الأولى لتوغل الاستعمارين الفرنسي والاسباني. في اراضينا المغربية. هب الصحراويون المغاربة للدفاع عن الأرض، يحذوهم في ذلك الاخلاص لشعار آمنوا به. وأخلصوا له وماتوا من أجله، قبل أن يكون شعارا رسميا للمملكة. منذ تلك البدايات لا ينام صغارهم ويصحون إلا على تلك الأيادي الممتدة عاليا الى عنان السماء طالبين أن يحفظ الله الأوطان وينصر السلطان. أي الاخلاص لله في التوجه اليه والدعاء للوطن وللسلطان.
حارب القوم عن بكرة أبيهم الاستعمار الاسباني في الجنوب والفرنسي في الشمال. ضحوا بأنفسهم، وإبلهم وأمعيزهم وخيامهم من أجل شعارهم ذلك، اختار الرجال منهم ضنك العيش والتخندق في المغارات والكهوف، من أجل التصدي لاستعمار واجهوه في الصحاري والجبال، اتجهوا شمالا، خاضوا معه معارك طاحنة في جبال الصحراء وسوس. وصلت الى سيدي بوعثمان. وتجاوزت إلى ثخوم تادلة والشاوية ومنهم من شارك في جيوش عبد الكريم الخطابي، وساهم في معارك خاضتها قبائل الأطلس. وايت عطا وايت خباش، ضد الاستعمار الفرنسي. وكانوا قبل ذلك اتوا على ظهور جمالهم ومنهم من أتى راجلا، قصد استقبال السلطان الحسن الأول في رحلته للجنوب المغربي. وما انخراطهم في صفوف جيش التحرير المغربي إلا أكبر برهان على ذلك. أعطوا إبلهم ومواشيهم وخيامهم وقِربهم له، إعانة منهم وسخاء في سبيل الشعار. تركوا ما كانوا عليه من عيش نعيم وكريم، استجابة لنداء الواجب. كانوا من الأوائل الذين جعلوا من الرباط قبلة لهم بعد عودة سلطان البلاد من المنفى. وكانوا قبل ذلك يأتون إلى فاس ومراكش و الرباط، من أجل لقاء السلاطين العلويين. وتجديد البيعة والولاء لهم وطلب الإعانة للتصدي للاستعمار وأذنابه، وما التحاقهم من الصحراء المغربية على ظهور جمالهم وخيولهم، ببلدة محاميد الغزلان قصد حضور الزيارة التاريخية لجلالة المغفور له محمد الخامس، بتاريخ 25 فبراير 1958 إلا أكبر دليل على ذلك. كل ذلك وغيره كثير تم دون تلقي أدنى إشارة من المركز والعاصمة والجهات الرسمية. إنه الإخلاص للشعار، والتفاني في حب الوطن والتعلق بالمقدسات. وبالجالس على عرش المملكة، وعلى هذا النهج القويم والطريق المستقيم صار الأبناء.
أتذكر جيدا والمناسبة شرط، وهي احتفال المملكة بعيد المسيرة الخضراء، ذلك اليوم من أيام شهر يوليوز، القائظ، بمدينة كلميم وأنا حينئذ مسؤول على رأس محكمتها، في ريعان شبابي- اواسط العقد الثالث- ذلك اللقاء الذي أصبح تاريخيا بكل المعاني، والذي جمعني بمنزلي بشابين من أبناء صحرائنا المغربية، ما زالا على قيد الحياة وهما: أبو زيد علي سالم من قبيله ايت موسى وعْلِي، وسيدي احمد بوليد من قبيلة ازوافيط. ونحن نتذاكر في الوضعية التي عليها صحراؤنا العزيزة، وما تعانيه ساكنتها على يد الاستعمار الاسباني، عنَّت لنا فكرة تأسيس منظمة سياسية تحت اسم جبهة التحرير والوحدة. عقدنا اجتماعات متتالية على امتداد أيام عدة بيننا أحيانا، وبيننا وبين مجموعة من شباب المدينة أحايين أخرى. تم الاتفاق على الفكرة، وحتى يبقى عملنا في غاية السرية، حررنا نحن الثلاثة دون الآخرين رسالة، بعثنا بها مباشرة الى ديوان جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه في الموضوع. وكانت المفاجأة كبيرة حين استدعيت من طرف عامل اقليم الطنطان السيد صالح زمراك، والرسالة لم يمض عليها أكثر من اسبوعين.
لم يكن الاستدعاء على عجل حينذاك، وفي تلك الظروف من طرف العامل صالح زمراك بالخبر السار. أخبرت زوجتي بذلك، وهيأت نفسي للأسوأ. قطعت مسافة 130 كلم بين الهواجس والصور المظلمة، والمستقبل الأسود الذي ينتظرني. وما زاد من وساوسي حد الخوف والارتياع والجزع، هو ذلك المنظر الذي وجدت عليه الرجل، متجهم الوجه مقطب الحاجبين لا يكاد يرفع وجهه عن ورقة يقرأها أو يتظاهر بذلك. ولم يُعِر أدنى اهتمام لدخولي عليه. ولا للمنصب الذي أمثله، علما بأن الأطر الصحراوية المغربية في تلك الفترة تعد على رؤوس الأصابع.
بادرني بالقول، هل بعثت رسالة إلى جلالة الملك؟
نعم، قلت، وأنا في منتهى الوجل.
هل لي أن اعرف مضمونها؟
أجبت: لا يمكن لي أن أكشف عن رسالة وجهتها الى جلالة الملك.
تنفست الصعداء واستبشرت خيرا وأنا أستمع اليه يقول:
أنهي إليك أن صاحب الجلالة، أصدر أوامره المطاعة، بالاستجابة الى طلبكم.
هيئوا لوائح الشباب الذين ترغبون في ذهابهم معكم الى غابة معمورة قرب الرباط، على أن يكون ذلك في أقل من عشرة أيام.
وعلى امتداد أيام عدة تخللتها نقاشات حامية ومواقف متضاربة أحيانا حد التطرف، لكنها كلها في صالح مغربية الصحراء وما يجب أن نقوم به كشباب لنا غيرة وحيوية واندفاع، لصالح انعتاق صحرائنا من ربقة الاستعمار، والتحاقها وأهلها بأرض الوطن.
تم الاجماع على تأسيس منظمة سياسية، تحت اسم جبهة التحرير والوحدة.
وُضع القانون الأساسي لهذه المنظمة- لدي نسخه منه باعتباري رئيس اللجنة التي وضعته وسهرت على مناقشته والمصادقة عليه- وبالاطلاع عليه سيلاحَظ أن أهدافه -عن قصد- تجاوزت تحرير الصحراء المغربية لتتجه نحو تحرير بقية اجزاء الوطن المغتصبة، واستكمال الوحدة الترابية (الفصلان: الثالث والرابع).
كما يلاحظ -وذلك عن قصد أيضا- أن شأن الصحراء عند هؤلاء الشباب، هو شأن وطني لا يختص به سكان جنوب المملكة عن شمالها. ويحق لجميع المواطنين المغاربة رجالا ونساء البالغين سن الرشد وبدون ميز، الانخراط في المنظمة (الفصل الخامس).
كشاهد على هذا الحدث التاريخي وكمسؤول عنه منذ انطلاقته الى غاية تأسيسه، وكرئيس للجنة التي صاغت ذلك القانون وسهرت على مناقشته من طرف الحاضرين والمصادقة عليه، أسجل للتاريخ أن بداية لقائنا الأول وما تلاه من لقاءات واجتماعات، في مدينة كلميم وما نجم عنه من تهييئ للوائح الشباب الذين سيلتحقون بغابه معمورة، ومخرجات ذلك اللقاء ونتائجه، لم تكن للسلطة- يستوي في ذلك الموجود منها بالجهة أو المركز- ولا لأي جهة أمنية مهما علا شأنها، التدخل في أشغالنا أو توجيهنا إلى حيث نحن ذاهبون. هذا إذا استثنينا العمل اللوجستيكي أو الإشراف على الإيواء وما يتبع ذلك. لم نكن ننتظر تعليمات أو توجيهات أو رسائل يحملها هذا المسؤول أو ذاك، من أجل القيام بالواجب، إنه حب الوطن، والتعلق بذلك الشعار الذي ضحى من أجله الآباء والأجداد لم يثنِنا عنه لا شبابنا الغض الطري، ولا الخوف من تحدي الصعاب والحواجز. كان يوما مشهودا ذلك الذي استقبلنا فيه جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه.
وإن كنت أنسى فلن أنسى مساء يوم، فاتح شتنبر 1975، ونحن بالقصر الملكي العامر بالرباط. ولن أنسى ما قاله جلالته، ومازال صداه يرن في الأذن و القلب والوجدان حتى وإن مرت عليه 47 سنة، وهو يذكرنا بالموعد الذي حدده لتحرير الصحراء ذاكرا قدس الله روحه، أن دورنا ليس فقط في تحرير الصحراء، بل يجب التفكير في وضع مخططات كفيلة بالنهوض بالمستوى الاقتصادي وتغيير وجه الحياة الصحراوية، التي تتسم بالتنقل، وجعلها حياة يطبعها الاستقرار، وهذا رهين بأهل الصحراء. لأن اهلها أعرف بمشاكلهم. وأضاف جلالته أننا سندخل الصحراء فاتحين آمنين مطمئنين، لنجدد صلة الرحم التي قطعها الاستعمار. وختم جلالته بالقول، إذا لم تكتب لكم المساهمة في تحرير الوطن، من ربقة الاستعمار فإن الفرصة مواتية لكم الآن لتشاركوا في معركة استكماله. وفي اليوم الموالي كتبت الصحافة الوطنية بعناوين بارزة:
-جلالة الملك يستقبل وفدا من المناضلين والشباب والمثقفين الصحراويين…- سندخل الصحراء فاتحين آمنين مطمئنين وهكذا يتضح جليا اننا كشباب صحراويين وحدويين. لم نتجاوز يومها أواسط العقد الثالث ومنا من يوجد في بدايته. كنا أول من اطلعه جلالة المغفور له بعزمه إرسال مسيرة خضراء، قبل الإعلان عنها علنا في خطاب سامي وجهه للأمة، من مراكش بتاريخ 16 اكتوبر 1975.
ما قمنا به كان على خطى سير الآباء والأجداد ونهجهم. وكلنا حماس متدفق، لم ننتظر إشارة ولا أوامر أو تعليمات تأتي الينا. ودافعنا في ذلك وما نتغياه هو خدمة الوطن والتعلق بالمقدسات والمساهمة في الدفاع عنها بالغالي والنفيس. ولكن كان بالإمكان ألاَّ نبلغَ المرام، لو لم نجد ملكا حكيما يستمع إلى نبض شعبه وتطلعِ رعاياه، بغض النظر عن سنهم واختلاف مشاربهم، شأنه في ذلك شأن والده المنعم بكرم الله وهو ما ورثه عنهما وارث سرهما الجالس على عرش الآباء والأجداد جلالة الملك محمد السادس دام عزه وعلاه.