الخميس 23 مايو 2024
كتاب الرأي

عبد الرفيع حمضي: للولاية نصف

 
 
عبد الرفيع حمضي: للولاية نصف عبد الرفيع حمضي
لعلّ  السيد رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، قد توقف مليا على  مسألة “الولاية “ la tutelle légale في التقرير الذي توصل به من هيئة مراجعة مدونة الأسرة، قبل عرضه على أنظار جلالة الملك. حسب التكليف الوارد في الرسالة الملكية ،خاصة وأن الولاية  كما تنظمها المادتين 236 و238 من مدونة الآسرة الجاري بها العمل إلى حد، الآن قد استنفذت سقفها بفعل التطور الذي عرفته الحياة اليومية للمغاربة، باختلاف مستوياتهم الاجتماعية ومجالهم الترابي. مع الإقرار طبعا أنها مسالة مراجعتها  لا تحظى بالتوافق التام وبالتالي فهي تبقى مسألة خلافية بين الفاعلين المجتمعيين بمختلف تعبيراتهم المدنية والحقوقية والسياسية والمرجعية. وهو أمر صحي جدا في مجتمع موحد البناء ومتعدد الروافد.

وقد كان لأعضاء هيئة مراجعة مدونة الأسرة الصدر الرحب وهم يعقدون أكثر من 130 جلسة، للاستماع  لمختلف الآراء والمواقف المتباينة. مع ما عرفته كذلك الساحة العمومية من نقاش جدي ومسؤول وناضج . ولم يحاول إفساد هذا العرس المغربي الأصيل إلا بعض التدخلات والتصريحات  المتأخرة، وفي الوقت الميت، لأشخاص  بعمد  وسبق إصرار وترصد حاولوا الخلط بين المساجد كبيوت لله ،مخصصة للعبادة فقط. والفضاءات الأخرى، حزبية وغيرها  باعتبارها مجالا للعمل السياسي بمفهومه النبيل و شرط من شروط الممارسة الديمقراطية.

وفي ظل هذا الخلط بين الحدود، تسرب الأيديولوجي والسياسي إلى محراب المسجد كما تسرب (الفقيه ) إلى منصة الخطابة الحزبية، مما أنتج خطابا مشوها، في قصده الديني وفي بعده السياسي، خطاب كله كراهية وحقد وتخوين وتكفير مبطن وصريح مع إقصاء  للآخر.

 أصلا هذا الخطاب يحيل على تجارب أخرى لازالت شعوبها تؤدي غاليا ثمن الخلط بين الدين والسياسية من طرف حكامها بتحميلهم -هنا وهناك -لقضايا خلافية بسيطة، دلالات  ملتبسة  لترهيب العامة وكأن  الأمر يتعلق بأصحاب الجنة وأصحاب النار. 

فما بين ولاية المرأة  la tutelle légale على أبنائها  عندما يقع الانفصال وتسند الحضانة للزوجة.  وهو أمر مجتمعي بسيط يستحضر بالدرجة الأولى المصلحة الفضلى للأطفال ، وبين من ضخم هذا الموضوع  وجعله عقيدة وكأن الأمر  -مجازا -يتعلق (بولاية الفقيه ) la tutelle du théologien كما وردت في الفقه الشيعي الاثني عشري أي أنه منذ بداية الغيبة الكبرى.( للأمام الحجة) وفي انتظار عودة الإمام المهدي المنتظر، فإن الولاية  تعود للفقيه وله وحده توجيها وأمرا وعقابا  في كل صغيرة وكبيرة من حادثة شعر الفتاة الإيرانية (مهسا  أميني )إلى إعلان "الحرب التي لم تقع "على العدو الإسرائيلي حيث  قذفت ايران بقدائف  لم  تصل .بل تحولت في الطريق كما كان متفق عليه ،"إلى  لعب وشهب اصطناعية وطوق نجاة للاحتلال الإسرائيلي الذي كان محاصرا بالغضب الشعبي في العالم . فهاهي دولة ولاية الفقيه تنقده.

وإذا عدنا إلى السيد رئيس الحكومة فبعدما أخذ علما بمقترحات هيئة مراجعة المدونة فيما يتعلق بمقترحاتها حول ولاية المرأة tutelle légale  وبعدما تابع  كالعالم كله هزيمة  دولة ولاية الفقيه . Tutelle du theologien  فهاهو يستعد  وهو في منتصف ولايته mi mandat   لتقديم حصيلة عمل فريقه الحكومي، تفعيلا للفصل 101 من الدستور المغربي.

ومما لا شك فيه أن النواب والمستشارين، كل سيدلي بدلوه مابين مدح وذم لكن كم كان سيكون أجمل  لو أن قاطني وقاطنات قبة البرلمان الجميلة، التأموا في جلسة خاصة قبل ذلك لتقييم أداء المؤسسة التشريعية نفسها، بغرفتيها سواء في مجال التشريع أو الرقابة على الحكومة أو تقييم السياسة العمومية، ولكن قبل هذا وذاك كان من اللازم عند انطلاق الشوط الثاني من الولاية الوقوف لتفحص صورة المؤسسة أولا وصورة أعضائها  ثانيا لدى الرأي العام .

إن مشروعية الإنجاز مهما كانت إيجابية إذا لم تواكب بأخلاق نيابية وبرلمانية تقدس الشأن العام وتحترم أمانة التكليف المجتمعي فإن الحصيلة في آخر المطاف تكون ( لي حرث الجمل دكو ).

أكيد أن السيد عزيز أخنوش سيقدم أرقاما وإحصائيات تقيس نسبة إنجاز الوعود الانتخابية وتنفيذ البرنامج  الحكومي  باعتباره وثيقة تعاقدي .كما سيقف على التحديات التى حالت دون (القفزة الكبرى) وخاصة مخلفات كوفيد والجفاف والحرب الأوكرانية لكن في تقديري إن أهم تحدي أمام  السيد رئيس الحكومة هو كيفية تنشيط فريقه للمساهمة في النقاش العمومي والحوار مع المغاربة . فالحكومة كائن سياسي أولاً وأخيراً ودورها الرئيسي هو جعل المواطنين يتملكون ما تنجزه مؤسسات الدولة من حكومة وغيرها من خلال النقاش السياسي الرصين والمباشر.
 
وسيكون على رئيس الحكومة في هذه المحطة تدارك الأمر بالطريقة التي يراها ضرورية لتذكير السادة الوزراء أنهم ليسوا موظفون سامون ولكن فاعلون سياسيون ومكانهم الطبيعي بعد كل يوم عمل هو وسائل الإعلام والنقاش في الفضاء العمومي.