السبت 24 فبراير 2024
كتاب الرأي

عبد السلام الصديقي: مؤتمر الأطراف الثامن والعشرون.. نتقدم، ولكن بوتيرة بطيئة

عبد السلام الصديقي: مؤتمر الأطراف الثامن والعشرون.. نتقدم، ولكن بوتيرة بطيئة عبد السلام الصديقي
عندما نرصد المسار الذي بدأ منذ سنة 1972 مع مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة (ستوكهولم)، والذي تلاه إحداث الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير بالمناخ في سنة 1988، وبروتوكول كيوتو الموقع في سنة 1997 (والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2005)، ليصل إلى اتفاق باريس في سنة 2015 (كوب 28) والذي أقر التزامات واضحة ومحددة فيما يتعلق بالحد من الاحتباس الحراري، نستشف أن هناك ما يبعث على القلق. وهو ما جعل أوساطا مختلفة، وخاصة في صفوف المنظمات غير الحكومية المنخرطة في مكافحة الاحتباس الحراري، تشكك ولا تتردد في التعبير عن ذلك علناً.
 
وفي انتظار انتهاء قمة دبي لمعرفة النتائج النهائية، يجدر تسليط الضوء على تدبيرين أساسيين ستتضمنهما حصيلة هذا المؤتمر.
 
الأول يتعلق بإنشاء صندوق لتمويل "الخسائر والأضرار" الناجمة عن تغير المناخ. ولتحقيق ذلك، تطلب الأمر سنوات من النقاش والمفاوضات. إذ تعود الفكرة إلى 36 سنة خلت، عندما طلبت الدول النامية إنشاء مثل هذا الصندوق لإصلاح الأضرار التي لحقت بها، والتي لا تتحمل مسؤوليتها على اعتبار أن الدول المتقدمة الكبرى هي الملوث الرئيسي وبالتالي هي المسؤولة عن تغير المناخ. والقرار اتخذ إبان مؤتمر كوب 25 في شرم الشيخ. ومنذ ذلك الحين، عملت لجنة انتقالية مكونة من ممثلين عن دول الجنوب والشمال على جعله واقع ملموس. إذ بعد سنة من المفاوضات العسيرة، سنح "اجتماع الفرصة الأخيرة" أخيراً التوصل إلى توافق في الآراء في بداية نونبر، حيث تمكنت الدول الـ 198 الحاضرة في دبي من تجسيد هذا الإجراء بشكل نهائي في الثلاثين من نونبر الماضي.
 
ورغم ذلك، يجب ربط إحداث هذا الصندوق باعتبارين على الأقل. أولا، ليس له قوة إلزامية وتبقى مساهمات الدول اختيارية. والمبالغ المعلن عنها على الفور لا تبعث على التفاؤل. وهكذا، أعلن الاتحاد الأوروبي عن مساهمة قدرها 225 مليون يورو (منها 100 مليون من ألمانيا)، ووعدت الإمارات العربية المتحدة بـ 100 مليون، والمملكة المتحدة 50.5 مليون، والولايات المتحدة الأمريكية 17.5 مليون يورو، واليابان 10 ملايين. ليصل المبلغ بالكاد إلى 400 مليون. وبطبيعة الحال، ينتظر أن تأتي مساهمات أخرى في وقت لاحق. لكن لا يجب أن ننتظر حدوث معجزة. ومن ثم تظل هذه المبالغ ضئيلة مقارنة بالتكاليف الإجمالية الناجمة عن فقدان المحاصيل أو تدمير البنية التحتية أو نزوح السكان بسبب الأعاصير أو الجفاف أو ارتفاع منسوب المياه. وتقدر هذه التكاليف ما بين 290 مليار و580 مليار دولار (265 مليار و532 مليار يورو) سنويا بحلول سنة 2030.
 
ويتعلق الإجراء الثاني بإنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة المضيفة، لصندوق خاص بقيمة 30 مليار دولار مخصص لمكافحة تغير المناخ. ومن خلال هذا الإجراء، تسعى دولة الإمارات إلى زيادة إقحام القطاع الخاص في مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري. ولهذا الإجراء قيمة نموذجية لرأس المال الخاص الذي يجب أن يستثمر في شؤون المناخ، حيث لازال الاستثمار المناخي يحتاج لمبلغ 2400 مليار دولار سنويا تقريبا!.
 
يتضح أن التقدم في مواجهة حالة الطوارئ المناخية مازال محتشما. إن الدول الصناعية الكبرى لم تعجل بترجمة أقوالها إلى أفعال. إذ أن الوضع يستدعي استنهاضا حقيقيا والتزاما صادقا من جميع الأطراف، وفي المقام الأول من أولئك الذين استفادوا حتى الآن، أي الدول الصناعية التي هي مصدر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. خاصة وأن نهاية عصر "الوقود الأحفوري" ليس قريبا. بل على العكس من ذلك، فإننا نشهد عودة إلى الوراء مع لجوء بعض الدول إلى استخدام الفحم. ولن تكون تقنية احتجاز ثاني أكسيد الكربون، المعروفة باحتجاز الكربون وتخزينه، هي التي ستحل المشكلة حتى لو كانت تشهد زخماً هائلاً.
 
وفي هذا السياق، يندرج خطاب الملك الموجه إلى قمة دبي في فاتح دجنبر الجاري: "... بين العمل المناخي بوتيرة "التدرج البطيء" وبين ضغط التحديات المناخية الملحة فجوة يتعين التعجيل بسدها. فالإيمان بأهمية العمل المناخي يجب أن يوازيه اقتناع بإمكانية حل وسط يرضي كلا من الأصوات المتشبثة بمنطق "التدرج البطيء" وتلك التي لا تومن إلا بـ “القطائع الكبرى”، بدوافع إيديولوجية وعقدية. وهو حل ينبغي أن يقوم على أساس الواقعية فضلا عن الإرادة والطموح والنظرة الاستباقية. فهذا الحل الوسط هو الذي علينا اعتماده إن نحن أردنا الوفاء بالالتزامات التي تعهدنا بها في مؤتمر كوب 21 بباريس في 2015 وفي مؤتمر كوب 22 بمراكش في 2016".
 
وتابع جلالة الملك: "في ظل نظام عالمي ما فتئ يعاني من غياب الإنصاف، تلقت إفريقيا 30 مليار دولار أمريكي في سنة 2020 في إطار التمويلات السنوية المرصودة لقضايا المناخ، وهو ما يمثل أقل من 12% من إجمالي احتياجاتها. وعلى الرغم مما تعانيه القارة الإفريقية من ظروف غير مواتية وضعف في الإمكانيات، فهي تتوفر على كل المؤهلات الكفيلة بجعلها مفتاحا لحل معضلة المناخ العالمية وتجاوز التحديات الكبرى للقرن الحادي والعشرين. لكن غياب التضامن الفاعل يبدد جهودها المناخية بشكل كبير".
 
وفي الختام، من المفيد أن نذكر بتصريح جاك شيراك خلال مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة المنعقد بجوهانسبرغ في شتنبر 2002: "بيتنا يحترق ونحن ننظر إلى مكان آخر. فالطبيعة المشوهة والمستغلة بشكل مفرط لم تعد قادرة على إعادة تشكيل نفسها. ونحن نرفض الاعتراف بذلك".
 
ترجمه للعربية عبد العزيز بودرة