الأربعاء 24 يوليو 2024
كتاب الرأي

 محمد الطيار: "فاغنر "الروسية تغرق في مستنقع الساحل الافريقي

 محمد الطيار: "فاغنر "الروسية تغرق في مستنقع الساحل الافريقي  محمد الطيار

 بعد سحب فرنسا لقواتها العسكرية من مالي، دخلت المنطقة منعطفا جديدا كان من المتوقع حدوثه بحكم أن التطوارت المتتالية كانت تنبئ بما حدث، حيث توسع الإرهاب بقوة وأكثر تنظيما، وارتفع منسوب الصراعات العرقية والقبلية، وارتفعت نسبة الضحايا من المدنيين، وتعددت انتهاكات حقوق الإنسان من قبل المجموعات الإرهابية والقبلية، ومن قبل قوات الأمن المالية وشركة "فاغنر" الروسية.

الأحداث الأخيرة، خاصة بعد اندلاع المواجهات العسكرية بين القوات المالية مدعومة ب"فاغنر" الروسية من جهة، وقوات الحركات الأزوادية من جهة أخرى، أعادت الصراع الى مربع الصفر ، كما أن زيارة  الجنرال الروسي سيرغي سورفيكين للجزائر رفقة وفد عسكري روسي رفيع المستوى، خلال شهر سيبتمبر الجاري، بالتزامن مع هذه المواجهات العسكرية،  يجعل تورط الجزائر فيما يجري أكثر انكشافا .

 

"فاغنر" تغرق في مستنقع الساحل الافريقي كما غرقت فرنسا قبلها

خلال شهر سيبتمر الجاري، قامت للحركات الأزوادية المسلحة بهجوم خاطف على معسكر للجيش المالي في الشمال ، ثم انسحبت  منه بعد سيطرة مؤقتة تجنبا لاستهدافها من جانب مقاتلات سلاح الجوي المالي، مما يؤكد أن المعارك بين الحركات الأزوادية، والجيش المالي ومجموعة فاغنر ، مرشحة لتشهد اشتدادا.

 فقد هاجمت هذه الحركات الممثلة في الإطار الاستراتيجي الدائم للسلام والأمن والتنمية CSP-PSD، معسكرا للجيش في منطقة "ليرى" بدائرة نيافونكي بولاية تومبكتو، الذي كانت تتواجد فيه قوات من الجيش ومجموعة "فاغنر" . وقد كان هذا الهجوم هو الثاني للحركات الأزوادية خلال أسبوع، حيث شنت يوم الثلاثاء 12 سبتمبر، هجوما على مدينة "بوريم" في منطقة غاو شمالي مالي، معلنة السيطرة عليها، قبل أن يعلن الجيش المالي أنه تصدى لها، وأفشل مساعيها للسيطرة على المدينة.

كما تم تداول صور من نشطاء في أزواد لحطام طائرة تابعة للجيش المالي قالت تنسيقية الحركات الأزوادية إنها أسقطتها قرب تينبكتو.كما تم الاعلان خلال شهر سيمبتمر الجاري  عن تحطم  طائرة ركاب خاصة من طراز "إليوشين-76" تعود لمجموعة فاغنر أثناء هبوطها في مطار مدينة "غاو" شمالي البلاد.

 فقبل استعانة مالي ب"فاغنر" الروسية، فشلت القوات العسكرية المالية والفرنسية في معركتها، وتبين مدى فقدانها للقدرة على شن الحرب الصحراوية الكلاسيكية، بخلاف عناصر الجماعات المسلحة سواء منها المتطرفة أو غيرها، الذين أبانوا عن خبرة كبيرة وتمرس في المعارك، في حين أن القوات الحكومية المالية والفرنسية ،تميل إلى القيام بعمليات عسكرية أكثر تقليدية، بقوات ذات تنظيم تقليدي غير مؤهلة لهذا النوع من المناورات.

 ولتجاوز هذا المأزق،  التجأت فرنسا إلى الاعتماد على الميليشيات القبلية، منذ سنة 2015، في إطار توظيف أساليب الحرب اللاتماثلية (guerre asymétrique) ، خاصة بعد تكرار  فشل الجيش المالي في إحراز أي تقدم رغم حصوله على التدريب اللازم والعتاد المتنوع من الدول الغربية، وقد أظهرت هذه المليشيات القبلية أنها أكثر فاعلية في المعارك من القوات المسلحة المالية أو الفرنسية.

 لقد شكلت الجغرافية الواسعة تحديا كبيرا لعملية "برخان" الفرنسية، حيث أن الطرق المعبدة أو الصالحة غير متوفرة في أغلب أنحاء المنطقة، مما فرض نقل الأغراض جوا باستخدام قدرات النقل المحدودة لدى فرنسا التي تعاني أصلا من قلة عدد الطائرات العمودية (الهليكوبتر)، ولا تملك أيضا طائرات عمودية للنقل الثقيل ضمن مخزونها، فقد كانت تعمد أغلب الأحيان إلى استئجار وسائل النقل من الشركات الخاصة  بسب عدم توافر نقل استراتيجي لديها، مما طرح بحدة السؤال حول تكامل وتناسب الغايات والأهداف مع الوسائل، حيث لم تستطيع فرنسا الصمود في المنطقة، فبعض  التقارير اشارت إلى أن تكلفة تواجد الجيش الفرنسي في مالي   كانت تقدر بحوالي (400) ألف يورو يوميا.

مما دفع فرنسا لتراهن على تأسيس قوات تابعة "لدول الساحل الخمس" لتتحمل عنها جزء من أعباء التدخل العسكري، فالاستمرار في الحرب مع تحمل تبعاتها عسكريا واقتصاديا شكل مشكلا كبيرا لفرنسا،  وقد عملت كذلك على دفع حلفاءها خاصة من أوروبا على الانخراط بشكل كبير في حربها والرفع من مستوى حضورهم في منطقة الساحل الإفريقي. ومن أجل دفع الدول الأوروبية إلى الانخراط إلى جانبها في  معركتها في  الساحل الافريقي، شكلت فرنسا وعدد من حلفائها الأوروبيين والأفارقة، خلال شهر مارس من سنة 2020م، قوة مهام جديدة أطلق عليها إسم (تاكوبا) مهمتها مساندة قوات "برخان" الفرنسية ميدانيا في منطقة الساحل الافريقي.

قيام فرنسا بانشاء قوة مشتركة تابعة للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل G5  و قوة (تاكوبا) كان يهدف لتتحمل عنها الخسائر البشرية والمالية ، وتحافظ في نفس الوقت على مصالحها الإستراتيجية، وملء الفراغ الذي سيخلفه مستقبلا انسحاب قوات "عملية برخان " الفرنسية من المستنقع الأمني والعسكري في مالي، غير أن خطط فرنسا كلها فشلت بسبب محدودية وسائلها الجوستيكية، و بسبب غياب موارد مالية مهمة ومستمرة التدفق. وانسحبت مما عرض مصالحها وهيبتها للانهيار.

كما يحضر سبب أخر كان وراء هزيمة فرنسا في منطقة الساحل الافريقي،  يتمثل في السياسة الأمريكية الجديدة في إفريقيا وفي منطقة الساحل الإفريقي خاصة، فالمصالح الفرنسية عرفت انكماشا متزايدا وتهديدا بفعل التمدد الأمريكي السريع في إفريقيا،  خاصة عن طريق فتح سلسلة من المبادرات التي تربط الولايات المتحدة بالدول الإفريقية ، وبواسطة مجموعة من الاتفاقيات الثنائية والجماعية خاصة مع الدول النفطية في القارة الإفريقية.

فقد شكلت أزمة شمال مالي الفرصة المناسبة للولايات المتحدة من أجل التوسع في مناطق نفوذ فرنسا القديمة كمالي والنيجر وتشاد وبوركينافاسو وبناء قواعد عسكرية، وعدم اتخاد مواقف تتعارض مع مصالحا اثر الانقلابات العسكرية المتتالية التي شهدتها مناطق نفوذ فرنسا القديمة ، بل أن واشنطن سبق وأن  كسرت احتكار فرنسا والجزائر الإشراف على علاقة باماكو وباقي الفرقاء من التنظيمات الأزوادية، حيث بناءا على دعوة منظمة غير حكومية أمريكية في مارس 2018م، زار مدينة نيويورك وفدا يمثل تنسيقية الحركات الأزوادية "سيما" المشكلة من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، و"المجلس الأعلى لوحدة أزواد،" والحركة العربية الأزوادية المنشقة (جناح ولد سيداتي)، وهي حركات تطالب باستقلال منطقة أزواد، حيث سبق "للحركة الوطنية لتحرير أزواد" أن أعلنت سنة 2012م استقلال الإقليم.

 ففرنسا انسحبت من مالي ليس بسبب خلافها مع الحكومة المالية  كما يتم الترويج له، بل كان نتيجة للأسباب السالفة ، أسباب حاضرة بقوة و ستدفع لاشك شركة "فاغنر"  إلى الهروب من مالي حفاظا على المصالح الروسية من الخطر المحدق بها، والخروج سريعا من المستنقع الذي غرقت فيه فرنسا قبلها وحطمها سياسيا واقتصاديا وجعلها تفقد مواقعها وينهار نفوذها بشكل كبير وخطير.

 

الجزائر أكبر الخاسرين بعد فرنسا

تعتبر الجزائر دوما شمال مالي عمقها الاستراتيجي وحديقتها الخلفية ، وتعمد منذ سنة 1991م،  وراء يافطة حسن الجوار والوساطة الدبلوماسية، إلى تنظيم عدة لقاءات بين مختلف الحركات الأزوادية والحكومة المالية،  لوقف العمليات المسلحة،  غير أن هذه اللقاءات سرعان ما يفشل الالتزام بها، بسبب التقاء مصلحتها مع مالي في الحيلولة دون حصول شعب الازواد على حكم ذاتي أو الانفصال والاستقلال.

فالمناطق الجنوبية تشكل خاصرة الجزائر الاقتصادية، حيث أغلب ثرواتها الطبيعية تتقاطع مع منطقة أزواد في شمال مالي التي تحتوي على مقدرات اقتصادية هائلة قد تؤدي إلى ضرب الاقتصاد النفطي الجزائري في حالة استقلال أزواد، ف40% من نفط الجزائر يتم استخراجه من مناطق الطوارق في الحدود مع شمال مالي.

ولهذا تأسست مصالح الجزائر على المعارضة التامة لانفصال إقليم أزواد بل ولاستقراره، وبذلك ظلت متهمة طيلة السنوات الماضية من جيرانها، بتغذية الصراع المسلح في المنطقة والتنسيق مع الجماعات المتطرفة، خاصة تنظيم "نصرة الاسلام والمسلمين" الذي يقوده رجلها في المنطقة المدعو اياد غالي، الذي سبق وأن استعملته لافشال  مساعي الأزواديين في الاستقلال والانفصال عن مالي سنة 2012.

زيارة  الجنرال الروسي سيرغي سورفيكين للجزائر خلال شهر سيبتمبر الجاري، رفقة وفد عسكري روسي رفيع المستوى، والمعروف بقربه من "فاغنر" وبقائدها الراحل يفغيني بريغوجين، أثارت تساؤلات عديدة حول خلفيات ودوافع تواجده في الجزائر، خاصة وأنها جاءت بالتزامن مع تطور الصراع بين الجيش المالي و"فاغنر" من جهة وقوات الحركات الازوادية.

 فهل ستعمد الجزائر إلى فتح مواجهات عسكرية واسعة  ودموية بين تنظيم رجلها في المنطقة اياد غالي، "نصرة الإسلام والمسلمين"، وقوات الحركات الازوادية ?، لتخفيف الجهد العسكري على "فاغنر" وتقليص انعكاسات مخاطر تورطها، و بالتالي اضعاف قوات الحركات الأزوادية  كما فعلت سابقا سنة  2012، وادخال المنطقة في متاهات جديدة .

  قيام الجزائر بمغامرة  أخرى غير محسوبة في ظل انكماش دورها  السياسي في المنطقة،  سيهدد بحرب واسعة وتوسعا لمجال المعضلة الأمنية بشكل خطير، خاصة إذا انضمت قبائل الطوارق في جنوب الجزائر والنيجر وليبيا  للمعارك لنصرة الطوارق في أزواد، وسيهدد كذلك مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وعلى رأسهم المملكة المغربية . ويجعل الدولة الجزائرية عرضة لوضعية خطيرة، تهدد بقاءها وقد تعصف باستمراريتها.