الثلاثاء 16 يوليو 2024
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: حكام الجزائر ومستشفى التاريخ

إدريس الأندلسي: حكام الجزائر ومستشفى التاريخ إدريس الأندلسي
راقتني كثيرا رسالة توصلت بها عبر الوسائط الاجتماعية على شكل تركيب يقارن بين خطابين. الأول سنة 1957 للملك الراحل محمد الخامس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والثاني للجاثم على صدور الجزائريين والمدعوم بالعسكر والمحب للكلام المسترسل، حتى لا أقول الإسهال، عبد المجيد تبون المؤتمر من طرف شنقريحة المسكون بغل منذ هزيمة أمكالا في الصحراء المغربية.
قضى بعض الوقت في بلادنا بعد أن سقط في شر أعماله ونسي أدنى شروط وقواعد تدبير الحرب. كان ولا زال كذلك يعتبر الجيش مسألة صفقات أسلحة قديمة وعمولات كبيرة والقضاء على كل صوت ينتقد أو يقول كلمة حق للحفاظ على ثروة الجزائريين.
الخطاب الملكي سنة 1957 ركز على مساندة قضية الشعب الجزائري وعلى ضرورة حمايته من بطش المستعمر. أما الخطاب الثاني الذي كتبته المخابرات العسكرية ليقرأه عبد المجيد تبون فقد بين بجلاء أن على الأمم المتحدة فتح مستشفى لأولئك الأشباه للزعماء الذين يعادون الحقيقة التاريخية. كان خطاب محمد الخامس سلسبيلا بوعي تاريخي. وجاء خطاب تبون فاقدا لكل مصداقية. صدق المقاومون الجزائريون المنصفون حين أكدوا أن الملكين محمد الخامس والحسن الثاني قدما المال والسلاح وأن الشعب المغربي ساند بدون شرط إخوانه بما لديه من غال ونفيس. تبون رجل المهام في كل المراحل لا يهمه أن يكذب ولا أن يغالط الرأي العام الجزائري أوالدولي. المهم هو أن يتكلم ويغالط ويسكن المرادية ويحمي أبناءه من المتابعات القضائية. قضايا الاتجار في المخدرات الصلبة لا زالت تلاحقهم رغم حفظها مؤقتا.
فرق كبير بين سلوك ملك فضل مواجهة فرنسا الاستعمارية وجنيرالاتها الطغاة وحكوماتها المتخاذلة والنفي إلى مدغشقر على أن يخون شعبه، وبين "رئيس" لا قدرة له على الخروج إلى شوارع الجزائر العاصمة وباقي المدن. الخروج محفوف بأخطار المظاهرات من أجل خبز وسميد وزيت وعدس وسكر وغاز وكثير من الكرامة. كل ما يعانيه الشعب الجزائري لا يساوى شيئا بالنسبة لنظام ملأ السجون بالمواطنين وبالضباط وبالصحافيين وبالقضاة وبالطلبة وبالنساء وحتى برؤساء حكومات. أما اغتيالات المناضلين الذين حرروا الجزائر من طرف الجناح العسكري الذي كان يضم بن بلة وبوخروبة الملقب بومدين فكانت كثيرة وتبين أن الغدر من شيم من استولوا على كفاح شعب. تم اغتيال عبان رمضان وهو القيادات الأولى للتحرير، وتلاه شريف بلقاسم ومصطفى بن بلعيد وبو ضياف والرائد الزبير ومحمد خميستي ومحمد خيضر واللائحة تطول وتبين أن الغدر بالأخ ورفيق السلاح وتصفية المجاهدين عقيدة لا زالت نتائجها حاضرة في جزائر اليوم. والدليل على استمرار هذه المؤامرة الكبرى على أحرار الجزائر سيطرة العسكر وأجهزتهم المخابراتية على كل دواليب الدولة. بين عصا التعذيب والبترودولار يغيب "وعي أوروبا وبرلمانها " إلى أجل غير مسمى. وتبقى حقوق الإنسان لوحة رومانسية قد تحظى بمكان في متحف قرب مكاتب لوبيات النفط والغاز والأدوية والسجائر والأغذية المسمومة.
كان تبون يتكلم دون ثقة في النفس ودون اقتناع بما أمره شنقريحة أن يقرأه. كانت القاعة شبه فارغة والوفود الحاضرة تبتسم في إنتظار أن ينسحب من يعتبر الدول الكثيرة، التي اعترفت بمغربية الصحراء، غير مسؤولة ولا عابئة بقضية لا تهم إلا الجزائر. مئات الملايير صرفت على قضية هدفها محاربة وحدة وطن وذابت في حسابات بنكية في ملاذات ضريبية يعرفها الجهاز الحاكم في الجزائر. والنتيجة أكبر سجن جزائري في تندوف تسيره المخابرات ويراسه سجان برتبة رئيس رخيص وخائن عميل ومريض لا يملك مصاريف علاجه. الفرق كبير بين دولة أقنعت الكثير من الدول بقضيتها الوطنية المشروعة ودولة بعثرت مقدرات وطن وجعلت منه ساحة حرب على الاقتصاد والديمقراطية حتى أصبحت صادرات المحروقات هي المصدر الأساسي للدخل الوطني. تلقى حراس الطبقة المسيطرة على الجزائر صفعة من دول "البريكس" فقرروا أن يمنعوا " البوز" بخطاب في الأمم المتحدة فوجدوا أنفسهم كطائر يغرد خارج سرب الطيور.
المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، هكذا تكلم ملك المغرب ومن وراءه شعب متماسك. نعم رفضنا مناورتكم الأخيرة خلال الزلزال لأنكم غير قادرين حتى على حماية شعبكم من الحرائق. المغاربة الذين واجهوا آثار الزلزال يكونون صفوفا متراصة لمواجهة أي خطر يقترب من وطنهم. ولنا في قواتنا المسلحة الملكية كامل الثقة لأنها أقسمت ألا تخون الوطن والعلم. "نحن الجنود في الوغى...نهزم كل من بغى" هكذا هو الجندي المغربي المسكون بحب وطنه والمسلح بالعلم والتكنولوجيا والالتزام بأوامر قائده العام. رحم الله الملك المناضل ومحرر الأمة محمد الخامس الذي نطق بكلمة حق سنة 1957 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذه الكلمة سجلها التاريخ، أما كلمة تبون فمكانها الطبيعي مزبلة التاريخ. قد يكتب لتبون أن يعود من جديد إلى الأمم المتحدة بعد أن يستمر قبول العسكر لخنوعه، سيردد نفس الخطاب وسيزيد عدد الدول التي تساند وحدة المغرب الترابية وقد تزيد عزلة نظام العسكر. وقد يزيد ضغط الشعب ويظهر أناس من رحم الوطن لكي يوقفوا النزيف لتظهر تباشير صبح جديد. إن الله يمهل ولا يهمل يا من سيدخلون مستشفى التاريخ.