الأربعاء 14 نوفمبر 2018
جالية

مُفارقات الهُوية والاندماج.. "أبي أُقدمُ لك صديقي"...

مُفارقات الهُوية والاندماج.. "أبي أُقدمُ لك صديقي"...

إن مصطلحات الهوية والاندماج تبقى مفتوحة وفضفاضة إلى حـد التعقيد، ونعتبر اجتهادنا هـذا محاولة لإعادة قـراءة هذا الموضوع، ومدخلا لنقاش مفتوح لكل الفُرقاء، لأنه وبعد كل الاجتهادات السابقة فما زلنا في تيه،  خاصة  نحن المهاجرين، فالهـوية لا تُقبل ناقصة، كما أن الانـدماج لا يتحقق إلا كاملا...

فباستثناء بعض الآراء، فإن جُل المداخلات في موضوع الاندماج والهوية  طبعتها السطحية وتحفـز المهاجر على الاندماج في بُلدان المهجر باعتبار أن القوانين تدعمه والسياسات تدفـع في هذا الاتجاه، مُعتمدين على بعض الحالات الاستثنائية، في حين أن الامر أكثر من ذلك جدية وأكثر عُـمقا، وهذا هو مرد إخفاق جُل سياسيات الاندماج.

فإذا اعتبرنا أن الهوية هي ذلك الميكانيزم الذي نحمله معنا حيثما رحلنا والمُكون من مجموع عناصر الـدين والثقافة والأعراف والتاريخ وأيضا الجُغـرافيا... وأن الاندماج هو ذلك المصطلح الفضفاض والمتعدد المفاهيم والمعاني كالتطابق والاتحاد والانصهار والتماهي، حسب  موضوع استعماله، أما في موضوع الهجرة فالاندماج هو اللحظة التي تتحول فيها كلمات نحن وأنت إلى أنا، كما قال أحدهم.

لنتأمل مليا هـذا المشهد، فالمهاجر المغربي يحمل هويته على أكتافه وهي نتيجة لتراكمات قـرون عـديدة ليستقر بإيطاليا مثلا، والتي لها أيضا هوية تمتد في أعماق التاريخ. هـذا المشهد يدفعنا إلى قراءة مُتأنـية، تـتمثل في وجود هُويتين مُختلفتين تماما، حيث التطابق (الاندماج) يتمايل بين المُمكن والمستحيل، بل إننا أمام صراع مرير بين هويتيـن لا يلتقيان أبدا ولن يتحقق هذا التطابق (الاندماج) إلا بتنازل الواحدة للأُخرى، وغالبا ما تتنازل تلك الضعيفة اقتصاديا لصالح الثقافة السائدة والمُسيطرة.

إن الطريق إلى الاندماج يتطلب تنازل أحد الأطراف عن إحدى مُقومات هـويته. ونحن نتساءل هـل المواطن الإيطالي مثلا مُطالب بالتنازل أم هو المهاجر؟ وهل الاندماج طريق يسلكه طرف واحد نحو الآخر، أي أن المهاجر المغربي هو الملزم به دائما..؟ على أن كل الشعارات الرسمية تدفع نحو الاندماج وتشجع عليه، لكن تنقص البرامج التي تحفز الساكنة المحلية في المشاركة في  تعبيد الطريق ودون أن يصبح ذلك أمرا سياسيا وورقـة انتخابية مهمة. ولكن عن أي اندماج نتكلم، خاصة في وجود فوارق عديدة بين هُــويتين..!؟

لا نريد الحديث عن اندماج عـمر أو زيد في هذا البلـد أو ذاك، بل التأكيد على أن هوية المُهاجر المغربي لا تُـفارقه حتى في أحلامه وطموحاته وسـط مجتمع له هـوية أخرى قــد تصل فيها نسبة الحـياء إلى أقصى درجاتها الـدنـيـا...

فماذا سيكون رد فعل المهاجر المغربي عندما تقول له ابنـته مـثلا: أبي إني أقدم لك صديقـي... أو أبي إني حامل من صديـقي...؟؟

إننا نعتقد أنه حينما يقبل المهاجر المغربي بهذا، إذاك يُمكننا الحديث عن الاندماج، وأما غير ذلك فيبقى الحديث عن الاندماج حتى إشعــار آخر.

حميد 42 سنة.. إني أفـقـد رجولتي وكرامتي كل  يوم... وأتحاشى رؤية ابنتي مع صديقها خوفا من ردة فعلي حتى لا أتعرض لمتابعات كما وقع لي سابقا...

عزيزة 38 سنة.. أخجل من رؤية ابنتي شبه عارية في الشارع، إني أُكرر لها مرارا أنها لن تُـشبه الإيطاليات أبدا... وأحثها على الاجتهاد في الدراسة...

إن اسقرار المهاجر بصفة شرعية جعله يحمل صفة دافع الضرائب، وبالتالي فهو مُمول بصفة غير مباشرة للعديد من الفضاءات الثقافية كالمسارح والمتاحف ودور السينما... والتي تبقى مفتوحة في وجه الجميع..

فبماذا نفسرحضورهم الباهت أو انعدامه إلى هذه الفضاءات؟ وهل هذا الغياب له مرجعية وعُـرف ثقافـي؟ أم هو إشارة إلى تفضيل العُـزلة وعدم الاختلاط؟

أما من الجانب الآخر فهناك قلة البرامج الخاصة بالمهاجرين، كما أن وُلوجيات هذه الفضاءات لا تتكـلم عـربيـة المهاجرين. هذا مع التذكير أن كل المؤسسات والجمعيات الإيطالية تحرص على دعم كل الانشطة الثقافية والاجتماعية الهادفة إلى التعرف على ثقافة الآخر، بل إنهم يعتبرونها قيمة مُضافة إلى ثقافتهم، آملين في مُجتمع مُتعدد الثقافات. لقد جئنا بهذا المثال كشاهد على وجود اختلال في المشهد، لاعتقادنا أن هذه الفضاءات هي أهم قنوات التعرف على ثقافة الآخر للوصول إلى تعايش إيجابي..

- "دْجانا" مسؤولة عن مركز للوقاية واعادةالادماج: مع الأسف هناك "غياب فُضول" كاف للتعرف عن قرب على الآخر، ويمكن رد ذلك إلى انتشار ثقافة الخوف من المهاجر. إن التعايش يفرض علينا قبول الآخر والاحترام المتبادل لثقافته وخاصة دينه، كما أنه لا توجد طريقة علمية أو تقنية للوصول إلى الاندماج لاختلاف خصوصيات المناطق.. إننا نلاحظ في الحدائق العمومية مجموعات متفرقة من المهاجرين والإيطاليين لا يتبادلون حتى التحية.. وبمرارة  لاحظت مرات عديدة عدم رغبة الايطاليين مُشاركة المهاجرين الجلوس على نفس الكراسي في الحدائق على الرغم من عدم وجود أماكن فارغة.. كُنت أُبادر وأجلس حتى أُشـجع الآخـرين.. إن الطريق طويل وصعب، لكن ليس مستحيلا.

- رحال 58 سنة: عجزت عن تبرير أسباب منعي لخروج ابنتي ذات مساء مع  صديقاتها.. عندما قالت لي لماذا لا أخرج..!؟ كما أتذكر فتاة محتجبة ذهبت في رحلة مدرسية إلى المسبح،  منعوها من دخول حوض السباحة بحجابها....

لقد تكونت قناعة عند مجموعة من المهاجرين بأنهم ضيوف ويشاركون الإيطاليين في الحياة الاجتماعية، لكن في حدود معقولة ويشاركونهم في الحياة الاقتصادية مع إقصاء وتهميش من الحياة  السياسية لانعدام حق الانتخاب، بل اللعب بهم كورقة رابحة مع الناخب الإيطالي..

نتوقف عند هذا الحد لأن الموضوع يتحمل أكثـر من قراءة واجتهاد، وننتظر قراءات جديدة وجادة، لأن ثُنائية الهوية والاندماج هي مربط الفرس في حياة المهاجر المغربي.  ويبقى التساؤل معلقا دائما: هل يمكن الحديث عن الاندماج إذا كان الثمن هو الهوية؟ وهـل الاندماج خُرافة خاصة للاستهلاك الإعلامي والسياسي؟ أم نحن أمام أحلاهما مر..؟ وهل هناك طريق ثالث بين استحالة الاندماج الكامل أو الانعزال..؟

الأكـيد أننا من اتجاه "بقـي في الكأس نصفها"، أي التفاؤل.. وبالتالي فهناك اتجاه يدعم الاندماج الايجابي، بمعنى آخـر المشاركة والتعايش المتقدم جـدا دون اندماج، بمعنى تطابـق وتماهي هويـتيْـن، لتجنب العزلة والعيش على هامـش الحياة في المجتمعات الغربية...