الاثنين 26 فبراير 2024
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: الأصالة والمعاصرة..الأصل والنسخة في السياسة

إدريس الأندلسي: الأصالة والمعاصرة..الأصل والنسخة في السياسة إدريس الأندلسي
ممارسة السياسة في بلادنا ليست بالأمر السهل. كانت في الغالب ممارسة تتطلب الكثير من الاقتناع والتضحية. كانت هذه الممارسة تخضع لاجتياز مسارات نضالية وتكوينية وكثير من الصبر. وأصبحت في يومنا تخضع في الغالب وعموما لمنطق الوصول بأقصى سرعة إلى مرتع يضمن موقعا ومنصبا وامتيازات مادية. هناك من لازال مسكونا بحب السياسة وبمبادئ الإخلاص للوطن ولكن هذه "العملة" أصبحت نادرة. جرح المغاربة عميق مع الممارسة السياسية. "أحزاب الإدارة أو أحزاب السلطة" ليست مجرد كلام من فراغ. وهذا المشهد لا يعفي الأحزاب الوطنية، التي ولدت في خضم تاريخ صراعات سياسية وإيديولوجية بدأ منذ أن عبر المغاربة عن رفضهم لدخول المستعمر، من نقد ذاتي رغم قوة الضربات التي تلقتها خلال العقود الأخيرة.
حزب الأصالة والمعاصرة هو جزء من مسلسل لم تجد فيه الدولة وسيلة لمواجهة معارضيها غير الانخراط في تكوين جبهات وأحزاب وذلك بعد تجريب وسائل أخرى.
لتذكير من يهمه فهم التاريخ، وجب الرجوع إلى سنة 1963 وصنع جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي كان شعارها محاربة الحركة الوطنية وأحزابها رغم وجود بعض أعضاء حزب الشورى والقيادة الأولى للحركة الشعبية في هذه الجبهة. وتسببت مواقف هذه الأخيرة من فرض حالة الاستثناء من تشتت الجبهة المصنوعة. وبعد ذلك توالت عمليات الصنع داخل مكتب الراحل إدريس البصري وولدت أحزاب دون طعم ولا لون ولا مشروع سياسي ولا زالت مستمرة رغم غياب حضورها وضعف امتداداتها داخل البنيات الثقافية والاجتماعية.
وقبل ما سمي بالربيع العربي تولى جمع من النخبة البدء في مسلسل لبس قناع ابتكار شكل جديد للديمقراطية. تجمع حول هذا "المشروع " يساريون ويمينيون وليبيراليون واشتراكيون ومثقفون و "انتهازيون "ولم يمر وقت طويل حتى خفت صوتهم. وبعدها ارتفع صوت مسؤول كبير ليدق، حسب رأيه، ناقوس خطر حول وصول إسلاميين إلى الجماعات الترابية وللبرلمان وللحكومة.
ولكن جرت المياه بما لا تشتهي السفن. سهلت ممارسات انتخابية هجينة لتشويه تيار العدالة والتنمية آنذاك في زيادة تواجده في البرلمان. كل هذا ومشكل البرنامج السياسي لكافة الأحزاب ازداد ضعفا أمام رغبة النخب في الوصول إلى الكرسي وإلى ما يتيحه من امتيازات.
لا يمكن أن نقول أن أحزاب الإدارة أو أحزاب السلطة نجحت في تأطير المجتمع ولن تنجح أبدا لأن الأصل في الشيء لا ينتج نقيضه. قد يستولون على المجالس الترابية وعلى البرلمان ولكن دورهم في الوساطة السياسية والاجتماعية ضعيف جدا. ولنا في حراك الحسيمة خير مثال على هذا الضعف وعلى الثقل الكبير الذي تحمله الجهاز الأمني لمواجهة حالات التوتر الإجتماعي.
وغابت الأحزاب والجماعات وتولى رجال الأمن تحمل عبئ الوساطة بما في ذلك المخاطرة أمام سلوكات فوضوية.
كل هذا للتذكير بأن قوة الأحزاب في مغرب اليوم لا يمكن قياسها بعدد الأصوات والمقاعد. والكل يعرف أن المشهد الانتخابي تشوه كثيرا بفعل المال وممارسات البلطجة التي أصبحت مباحة وأضحى معها الحياد الإداري سلبيا. والدليل هو أن كل الحالات التي تدخل فيها المجلس الدستوري لإلغاء انتخابات كانت كلها تتعلق بحالات سجلت في شأنها أخطاء يمكن اعتبارها تنافي عدم احترام قواعد تهم الشكل أكثر من المضمون أو ما يتعلق بالرشوة والفساد وشراء الذمم.
الأمر هنا يهم الجميع ويرتبط بممارسات غير ديمقراطية لا تتيح أية رقابة على شكل وما يسمى "ببيع التزكيات ".
بعض الأمناء العامين يطوفون البلاد حاملين الرسائل والطابع ولا يبقى إلا التوقيع بمقابل. غاب المناضل وحضر رجل " المرحلة "ذو القدرة على تعبئة الأصوات. وغاب تاريخ الحزب وحضر الأعيان بما راكموا من قيم تناقض الحداثة والحكامة وترسيخ دور المؤسسات.
وفي ظل هذا الواقع يمكن قراءة ما يقع حاليا في حزب الأصالة والمعاصرة. رئيس مشارك في الحكومة لكنه يحمل في داخله ضده. وهبي عبداللطيف ليس من صنف ولا من صف الذين تم استقطابهم خلال الفترة الأولى لنشأة الحزب. وحين انخرط لم يتخل عن شخصيته وطموحاته ومصالحه. حين قبل أن يلبس زي الحزب الرسمي لم يتنكر لطموح سابق عن أنه صاحب رأي وقرار ولم يتقبل أبدا أن يكون الزعيم أقل منه تكوينا وحضورا وصوتا. حاول أن يواجه إلياس العمري دون أن يصل إلى هدفه. انتظر بعض الوقت فأعد العدة لكي تتساقط فاكهة الزعامة بين يدية بعد أن أينعت.
وهكذا غادرت قيادة الأصالة والمعاصرة شمال المغرب لتستقر بين أيدي قيادات تمركزت أساسا في الجنوب وخصوصا في جهة مراكش آسفي. ولعل المتتبع للقاء الصحافي الأخير لهذا الحزب يقرأ الصورة ونوعية الخطاب. الشخصيات الخمس التي كانت في مواجهة "نخبة الصحافيين المختارة" تبين بوضوح بنية من له التأثير في القرار الحزبي.
وللعلم أن أغلب هذه الوجوه وباستثناء عمدة مراكش، يمكن تصنيفها في عداد من لا يعرفهم الناس إلا من خلال صور بالبرلمان. وجوه لا تنتمي إلى الفريق الأول لهذا الحزب ولا إلى طينة رجال ونساء السياسة والنضال ولا يعرفها المجال الاجتماعي والسياسي يريدون الدفاع عن زعيمهم. وهبي لا يحتاج إلى دفاعهم وهو المحامي الذي تمرس على أساليب الدفاع. وسيظل سيد نفسه ولا يهمه أن يتناقض مع قول سابق أو موقف سابق أو دفاع عن مبدأ حين كان في المعارضة أو حتى حين كان يقود معركة حزبه الانتخابية. وهبي لا يهمه أن يصل حزبه إلى المرتبة الأولى كما تمنى وأكد ذلك رئيس الفريق برلمانيه بالغرفة الأولى والمعلم السابق بمراكش.
وهبي يعرف وزن رجال ونساء حزبه ولكنه لن يحاسب أحدا منهم ولذلك تركهم يواجهون الصحافة لوحدهم. ولكل ما سبق، يجب التفكير بجد في قدرة من يدافعون عن وهبي على التأثير على مكونات خارطة حزبهم الحقيقية والتحولات التي عرفتها وسوف تعرفها مستقبلا.
سألت اليأس العمري خلال إحدى اللقاءات الإذاعية عن غياب أية أرضية سياسية معروفة لحزبه فسكت لبعض الوقت وسألني إن كان سؤالي نوعا من الاستفزاز الإيجابي. لم أجبه.
زادت اسئلتي، التي اعتبرها مستفزة، تغيرت نبرته وقال لي، تعالى أجلس مكاني لتجيب على الأسئلة. هكذا هي صورة من يجد حرجا في الدفاع عن حزب يتناقض مع خطابه الأصلي و" مواقفه" السابقة. كان الله في عون من استفاد وشعر بنوع من عتاب النفس " الامارة بالسوء " والنفس اللوامة. لا حزب يمكن أن يؤكد اليوم وفي ظل ما نعيشه من تدهور للقوة الشرائية وضعف الخدمات الصحية والاجتماعية أن له القدرة على التنبؤ بقبوله كحزب أول بعد ثلاث سنوات.
ومن تواضع لله رفعه إن عمل عملا صالحا ولم يكون ثروة لمجرد تحمله مسؤولية عمومية. أحزابنا التي لا تحاسب منتخبيها مصرة على الضغط من أجل محاسبة كل الإدارات والمؤسسات والأحياء وحتى الأموات. حزب الأصالة والمعاصرة يعيش فترة عصيبة داخليا تعبر عنها رسالة الرؤساء السابقون الذين " لا ينطقون عن الهوى" بالمفهوم السياسي لأن الرسالة لم تكتب دون مشورة وتشاور.
أما الكلام عن عدم وجود مؤسسة الرئاسة فهي مغامرة برصيد فعلي لا زال لديه الكثير من الوزن والتأثير. بقي السؤال حول تأثير كل هذا على حلفاء هذا الحزب في الأغلبية. هناك صمت رهيب وذو طابع تكتيكي وسياسي. صمت يتجنب أن تتحول خطابات وهبي وخرجاته وحريته اللامحدودة إلى عامل اضعاف للجميع. ولكن للصبر حدود وللانضباط قواعد وللسياسة مواعد مع القرار بالاستمرار بشروط أو بالانفصال في غيابها.