الجمعة 1 مارس 2024
فن وثقافة

هل "تترجل" وزارة الثقافة وتنشر أعمال شيخ العيطة الفنان الحسين سطاتي؟

هل "تترجل" وزارة الثقافة وتنشر أعمال شيخ العيطة الفنان الحسين سطاتي؟ الفنان الحسين سطاتي

حين يستند شيخ العيطة على دعامات القراءة والمعرفة والبحث والكتابة، فاعلم أنك تقف أمام رجل فنان، يربط بين النظري والتطبيقي في مختبر العزف والغناء، إنه الفنان الحسين سطاتي الذي استطاع بإرادته وإصراره أن يجعل من مهنة "شيخ العيطة" مصدر توثيق وكتابة غزيرة، بقلم سيال، يبشر بأنه لا يصح إلا الصحيح في زمن المسخ الفني لأشباه "فنانين" و "فنانات" لا يقدرون على تركيب جملة صحيحة وهم جالسون يبحلقون عبر شاشات التلفزة المغربية عبر برامج التفاهة المنحطة.

 

لقد اختار الشيخ الحسين سطاتي عن طريق الكتابة والتوثيق والبحث في كل ما يرتبط بالفن والتراث على مستوى الغناء الشعبي وفن العيطة، وأبان عن تمكنه في مساره الفني عبر مراكمة العديد من الكتابات الجميلة التي ينشرها في صفحته الخاصة، عبر موقع الفيسبوك تباعا نذكر منها أعماله التي تنتظر من يمد له يد العون للنشر وإغناء المكتبة الوطنية:

 

ـ رواية بعنوان: "عيطة بيضاوة" في أربع أجزاء

ـ سيرة ذاتية بعنوان : عيطة دموع الخيل

ـ مجموعة قصصية بعنوان: "العيطة والغيطة"

 

تجدر الإشارة إلى أن الشيخ الحسين سطاتي قد تعلم فن العزف على الكمان لوحده، منذ نعومة أظافره وهو طفل يلهو ويلعب في الحقول والمروج وراء قطيع الأغنام، وشاء القدر أن يقدم استقالته من مهنته الرسمية كدركي بالضابطة القضائية برتبة أجودان في صفوف الدرك الملكي.

 

في هذه الحلقة سنقدم لقراء "أنفاس بريس" ورقة أعدها الشيخ الحسين سطاتي حول نمط الغناء الشيظمي المعروف بموطنه الأصلي بمنطقة الشياظمة وبأحواز مدينة الصويرة بجهة مراكش أسفي.

 

 

"العيطة الشيظمية، هي عيطة بسيطة الإيقاع والألحان، غير مركبة، أغنية شعبية تراثية عبارة عن (بَرَاوِيلْ) ذات إيقاع خفيف بسيط (ستة على ثمانية)، متوسط إلى سريع، تتكون من ثلاثة إلى خمسة فصول وأكثر، تسميتها تنسب إلى موطنها بسهل "الشياظمة"، بأحواز مدينة الصويرة.

 

نشأ فن العيطة الشيظمية بمنطقة الصويرة والضواحي، بغرب المغرب، حيث يحد إقليم الصويرة شمالا إقليم آسفي، وجنوبا إقليم أكَادير، وشرقا إقليم مراكش وغربا المحيط الأطلسي، وتوجد هذه المنطقة في أواخر السهول الأطلسية، يحدها شمالا قبائل عبدة، وجنوبا قبائل حاحا، وشرقا بلاد احمر والحوز وغربا المحيط الأطلسي.

 

الأغنية الشيظمية هي لون غنائي "عيطي" يغنى في جميع الطبقات الصوتية.. وهي أغنية شعبية مصاحبة بالرقص، وتتميز بالكثافة اللحنية والإيقاعية كما تتطلب قدرة صوتية هائلة ونفس طويل.

 

ونشأ غناء النمط الشيظمي على ساحل المحيط الأطلسي، وضفاف الأودية والعيون المائية وخيراتها، وسط طبيعة خلابة، بمنطقة "الشياظمة" الغنية بثرواتها النباتية والمعدنية والحيوانية منها البرية والبحرية، وحزامها الأخضر الغابوي، بين السهول الزراعية الخصبة والأراضي المنبسطة، وقد صدحت حناجر البدو بهذا التراث الغنائي في البراري وسط المروج الخضراء، ووسط البحر، ودخل هذا الغناء قصور السلاطين ورياضات الباشوات والقواد والأعيان الكبار، وأثث الأفراح بالمداشر والدواوير النائية.

 

 ويقدم هذا النمط الغنائي "العيطي" صورة فنية بديعة عن البيئة الساحلية والزراعية والرعوية الخصبة التي احتضنتها ورعت محاولاتها الأولى، وهي عيطة تحريضية ثورية حماسية، (نص شعري بمواضيع مختلفة)، تؤرخ للشجاعة والحماس والثورة ضد العدو، والجهاد في سبيل الوطن، كما توثق الاضطهاد والمس بالكرامة الذي كان يتعرض له أهل الشياظمة الأبطال على يد المخزن، حيث كان يقودهم نضالهم وثورتهم وتمردهم إلى أقبية السجون، كما تتغنى كذلك بجمال المرأة والعشق والهيام، ونجدها تشير لبعض مكونات البيئة الشيظمية التي ترعرعت وسطها كتمجيدها للخيل والفرسان.

 

الأغنية الشيظمية، هي تلك الأغنية الشعبية التراثية الشجية، البسيطة الإيقاع والعذبة الألحان، كلمات مواضيعها نداء ضد الظلم والقهر والطغيان، أشعار بين الحب والعشق والوفاء والخذلان، أغنية حماسية تحرض على التمرد والعصيان، بكلمات مبطنة ذات معاني وأوزان، فيها فرجة ومتعة حين يكون الرقص والغناء والفرح على الأوجاع والأحزان.

 

تختلط في متونها الحكمة والبسمة، والنغمة والكلمة، أشعار بلاغية هادفة، بكلمات ناحبة باكية صاعدة بأنات من حناجر شيخات وأشياخ، كانوا يمثلون صوت من لا صوت له. وهي مجموعة أهازيج وبَرَاوِيلْ تغنى باللهجة العربية العامية المغربية، وبفضل أصالتها الفنية وقوتها المتمثلة في الكلمة المشفرة الهادفة والإيقاع البسيط والألحان المرحة، فقد قاومت العيطة الشيظمية كل الرياح والعواصف والتقلبات، واستطاعت أن تحافظ على مكانتها في الوسط الفني الغنائي العيطي المغربي.

 

من بين الْبَرَاوِيلْ العيطية الشيظمية الشهيرة التي مازالت رائجة نذكر العناوين التالية:

 

 "حَوَّمْ يَا الَبِّيزْ" و "الْخَيْلْ أَوِينْ أَوِينْ" ثم "سَنْحُو الْخَيْلْ"، و "الَحْسَابْ الشَّيْظْمِي"، و "الْغَابَةْ الشَّيْظْمِيَةْ"، وأغنية "حَبِيبَةْ"، فضلا عن "الْكَافَرْ بْغَا يْطَلَّقْنِي"، وكذلك "خُوكُمْ يَا الَبْنَاتْ"، إلى جانب "دِيرُو رَبِّي فًوكُمْ وُقِيلُونِي"، علاوة عن "بَاغِي نْعَمَّرْ الدَّارْ".

 

دون أن ننسى غناء الساكن حيث نذكر على سبيل المثال لا الحصر: (ركَراكَة، سيدي عبد الجليل، سيدي واسمين، بن معاشو...). وأغاني الساكن، كثيرة بكثرة الكم الهائل للأولياء والصلحاء والأضرحة بمنطقة الشياظمة. حيث تعتبر قبيلة "ركَراكَة"، من أهم القبائل بمنطقة الشياظمة، نظرا للدور الديني الذي مازالت تلعبه إلى الآن عن طريق الزوايا.

 

وحسب ما جاء في كتاب الباحث الدكتور حسن بحراوي "فن العيطة بالمغرب"، أن من بين الأسباب الأساسية التي كانت تؤدي إلى الاختلاط والتمازج الذي شهدته متون وإيقاعات العيطة بالمغرب، نجد أنه كان من المعتاد أن يتنقل محترفو هذا الفن من أشياخ وشيخات أفرادا أو جماعات، بين المدن والقرى المجاورة أو المتباعدة، طلبا للعمل أو السياحة والاسترواح أو بمناسبة زيارة مواسم الأولياء.

 

وخلال هذا الانتقال كان يتم الأخذ والعطاء والتبادل المعرفي بين (الرْبَاعَاتْ) المختلفة. وفيما يخص هذا التراث العبدي نجد أنه يتقاطع ويتشابه في بعض الأجزاء مع بعض من أنواع العيطة المغربية، هذا التلاحم الناجم عن تأثير الجوار والتلاقح وأشكال الاقتباس، والتشبع بأنواع "الْعَيْطَاتْ" الأخرى في ثقافة الأخذ والعطاء، والتأثر والتأثير، ومن ذلك تقاطعه مع الغناء الزَّعْرِي في نمط "لَحْسَابْ الزَّعْرِي" والتي نجدها بمنطقة الشياظمة تحمل عنوان "الْحَبْ الشَّيْظْمِي"، وعيطة "الْغَابَةْ الشَّيْظْمِيَةْ" المأخوذة من (الَعْيَطْ الْغَرْبَاوِي)، وتقاطع العيط الشيظمي مع العيط الحوزي في ألحان وإيقاع بالأجزاء الأخيرة من العيطة بما فيها "السُّوسَةْ" و"السَّدَّةْ".

 

وقد نجد آلاف الشذرات "الْحَبَّاتْ"، من غناء "لَحْسَابْ الشَّيْظْمِي"، المقتبس من غناء "لَحْسَابْ الزَّعْرِي"، حيث أداه شيوخ منطقة الشياظمة بإتقان وأبدعوا فيه بإيقاعات خفيفة وألحان متنوعة، وبكلمات بين الهزل والجد:

 

طَلْعِي نَمْشِيوْ لِلصْوَيْرَةْ.... نْدِيرُو شِي دْوَيْرَةْ

ايْلَا مَا عَنْدَكْ شْهُودْ.... رَا أَنْتَ مَشْدُودْ

الدْمُوعْ اَلِّلي عْلَ لَخْدُودْ... يْبَلْغُو الْمَقْصُودْ

طْرِيقْ الصْوَيْرِيَةْ... بِينْ عَيْنِيَا

مْشَاوْ دُوكْ النَّاسْ... وُ بْقَاوْ عَ الَمَّاسْ

مْشَاوْ الدَّوَاقَةْ... وُ بْقَاوْ الْغَلَّاقَةْ

مْزَوْقَةْ كِالَخْرُوفْ... جَامْعَةْ لَحْرُوفْ

الْحَلُّوفَةْ مَعْرُوفَةْ... عَ مَنْ الْقَنُّوفَةْ

كَولُو لَسْطَيْلَةْ... طُّلْ عَ طْلَيْلَةْ

بْقَاتْ فِيَا بِيبَطْ... الِّلي عْيَاتْ مَا تْعَيَّطْ

 

وقد أعجبت أغاني "لَحْسَابْ"، بإيقاعاتها البسيطة المتقنة وألحانها المتنوعة، وكلامها المختلف المواضيع بين الهزل والجد، ومعانيها المشفرة، الكثير من الفنانين سواء بفرق تقليدية أو عصرية، فراحوا يردّدون متونها في تجمعاتهم سواء في منطقة الشياظمة أو زعير أو الشاوية، والحوز، وعبدة، ودكالة، وجبالة...الشيء الذي أتاح لها انتشارا واسعا وإشعاعا كبيرا".