السبت 26 نوفمبر 2022
مجتمع

"الأنصاري إرحل!".. "أنفاس بريس" تعيد تركيب يوم مشحون في مؤتمر المحامين بالداخلة مع (فيديو)

"الأنصاري إرحل!".. "أنفاس بريس" تعيد تركيب يوم مشحون في مؤتمر المحامين بالداخلة مع (فيديو) محامية تطالب برحيل النقيب الأنصاري( يسارا)
أجواء مشحونة ألقت بظلالها على محيط قصر المؤتمرات بالداخلة، على خلفية انعقاد المؤتمر العام لجمعية هيئات المحامين بالمغرب في جلسته الافتتاحية الخميس 25 نونبر 2022.

المحامون لم "يضعوا أسلحتهم ولم يرفعوا الراية البيضاء" في مواجهة ما وصفوه تعنت زميلهم عبد اللطيف وهبي، الذي اعتبروه انقلب على مهنة اكتسب منها شهرة وشق بها مساره الحزبي، إلى أن وصل لمنصب وزير العدل، وكأنه ينتقم من زملائه، وهو يفرض ضريبته المضمنة في مشروع قانون المالية.

مجموعة من المحامين من هيئة الرباط ممنوعون من ولوج قاعة المؤتمر لعدم تسوية ذمتهم المالية، ضبط مبالغ فيه لعناصر الأمن الخاص في عملية الدخول، كولسة هنا وهناك، الكل عاش على أعصابه، ورغم تأكدهم من عدم حضور الوزير وهبي أو من يمثله، وفق ما انفردت جريدة "أنفاس بريس" في نشره ساعات قبل الجلسة الافتتاحية، فإن الترقب كان سيد الموقف، سواء في منصة القاعة الكبرى، التي ضمت الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامة ورئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب وأعضاء مكتبها، وكذا نقيب هيئة أكادير، إلى جانب رئيس جهة الداخلة، ترقب اللجنة التنظيمية من أي انحراف للتوجه العام للمؤتمر، الذي يحضره العشرات من الضيوف العرب والأفارقة من بينهم قناصلة ومحامون، وترقب أيضا في صفوف أكثر من 600 محامي ومحامية، وكانت نقطة النظام التي تقدم بها أحد المحامين، حتى قبل النشيد الوطني، إشارة أن المؤتمر على صفيح ساخن، ولولا حنكة الأستاذ نور الدين خليل نقيب هيئة أكادير وكلميم والعيون، وامتصاصه لغضب الغاضبين، لسارت الأمور في اتجاه مجهول..
في هذه الأجواء المشحونة والمتوترة، تقدم الأستاذ محمد عبد النبوي، الرئيس المنتدب للسلطة القضائية، ضمن أول كلمة بعد كلمة نقيب الهيئة المنظمة، وتحدث في البداية عن دلالات شعار المؤتمر "المحاماة بالمغرب، نضال وطني مستمر، أمن مهني ملحّ، وانتماء إفريقي دائم"، راجياً أن تكلل أعمالهم بالنجاح، وأن يتوصلوا إلى خلاصات تخدم العدالة ومصالح المتقاضين، وترفع من شأن مهنة الدفاع، وتحفظ لها إشعاعها الحقوقي ونبلها القانوني وأخلاقها الراقية.

إلى هنا كانت الأمور تسير بشكل عادي، لكن بعد مرور دقائق قليلة من زمن كلمته، التي كانت مكتوبة، بدأت الهمهة تسري وسط القاعة، والوكيل العام لمحكمة النقض، يتحدث عن الفترة الحرجة، التي تعاني فيها المساطر القضائية من صعوبات شتى جراء ما يحدث في الساحة المهنية – وهو موضوع، حسب ذات المتحدث، لا يمكن تجاهله وعدم التفاعل معه، ولو بالتزام الحياد الكامل والتحفظ الشديد.

هنا انتفض أحد المحامين الذي رفع صوته قائلا، أن احتجاجهم مشروع، ولايمكن النظر إليه أنه مخالف للقانون، ومع توقف عبد النباوي، بدأ الاحتجاج يتسع في المقاعد الوسطى والخلفية..

عاد المتحدث، الذي فوجئ بقطع كلمته، ولعلها من سوء الصدف، أن تكون الفقرة الموالية من كلمته هي: "اسمحوا لي أن أُذَكِّر زملائي وزميلاتي أعضاء هيئة الدفاع، بالواجبات المفروضة عليكم بمقتضى قانون المهنة، التي "تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، وتُعْتَبَرُ جزء من أسرة القضاء"..
هنا توسع الاحتجاج وارتفعت الأصوات، "من أنت الذي تذكرنا، نحن مهنة حرة مستقلة.." ساد التوتر في القاعة وارتفعت درجة الاحتقان فيما علا الاستغراب والدهشة وجوه الضيوف الأجانب.
استدرك محمد عبد النباوي، وقال "أذكر نفسي بأنكم ملزمون بتقديم المساعدة للقضاء سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات.. وأطلب منكم تفهم أهمية دوركم في أداء القضاء لواجباته بحكم احتكاركم لمهنة الدفاع وتواجدكم الإجباري في أغلب المساطر. مما يجعل مساهمتكم في تلك المساطر ركناً أساسياً لفعالية ونجاعة العدالة. فضلا عن أهميته بالنسبة لحقوق موكليكم ومؤازريكم.
عاد الصراخ من جديد وسط المحامين، ولم تنفع إشارات النقيب نور الدين خليل، في تهدئة الأوضاع، فيما ظل عبد الواحد الانصاري، ملتزما الصمت، وكأنه يعلم أنه أيضا سيكون تحت قصف زملائه المحامين.

وكانت الفقرة التي بلغ فيها الصراخ أقصاه هو عندما خاطبهم الرئيس المنتدب بالقول: "أناشدكم السيد رئيس جمعية هيئات المحامين وأعضائها، والسادة نقباء الهيئات ومجالسها، وكافة المحاميات والمحامين، بتغليب المصلحة العامة، ومراعاة حقوق ومصالح موكليكم، ومعالجة الأزمة الحالية بالتعقل والحكمة والالتزام بأحكام القانون المتعلقة باستمرار الخدمات والمساهمة في الجلسات والإجراءات القضائية". 

وقف العديد من المحامين محتجا على هذه الكلمة، مطالبين من المتحدث سحبها، ليغادر المنصة ولم ينه بعد كلمته التي كان مقررا أن يكون ختامها هو البحث عن وسائل أخرى قانونية وشرعية للدفاع عن مصالح المنتسبين للمهنة دون الإضرار بمصالح الأطراف الذين يمثلونهم، أو الإضرار بسير نظام العدالة، وسائل لا تضر بحقوق المتقاضين الذين ائتمنوهم على مصالحهم، مع تذكيرهم بأعراف المهنة من حيث احترام النقباء والقيدومين وتقديمهم بالأولوية في كل الأحوال.. والاستماع إلى الرأي المخالف بتوقير وتقدير. ومقارعة الحجة بالحجة، والابتعاد عن أساليب التهديد والتشهير.
لم يرجع عبد النبوي إلى مقعده ليأخذ مكانه، بل من أجل مغادرة القاعة، وقد بدا الغضب على وجهه وسط استمرار الاحتجاج على كلمته، إلا أنه عاد تحت طلب عدد من النقباء، فيما اعتلى النقيب خليل المنصة والغضب يتملكه، موجها كلامه للمحامين المحتجين، بأنهم أخطأوا الهدف، فالرجل، يقصد عبد النبوي، ليس خصما للمحامين، وهو مشهود له بالاستقامة والكفاءة والغيرة على قطاع العدالة، داعيا إياهم لإرجاء كل مطالبهم، إلى حين جلسات اللجان، مع احترام الضيوف.. وهي الكلمة التي امتص بها غضب الغاضبين، لكنه امتصاص ظرفي، إذ بعد الاستماع لكلمة مولاي الحسن الداكي، رئيس النيابة العامة، الذي اعتبر مهنة المحاماة ساهمت في مجموعة من المحطات التي عرفها تاريخ العدالة المغربية خدمة لقضايا المجتمع، وإرساء للمسار الديمقراطي والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.. وبنفس الإيقاع ألقى الخطاط ينجا، رئيس المجلس الجهوي كلمته.

عاد الاحتجاج من جديد، لكن هذه المرة بعبارات واضحة ولافتات فاضحة لتدبير عبد الواحد الانصاري رئيس الجمعية لملف الضرائب، وكان شعار "الأنصاري إرحل" يهز القاعة بين الحين والآخر، خلال كلمته التي لقيت امتعاضا واسعا في صفوف المحامين، معتبرين إياه خان أمانة تمثيلهم والحديث باسمهم في مفاوضاته مع الحكومة، بل التف على توصيات الجمعية العمومية ببوسكورة، وفق بعض الشعارات، مقدما مصلحته الحزبية في الحفاظ على ميثاق الأغلبية الحكومية، بحكم انتمائه لحزب الاستقلال المتحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة، وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، والتجمع الوطني للأحرار، الوزير  المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع..

حاول الأنصاري في كلمته المكتوبة ألا يلتفت للأصوات الغاضبة من هنا وهناك، لكن مع ذلك أرغم على التجاوب أحيانا مع بعضها، مما أسقطه في ردود فعل كانت تتأجج عند رفع شعار "صامدون صامدون، للأنصاري رافضون"..
وعاد النقيب خليل، الذي اعتبر بأن غضب المحامين متفهم ومنتظر، وهو ليس بغريب على فئة مهنية تتخذ من الحقوق والحريات أساسا في عملها الدفاعي بالمحاكم، واعدا إياهم بأنه لن يعترض على أي مداخلة تدرج في جلسات اللجان، في اليوم الموالي، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط، ليتم الانتقال إلى فقرة تكريم نقباء أعطوا للمهنة والوطن الشيء الكثير، وهنا عادت أصوات نسائية تطالب بالمناصفة في التكريمات، مادام أن هناك محاميات بذلوا الغالي والنفيس من أجل الدفاع عن المهنة وتمثيلها وطنيا ودوليا، وتم إقصاؤهم من قبل اللجنة التنظيمية.

وفي الأخير كان التوحد عند تكريم نقيب هيئة المحامين بفلسطين، حيث رفعت شعارات الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني وهم يواجهون الاحتلال الإسرائيلي، موجهين تحية خاصة لزملائهم وهم يدافعون عن الحق في الأراضي المغتصبة..
وبحفل فني حساني ووجبة عشاء نظمتها جهة الداخلة وادي الذهب، انتهى اليوم الأول من مؤتمر شد الأنفاس إليه، ليعود المحامون إلى فنادقهم استعدادا لما أسموه معركة التوصيات في اللجان الوظيفية.