الأربعاء 7 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: الهجرة تعيد التوتر إلى العلاقات الفرنسية الإيطالية

يوسف لهلالي: الهجرة تعيد التوتر إلى العلاقات الفرنسية الإيطالية يوسف لهلالي
تأججت المواجهة الدبلوماسية بين فرنسا وإيطاليا الأسبوع الماضي، بعد رفض هذه الأخيرة استقبال سفينة "اوسيان فيكينغ"، والتي دخلت بشكل استثنائي الى ميناء تولون ليتم توزيع اللاجئين على عدة بلدان اوربية خاصة فرنسا والمانيا.
هذا الرفض الإيطالي لن يكون هو الأخير، وهو ما يعني ان ملف الهجرة واستقبال بواخر الإغاثة سوف يعود الى الواجهة والى المزيد من التوتر الديبلوماسي بين روما وباريس.
وهو علامة على التحول في سياسة الهجرة بإيطاليا بعد وصول رئيسة وزراء جديدة تمثل اليمين المتطرف، الذي جعل من الهجرة أحد أعمدة سياسته الداخلية والخارجية. ودافعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني امام الصحافة عن نهجها الصارم الجديد حيال قضية الهجرة، مؤكدة أن "على متن هذه السفن، ليس هناك ناجون إنما مهاجرون".
وسمحت روما في البداية لجزء فقط من الناجين الذين حاولوا العبور من سواحل شمال إفريقيا إلى أوروبا، بالنزول إلى الرصيف، ما أثار استياء منظمات إنسانية. وفي نهاية المطاف سمحت لثلاث سفن إسعاف بإنزال كل ركابها الثلاثاء.
هذا التوتر مع روما رافقه توافق بين باريس ولندن حول تدبير الهجرة السرية، حيث قبلت فرنسا التوصل بتعويضات من 72 مليون يورو مقابل الرفع بنسبة 40 في المائة من عناصر قوتها الأمنية في السنة المقبلة لحراسة بحر المانش، بعد ان تمكن حوالي 40 الفا مهاجر غير نظامي بعبوره هذه السنة حسب السلطات البريطانية.
وإذا كان التوافق هو الذي يطبع العلاقة بين فرنسا وبريطانيا حول تدبير ملف الهجرة بعد الاتفاق الأخير، فان إيطاليا غاضبة وتعتبر انها لا تتوصل بالمساعدات المالية الكافية من فرنسا وأروبا لتدبير هذا الملف. وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الايطالي انتونيو تاجاني بالقول «ان النهج الجديد المتشدد لبلاده في مجال سياسة الهجرة هو رسالة لحض الدول الأخرى في الاتحاد الاوروبي على لعب دورها".
الرد الفرنسي على هذه السياسية لم يتأخر، وادان وزير الداخلية جيرار دارمانان "الخيار غير المقبول" والمخالف لـ «لقانون الدولي"، لإيطاليا التي رفضت بقيادة حكومة جديدة يمينية متطرفة استقبال السفينة. واعتبر ذلك واجبا إنسانيا. وهدد الوزير الفرنسي بوقف التضامن الأوربي.
في المقابل استنكر وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوسي القرار الفرنسي باتخاذ اجراءات انتقامية بحق روما لرفضها السماح لسفينة تقل مهاجرين بالرسو في موانئها.
وقال في بيان له "رد فعل فرنسا على طلب استقبال 234 مهاجرا، بينما استقبلت إيطاليا 90 ألفا هذا العام، غير مفهوم على الإطلاق".
مسؤولة منظمة "إس أو إس متوسط"، صوفي بو، اعتبرت في حديث لصحافة أن التمكن من الرسو في ميناء تولون يشكل "مصدر ارتياح مشوب بالمرارة".
ورأت أن رفض استقبال سفن المهاجرين وإبقاءهم فترة طويلة في البحر "يظهر أنه من الملح أن تضع الدول الأوروبية آلية توزيع دائمة" للمهاجرين الذين يتم إنقاذهم في البحر الأبيض المتوسط، بعد فرارهم من ليبيا بشكل عام على متن قوارب."
وأثار استقبال القارب بفرنسا غضب اليمين المتطرف ولاسيما رئيسة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف مارين لوبن التي رأت في ذلك "علامة دراماتيكية على التراخي."
وكتبت لوبن على تويتر "بهذا القرار لم يعد (إيمانويل ماكرون) قادرا على جعل أي شخص يعتقد أنه يريد وضع حد للهجرة الجماعية والفوضوية."
التصريحات المتبادلة والعنيفة أحيانا بين المسؤولين الفرنسيين والمسؤولين الايطاليين تعكس ارتفاع حدة التوتر بين البلدين حول هذا الموضوع، حيث تطالب باريس باحترام الاتفاقيات الاوربية، في حين ترى روما ان التضامن الأوربي غائب وأنها لوحدها تتحمل ثقل الاعداد الجديدة من الوافدين، وتحدثت عن وصول 90 ألف وافد جديد الى بالأراضي الإيطالية.
المفوضية الاوربية امام هذا التوتر الفرنسي الإيطالي ذكرت البلدين ان انقاد الارواح هو "واجب انساني " كما ان "الواجب القانوني بإنقاذ الأرواح في البحر واضح ولا لبس فيه، مهما كانت الظروف التي قادت الأشخاص إلى المحنة"، داعية "الدول الأعضاء" إلى العمل سويا لإيجاد استجابة مشتركة".
ملف الهجرة هو أحد أكثر الملفات تعقيدا امام بلدان الاتحاد الأوربي، والذي يثير الازمات باستمرار بين باريس وروما حول قبول المهاجرين وتفعيل الية التضامن الأوربي التي تنص على توزيع هؤلاء المهاجرين الذين يصلون الى إيطاليا على باقي بلدان الاتحاد.
توقف إيطاليا عن استقبال بواخر الإنقاذ تقول روما هو وسيلة للضغط على الاتحاد الأوروبي ليزيد من مساعداته اليها، وكذلك لتفعيل الية التضامن الأوربي التي لا تطبق حسب الحكومة الإيطالية.
رد فرنسا على القرار الإيطالي لم يتأخر، وقررت التعليق "الفوري" لمشروع مقرر باستقبال 3500 لاجئ متواجدين حاليا في ايطاليا. وأكد الوزير الفرنسي أنه "ستكون هناك عواقب وخيمة" جراء الموقف الإيطالي على "علاقاتنا الثنائية. وحرمان إيطاليا الاستفادة من التضامن الأوروبي.
تدبير ملف الهجرة يقسم البلدان الاوربية ويؤجج التوتر فيما بينها، وهو ما يتطلب تحييد هذا الملف وعدم استغلاله سياسيا. وهو ما عبر عنه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في بيان حول الموضوع" السياسة لا يجب أن تمارس على حساب أشخاص في محنة".