الأربعاء 24 يوليو 2024
سياسة

الطيب دكار: "بوتفليقة يتحمل مسؤولية العداء الأبدي بين المغرب والجزائر" (1)

الطيب دكار: "بوتفليقة يتحمل مسؤولية العداء الأبدي بين المغرب والجزائر" (1) الطيب دكار وغلاف كتابه حول الجزائر
لم يتردد الصحافي المغربي الطيب دكار، المدير السابق لمكتب وكالة المغرب العربي للأنباء بالعاصمة الجزائر، في تحميل مسؤولية العداء بين المغرب والجزائر للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. 
وقال كتاب "الجزائر/ اللاستقرار السياسي يطيل أمد القطيعة مع المغرب إن"كل الآمال التي عقدها المغاربة على انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئيسا تبخرت، لأنهم كانوا ينظرون إليه كشاهد على مسؤولية بلده في المأساة التي تعيشها العلاقات بين البلدين لفترة طويلة".
وذكر الكاتب بما سبق أن صرح به بوتفليقة لوكالة المغرب العربي للأنباء في عام 1975 بمطار الرباط، حين أكد أن "الجزائر ليس لا ناقة ولا جمل في الصحراء"؛ فـ"أين نحن من هذا التصريح"؟ يقول الطيب دكار، مضيفا أن بوتفليقة، هو الشاهد على "صناعة" العداء ضد المغرب.  فقد ظن الجميع ، أثناء انتخابه رئيسا أنه يملك مفاتيح حلحلة الخلاف المغربي الجزائري حول نزاع الصحراء، لكونه كان فاعلا رئيسيا وشاهدا شارك في المفاوضات بين البلدين، ووقع شخصيا جميع الاتفاقيات الثنائيةـ بصفته وزيرا للخارجية آنذاك".
وتابع الطيب دكار أن "هذا هو الأساس الذي بُنِي عليه الأمل في إنهاء خلاف الذي سبب ضررا كبيرا للتقارب بين البلدين.  ذلك أن بوتقليقة كان شاهدا، وهو الذي فاوض ووقَّعَ بالأحرف الأولى جميع الإتفاقيات بين الطرفين، وكان من الممكن، بإعلانه الحقيقة، أن يساهم في وضع حد لهذا الخلاف التاريخي الذي استمر لعقود كثيرة".
فخلال رحلة الأخيرة إلى الرباط ، في يوليو 1975، حين كان وزيرا للشؤون الخارجية، اشترط عبد العزيز بوتفليقة، لدعم المطالب المغربية، تسريع وتيرة ترسيم الحدود التي وقعت على هامش القمة العربية بالرباط، وذلك بموجب بيان نص على مباحثات الرباط، أعادت نشره صحيفة "المجاهد" الجزائرية، والذي أعلن من خلاله الطرفان عن  ارتياحهما للمفاوضات. ولهذا السبب، فإنه يتحمل مسؤولية أخلاقية جسيمة، يقول صاحب الكتاب.
وتابع: "حين رجع الرئيس السابق للديبلوماسية الجزائرية إلى الجزائر، فوجئ بأن الرئيس بومدين هيأ مخططا آخر، للتصدي لمطالب المغرب، والذي يتعارض مع التزامات وزيره في المغرب".  وعلل سبق امتناعه عن قول الحقيقة، رغم أنه استمر في قمة السلطة لمدة 20 سنة، ، بأنه كان يخشى على حياته، لأن قضية الصحراء بالنسبة للجيش الجزائري قد تؤدي إلى الموت كما حدث مع الرئيس بوضياف. 
وعن دواعي تغيير الرئيس بومدين لموقفه من اتفاقية ترسيم الحدود، أكد الطيب دكار أن الرئيس الجزائري كان يرتاب  في نوايا الملك الذي لم يكن قد طرح مسألة ترسيم الحدود على البرلمان للمصادقة، وكان يخاف من أن الملك سيطالب بترسيم الحدود الشرقية أيضا، خاصة أن بعض الأحزاب المغربية، مثل حزب الاستقلال، كانت تطالب باسترجاع أراض واسعة توجد في الجزائر. فبالنسبة لبومدين، الذي صادق على الاتفاقية بعد 6 أشهر من توقيعها، يمكن للمغرب أن يطالب بإعادة ترسيم الحدود بين البلدين، خاصة أن الملك لم يعرض الاتفاقية على البرلمان، لأسباب متعددة، من بينها أنه تعرض لمحاولتين انقلابيتين في 1971 و1972، فضلا عن تسلل عسكريين سنة 1973، من الجزائر، جاؤوا لنشر الفوضى في البلاد.
يتساءل صاحب الكتاب: "كيف يمكن للراحل الحسن الثاني أن يثق في النظام الجزائري وقد تعرض لمحاولتي انقلاب، خاصة أن هذا النظام، الذي يعتنق إديولوجيا "ثورية" مضادة لـ "الامبريالية"، يستقطب ويسلح المعارضين المتطرفين المغاربة !".
أما الجواب، فيكمن حسب رأيه، في أن "الملك الراحل استغل قضية الصحراء ليختبر مجددا الجزائر، لمعرفة نواياها الحقيقية. ذلك أن النظام الجزائري، الذي يشعر بكراهية متأصلة للعاهل المغربي منذ حرب الرمال 1963، أظهر بالفعل نواياه العدوانية للمملكة. فروح الانتقام لم تختف من أجندة واستراتيجية بومدين، الذي كان يستقبل في الجزائر، وبضجة كبيرة، "ثوار" العالم أجمع، مثل فيديل كاسترو الذي يعرف العالم المصير الذي آل إليه بلده. حتى إن ديبلوماسيين كوبيين أصبحوا يعيشون في أقباء العمارات بالعديد من العواصم الغربية، وكان يطلبون المساعدات من أجل العيش".
ويتابع: "إن سوء التفاهم المغربي الجزائري أصبح مرشحا للاستمرار عقودا أخرى مع الهوة التي عمقها إغلاق الحدود بين البلدين. ذلك أن الرئيس بومدين أرسل جنودا لمهاجمة المملكة، بل إن الجيش الجزائري شارك مباشرة في المعارك، ومنهم جنود لا يتوفرون على أي تجربة عسكرية، بعضهم جامعيون، وجدوا أنفسهم أمام الجيش المغربي. فهل ما زال بعد هذا يمكننا أن نصدق أن "الجزائر ليس لها لا نقاة ولا جمل في الصحراء"، كما صرح بذلك بوتفليفة. لقد أحاط الجيش المغربي بالجنود الجزائريين، وأسر المئات منهم  الذين لم يطلق سراحهم إلا في أعقاب القمة المغربية الجزائرية، التي انعقدت على الحدود سنة 1987، بوساطة سعودية.
ومع ذلك، لم يسع المغرب إلى إعلان إفراجه لأسرى الحرب الجزائريين، بل إنه لم يعلن حتى عن أسرهم للرأي العام المغربي ووسائل الإعلام الأجنبية. بينما كانت الجزائر، ومعها محميتها البوليساريو، تظهر يوميا الأسرى المغاربة لمن أراد ذلك. والأدهى من ذلك أنها، بعد قيام المغرب بإطلاق سراح الأسرى الجزائريين، أعلنت أن الأمر يتعلق بجنود تاهوا في الأراضي المغربية. وقد تجنب الملك الراحل العودة إلى الحديث عن ذلك أو رفع دعوى. ولو فعل ذلك حينذاك، كانت ستندلع الحرب، كما كان يتمنى بومدين الذي كان الملك يعرف أنه يكن له الكثير من العداء. وهكذا، وضعت الجزائر، أثتاء محاولة الانقلاب الأولى بالصخيرات، إذاعتها رهن إشارة المعارضين، الذين عادوا جيمعهم لاحقا إلى الوطن، ودعت المغاربة إلى "اليقظة" في كل صحفها. بل على العكس من الرئيس الليبي معمر القذافي الذي التزم بتقديم الدعم للانقلابيين، قام الرئيس بومدين بالاتصال هاتفيا بالملك الحسن الثاني ليطمئن إن كان ما زال يتحكم في الوضع قبل أن يحدد موقفه من الانقلاب. وقد تعامل الملك مع هذه المكالمة الهاتفية بحسن نية وبحنكة ديبلوماسية، وأكد أن بومدين كان أول رئيس دولة  أجنبية اتصل به ليطمئن على حاله، وليعلن له تضامنه، رغم أن الملك كان يعلم بأن بومدين حاربه دائما. ذلك أن الجزائر كانت تستقبل عشرات المعارضين، بعضهم كان يسكن في إقامات فخمة مشيدة على مرتفعات العاصمة الجزائر، كما أن الملكية كانت تنعت في الجزائر بـ"النظام الفيودالي الحليف للإمبريالية"، بينما كانت الجزائر بلدا "تقدميا" و"جمهورية ديمقراطية شعبية"، كما توصف حتى الآن. وكان أعضاء حزب جبهة التحرير الوطني المؤثرين يحملون ألقابا مغرية مثل "عضو قيادة الثورة"، "عضو الكتابة الدائمة"، "عضو المكتب السياسي". كما كان  حزب جبهة التحرير الوطني هو منبع الترقي الاجتماعي، والامتيازات، والموارد (سيارات الليموزين، السفر إلى الخارج، منح دراسية، إقامات سكنية). كما أن السلطات الجزائرية رفضت حضور المبعوث الخاص للملك وصهره، أحمد عصمان، لجنازة الهواري بومدين. ذلك أن العلاقات انقطعت سنة 1976، حين اعترفت الجزائر، في سابقة أولى في العالم، بالبوليساريو، لتفتتح بذلك حربا ديبلوماسية ضد المغرب، بفضل البترودولار، التي ما زالت مستمرة حتى الآن في استعماله. بل إنها رفضت نشر برقية تعزية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، رغم أنها نشرت البرقية التي بعثها من باريس المنشقون عن الحزب نفسه"، يقول الطيب دكار.