الأربعاء 7 ديسمبر 2022
كتاب الرأي

جمال العسري: النظام الأساسي ... القيادات النقابية في مواجهة القواعد التعليمية ...

جمال العسري: النظام الأساسي ... القيادات النقابية في مواجهة القواعد التعليمية ... جمال العسري

الجمعة السوداء والنظام الأساسي ... أهو ضعف المفاوضين ؟؟؟ أم خذلان القيادات لموفديها ؟؟ أم انتفاضة القواعد ؟؟

النظام الأساسي ... في الحاجة للوضوح ... في الحاجة لتغيير فرق التفاوض ... في الحاجة لنقد ذاتي ...

جميعنا نتذكر ما حدث يوم 23 شتنبر ... اليوم الذي خرج المفوضون من اعتكافهم ... الاعتكاف الذي دام خمسة أيام - من 19 شتنبر إلى 23 شتنبر - والذي توج أزيد من 23 ثلاثة و عشرين جلسة مفاوضات ... أو على الأصح جلسات حوار ...  وشتان بين الحوار و التفاوض ... كالفرق بين فروسية دون كيشوط ديلامانشا وفروسية صلاح الدين الأيوبي ... نتذكر ما وقع ذلك اليوم و كأنه جرى البارحة ... كيف خرج " المفاوضون " من اعتكافهم و قد خرج الدخان الأبيض من قاعة جلساتهم ... خرجوا مبتسمين ... سعداء ... وعلامة ذلك بارزة على وجوههم و هم يأخذون عشرات الصور التذكارية ... صور يسجلون عبرها اللحظة التي أرادوا لها أن تكون تاريخية ... متناسين قولة " وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن " ... حيث مباشرة بعد تلك الصورة الجماعية ... انطلقت ألسنهم مبشرة بما أرادوا أن يصوروه نصرا مبينا للنقابات التعليمية... وفتحا عظيما لقلعة الوزارة العنيدة ... وانطلقوا يعددون ما أرادوا أن يصبغوه بصباغة المكتسبات الجبارة ... لكن سحر الساحر لم يخدع أسرة التعليم بنسائها و رجالها ... فانطلقت الأصوات من كل ربوع الوطن ... من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ... ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ... من السهول و أعالي الجبال و كثبان الصحراء ... رافضة لما حدث ... منددة ومستنكرة بما سمته اتفاق " المهزلة " ... بل وأعلنت عن استعدادها التبرأ من كل من وقع من النقابات ... والانسحاب من جدرانها ... لم تفلح خرجات قلة من المطبلين والمصفقين في إسكات الصوت المعارض الذي لم يتوقف عن النمو ... ولا حتى خرجات بعض المفاوضين واستجواباتهم الصحفية ومقالاتهم المدفوعة نجحت في تبرير ما لا يبرر ... بل ازداد اشتعال نار الرفض ... وهبت رياح عواصف التنديد ... فما كان من القيادات التي كانت تستعد على قدم وساق لحفل توقيع " اتفاق المهزلة " أو " نظام الضحايا " ... إلا أن أحنت رأسها للعاصفة ... تجنبا لأي كارثة لا قدر الله تهدم الصروح التي بنيت بنصالات و تضحيات نساء و رجال التعليم ... فكان التراجع ... وكانت البداية بإصدار بعض المكاتب الوطنية لبيانات التراجع ... بيانات التبرؤ... بيانات التهدئة ... ( بيانا كل من الجامعة الوطنية للتعليم FNE وبيان النقابة الوطنية للتعليم كدش على سبيل المثال ) ... وهي البيانات لم لم تبعث كامل الاطمئنان في نفوس أسرة التعليم الثائرة ... فكانت الخطوة الثانية ... خطوة التداعي لاجتماع عاجل للكتاب العامين الخمسة ... في محاولة للتكفير عن من ارتكبه موفدوهم من خطايا وكبائر ... وللتنسيق فيما يجب قوله للوزير ... والتبرير الممكن إعطائه له لتأجيل التوقيع على ما اتفق عليه - وراه لعب الدراري هذا نتاففوا الجمعة وتتراجعوا الإثنين - وهو الاجتماع الذي تولد عنه بيان وقعته النقابات الخمسة ... بيان لا يقول شيئا... بيان الضبابية و الغموض ... بيان الكلام من أجل الكلام ... ثم كان اللقاء مع وزير التربية الوطنية ... والعجيب الغريب أن هذا اللقاء لم يحظ بأي تغطية ... ولم يعقبه أي بلاغ ... ولا أي بيان ... وجميعنا نجهل ما جرى خلف أبوابه المغلقة ... اللهم ما تم تسريبه من قبل بعض المواقع الإعلامية ... تسريبات لا ندري مدى صحتها ... تسريبات لم تستطع الجواب عن كل تطلعات نساء ورجال التعليم ... ولم تستطع إطفاء غضبها مما جرى ووقع يوم الجمعة السوداء ... لتنطلق بعدها عملية الإصلاح الداخلي ...

فهذه الجامعة الوطنية للتعليم تعقد مؤتمرها الثاني عشر وترسل عبره رسالتين لمن يهمهم الأمر ... الرسالة الأولى جاءت عبر الشعار الذي تم اختياره للمؤتمر وهو " تقوية التنظيم والنضال الوحدوي للدفاع عن التعليم العمومي و تحقيق المطالب " وهو شعار واضح في مغزاه وفي معناه ... ويؤكد أنه لا بديل عن النضال الوحدوي لتحقيق المطالب على اعتبار أن ما تم الوصل إليه الجمعة السوداء لا يمت بأي صلة بتحقيق المطالب ، الرسالة الثانية : انتخاب كاتب عام وطني جديد خلفا للكاتب العام السابق الرفيق " عبد الرزاق الإدريسي " الذي شارك و حضر كل جلسات الحوار/التفاوض ... بما في ذلك الاعتكاف الذي دام خمسة أيام وانتهى لما انتهت إليه الجمعة السوداء ... وكأننا بالجامعة الوطنية للتعليم تحاول وفدها المفاوض وممثليها في جلسات الحوار و تعلن عن فشل الوفد الذي توج جلساته بالصورة إياها ...هذا عن الجامعة الوطنية للتعليم..

أما عن النقابة الوطنية للتعليم كدش ، فقد سارع عضو مكتبها الوطني وعضو لجنة الحوار الثلاثية ، سارع إلى إصدار توضيحات وتفسيرات وتبريرات للاتفاق المهزلة ... لكن خرجاته فشلت في إسكات صوت المعارضة الداخلية ولا حتى في إقناع المترددين ... وبعد هذا الفشل تمت الدعوة لعقد اجتماع مستعجل للمكتب الوطني تمخض عنه بيان ... يستشف منه الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه وفد النقابة في جلسات الحوار ... وفهم منه التراجع عن ما تم الاتفاق عليه مع الوزارة ... ولأن بلاغ المكتب الوطني لم يكن بالقوة اللازمة للانقلاب على التعهدات التي أعطيت للوزارة ... تمت الدعوة لعقد مجلس وطني اتضح من خلاله أن الأغلبية الساحقة داخل برلمان النقابة رافض رفضا مطلقا لمخرجات الجمعة السوداء ... وهو الأمر الذي يتطلب خطوتين أساسيتين : الخطوة الأولى الإعلان عن هذا الأمر بالوضوح اللازم من خلال تعاقد بين القيادة النقابية والقواعد ... والخطوة الثانية ضرورة تغيير الفريق المحاور / المفاوض الذي أثبت فشله في الوصول إلى اتفاق يرضي القواعد ...

فيما لجأت الجامعة الوطنية للتعليم / ا م ش إلى الدعوة لمجلس وطني غداة الجمعة السوداء و اختارت من خلالها القيام بخطوتين : الأولى هو الصمت على ما جرى عملا بمقولة " كم حاجة قضيناها بتركها " والخطوة تحويل دفة النقاش الداخلي من النظام الأساسي إلى المؤتمر الذي تم تحديد تاريخه ... لتنشغل القواعد بما يتطلبه المؤتمر من إعداد واستعداد..

وفي هذا الوقت وقع اختيار النقابتين المتبقيتين ( النقابة الوطنية للتعليم / فدش والجامعة الحرة للتعليم / ا ع ش ) الصمت وكأن لا شيء وقع ... أو أن ما وقع لا يستحق الوقوف عنده .

والآن وها قد مرت عشرة أيام على ما وقع ... وعلى ما أغضب نساء ورجال التعليم وجعلهم يقفون صفا واحدا ضد ما اتفقت عليه نقاباتهم ووزارتهم ... وبعد أن اضطرت النقابات إلى التريث قليلا و التراجع عن ما اتفقت عليه يوم الجمعة إياها ... وهو الاتفاق الذي تم الاحتفال به عبر الصور التذكارية والخرجات التفسيرية ... السؤال الذي يطرح : ما الذي جعل النقابات تتراجع عن اتفاقها ؟؟؟ أهو خروج ممثليها في جلسات الحوار عن الخطوط الحمراء وقبولهم بما لا يمكن القبول به ... وفي هذه الحالة لا مفر من عقاب الفرق المفاوضة و لو بتغييرها ... سيرا على قاعدة " ضرورة تغيير الفريق الفاشل " وهذه الفرق فشلت في جلسات الحوار . أم أن الفشل لا يقع فقط على المفاوضين بل تتحمل مسؤولياته المكاتب الوطنية على اعتبار أنه من الصعب تقبل فكرة أن أولئك المحاورين كانوا يتصرفون بحرية ... وكانت لهم مطلق الصلاحيات في اتخاذ ما يرونه مناسبا و لم يكن هناك أي تواصل أو توجيه من رفاقهم في المكاتب الوطنية ... وأنهم اليوم و قد وقع ما وقع يجعلون ممثليهم في الحوار كبش فداء للتضحية بهم ... ولإسكات أي صوت قد تسول له النفس بانتقاد القيادات الصامدة والمناضلة والمضحية ...

الحقيقة الواضحة وضوح الشمس أن من أوقف اتفاق المهزلة هم القواعد ... هم نساء و رجال التعليم الذين أعلنوا وعبر كل الوسائل المتاحة عن رفضهم و استنكارهم و إدانتهم لما أسفرت عنه جلسات الحوار وأخرج يوم الجمعة السوداء ... والضغط الذي شكلوه وخاصة عبر وسائل الاتصال والعالم الافتراضي الذي أثبت مرة أخرى أنه صوت من لا صوت له ... وهكذا يثبت العالم الافتراضي مكانته في الساحة السياسية والنقابية والاجتماعية المغربية وبأنه بحق " حزب من لا حزب له "

أمام كل ما وقع السؤال الكبير : ما موقع الوزارة أو على الأصح الحكومة من كل ما جرى ؟؟ من اتفاق ثم تراجع عنه ؟؟ ما رد فعلها الآني و المنتظر ؟؟ و نحن نبحث عن رد فعل الوزارة / الحكومة ، علينا أن نضع نصب أعيننا الاجتماع الذي عقد بين كتاب النقابات التعليمية الخمس يومين بعد اتفاقات الجمعة السوداء دون سابق إنذار ولا إخبار ولا تنسيق ولا إعداد ، وأن نلتقط إشارة عقده بمقر الجامعة الحرة للتعليم التابعة للاتحاد العام للشغالين ، أو القطاع النقابي لحزب الاستقلال ، الحزب الذي يشكل أحد الأضلع الثلاثة لمثلث الحكومة ، أ فليس غريبا عقد هذا الاجتماع على عحل  بمقر نقابة حزب الاستقلال وربما بدعوة منها ، وهو الأمر غير المستغرب ، وغير المستغرب أن تكون إشارة الدعوة للاجتماع صادرة عن حزب الاستقلال/ الحكومة ، وقد يسأل سائل و ما مصلحة الحكومة في هذا الاجتماع ؟؟ بل وفي التراجع عن الاتفاق ؟؟ مصلحة الحكومة ثابتة وواضحة وضوح الشمس، فالحكومة ترغب فعلا في حل بعض مشاكل قطاع التعليم وفي تحقيق بعض المطالب التي لن تسبب خللا في ميزانيتها، اتفاق لن تكون له تبعات كبيرة على ميزانية الدولة، اتفاق يعمل على تحييد قطاع التعليم و كسب صمته للمضي قدما في تنزيل النموذج التنموي الجديد وتنزيل إصلاح أنظمة التعاقد ، وهذا الأمر لن يكون متاحا إلا باتفاق ترضى عليه أسرة التعليم أو على الأقل لا يثير غضبها وتمردها و ثورتها على قياداتها بل على نقاباتها وهو الأمر الذي قد يدفعها للانخراط في تنسيقيات لا تعرف طريقا لتحقيق المطالب سوى النضال والتصعيد، ويجعل الوزارة / الحكومة في مواجهة مباشرة مع الشغيلة التعليمية بعد أن يتم التمرد على الوسطاء، باعتبار النقابات التي تخلت عن دور الشريك ورضت بدور الوسيط ، وعليه لا يمكن التعجب إن ظهر في المستقبل أن التراجع الذي حصل لدى بعض النقابات لم يكن بضغط من قواعدها بل بإيعاز من الحكومة لتحسين عرضها ووقف حالة التمرد التي بدأت تطفو على سطح النقابات التعليمية..

خلاصة القول يبقى قطاع التعليم ومعه نقاباته مفتوحا على كل الاحتمالات والجميع يدعو أن تخرج حريرة النظام الأساسي على ألف خير، وفي انتظار ذلك ها نحن ننتظر مع المنتظرين..