الجمعة 9 ديسمبر 2022
فن وثقافة

الفيلم المصري ''سعاد''.. محبط ومخيب للآمال

الفيلم المصري ''سعاد''..  محبط ومخيب للآمال
كنت قد قرأت كثيرا عن الفيلم المصري ''سعاد'' للمخرجة أيتن أمين، خصوصا بعد ما رشح سنة 2021 لتمثيل مصر في مسابقة الأوسكار، كل من كتب عنه مدحه وعظمه وشكر صاحبته وهذا حقهم طبعا، بحثت عنه أنذاك كي أشاهده لكن للأسف لم يحالفني الحظ فنسيت الأمر، تذكرته مجددا البارحة عندما فازت بطلتاه بجائزة افضل تمثيل في المهرجان الدولي لفيلم المرأة بالمغرب، بحثت عنه مجددا ولحسن الحظ وجدته هذه المرة، لكن صدمتي كانت كبيرة عندما تفاجأت بأنه ليس بالفعل كما وصفه الكثيرون فلا هو بالعظيم ولا هو بالمتكامل كما وصفه أستاذنا طارق الشناوي، فيلم عاد جدا بل به الكثير من العيوب التي غطت على موضوعه وعلى فكرته التي أعتبرها مهمة جدا خصوصا في هذا الزمن، زمن الحياة الافتراضية والعيش داخل الشبكات الاجتماعية.
 
الفكرة تم معالجتها بتقنيات ضعيفة أثرت على الفيلم ككل وجعلته مجرد تجربة هاوية، فتصويره بكاميرا محمولة جعلت الحركات والصور تهتز في أغلب مشاهده وهذا فيه إزعاج للمتلقي، رداءة الصوت المصاحب له أيضا لها تأثير مباشر على التلقي، بالإضافة الى الحوارات العفوية والارتجالية التي جعلتنا كمشاهدين نتوه داخل الكلام ونفقد التركيز، كما أن غياب رؤية إخراجية واضحة، وأيضا انفراط الخيط الناظم للسيناريو في الكثير من أجزائه جعله يخرج من التصنيف الذي وضعه فيه البعض وهو الواقعية الجديدة، وهذا فيه تَجَنٍّ على هذه المدرسة أو الموجة التي أبدع فيها مخرجون كبارا أمثال محمد خان، وعاطف الطيب، وداوود عبدالسيد، وخيرى بشارة، ورضوان الكاشف... فأعمالهم لم تنجز ولم تعالج بهذا الأسلوب الهاوي والمهتز، بل بالعكس فيها احترافية تقنية وفنية ملحوظة، وعمق فلسفي وفكري واضح، فلا أظن أن فيلم ''سعاد'' له علاقة فنية وفكرية بفيلم التخشيبة مثلا، أو البريء، أو الكيت كات، أو ضربة شمس، أو زوجة رجل مهم، أو الطوق والأسورة... فهذه أفلام تنتمي الى الواقعية الجديدة وقد حافظ فيها صناعها على جودة كل العناصر المكونة للصورة  وأتحفونا بلقطات وكادرات مازلنا نستمتع بها ونجترها من حين لآخر، وجعلوا من السيناريو عنصرا فعالا في البناء المحكم للفيلم، كما رفعوا من قيمة الموسيقى التصويرية وجعلوها بطلا من أبطال أعمالهم، فما زلنا الى حد الآن نتذكر موسيقى فيلم الهروب، ونحفظ ألحان موسيقى فيلم الكيت كات...
 
كل هذه العناصر مفقودة في الفيلم، ربما الشيء الوحيد الذي يربط بينه وبين الواقعية الجديدة هي خروج الكاميرا الى الشارع، وواقعية الفضاءات والشخوص، لكن ليس بهذه الارتجالية ولا هذا التمطيط غير المقنع، إضافة الى أن السينما المستقلة أو سينما المؤلف لها معايير وآليات وشخصيا شاهدت عددا كبيرا من الأفلام المنتمية لهذا الجنس، وأحضر سنويا فعاليات مهرجان روتردام السينمائي الدولي (IFFR) وهو ثاني أكبر مهرجان في العالم مختص بالسينما البديلة أو المستقلة وأستمتع فيه بالعشرات من هذه الأفلام وأعرف ما معنى السينما المستقلة بأبعادها وتفاصيلها، فليس من الضروري أن نستخدم أضعف الإمكانيات التقنية ونرتكب أخطاء في الإخراج والسيناريو حتى نقول عن العمل أنه عمل مستقل، فأفلام سينما المؤلف هي أفلام قوية ومحترفة وذات طرح فكري عميق وفيلم ''سعاد'' أراه ينتمي الى سينما الهواة أكثر منه انتماء الى سينما المؤلف أو السينما البديلة.     
 
ربما قد يصنفه البعض داخل خانة حركة ''دوغما 95'' التي تتجرد من كافة العناصر الصناعية وتسمح باهتزاز الكاميرا ولا تهتم بالإضاءة ولا المؤثرات...الخ لكن حتى أفلام هذه الحركة التي ثارت وتمردت على قواعد السينما الإحترافية المعروفة وخلقت لنفسها اتجاها جديدا بنيت على قواعد ومعايير خاصة بها لا أظن أن فيلم ''سعاد'' حافظ عليها كما هي، ولا أعتقد أنه ينتمي الى هذه الحركة أصلا.
 
كنت قد شاهدت للمخرجة أيتن أمين فيلمها الروائي الطويل فيلا 69 الذي أنتج سنة 2013 وهو فيلم ناضج فنيا وبه اجتهاد ومجهود ولا يقارن بفيلم سعاد. انطباعي هذا حول ''سعاد'' قد لا يعجب كثيرين وهذا حقهم وحقي أيضا هو إبداء الرأي حسب قناعتي ورؤيتي للعمل، قد أتفق على أن تشخيص بسنت أحمد وبسملة الغايش تشخيص مقنع كما هو مقنع أيضا تشخيص كل من شارك في العمل من ممثلين رغم أنهم ليسوا بممثلين، وهنا يجب أن أعترف بأن بصمة المخرجة في إدارة الممثل كان حاضرة وفيها مجهود يحسب لها، والكاستينغ أو اختيار الممثلين كان موفقا.   
 
فيلم ''سعاد'' هو إنتاج مصري تونسي ألماني واحتفي به في العديد من وسائل الاعلام الغربية لكن  الكثير من الكتابات تناولت قصته وجرأته خصوصا أن أحداثه تدور داخل مجتمع مسلم محافظ، وهذا يثير الغرب عموما كما نعرف،  كما قد شارك في العديد من المهرجانات كمهرجان كان ومهرجان ترايبيكا ومهرجان برلين وغيرها، ولا يعني هذا أنه فيلم قوي ويستحق الإحتفاء، فالمهتمون يعرفون كيف تجري الأمور هنا وهناك، وإلا كان فيلم "صبي من الجنة" لمخرجه السويدي من أصل مصري طارق صالح الذي تدور أحداثه داخل جامعة الأزهر ويتناول السلطة الدينية والسلطة السياسية بمصر،  يستحق التطبيل والاحتفاء لانه شارك مؤخرا في مهرجان كان وفاز فيه بجائزة أفضل سيناريو واحتفت به الصحف والاعلام وهو فنيا ضعيف وغير مقنع وسطحي في طرحه  حسب رأيي وحسب شهادة الكثير من المهتمين والنقاد.