السبت 26 نوفمبر 2022
مجتمع

سوس.. هل يفتح الوزير بنموسى تحقيقا في عمارة كلفت مليار سنتيم ولم تشغّل إلى اليوم؟

سوس.. هل يفتح الوزير بنموسى تحقيقا في عمارة كلفت مليار سنتيم ولم تشغّل إلى اليوم؟ مقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة
هذا هو السؤال الذي يطرحه الفاعلون والمهتمون بالشأن التربوي حول بناية عمارة كلف بناؤها وتجهيزها مليار سنتيم بمقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة، شرع في بناءها في فترة جائحة كورونا 2020 التي ضربت العالم، ولم يصادق عليها أعضاء المجلس الإداري للأكاديمية، انتهت أشغالها منذ نحو سنة، وتم تجهيز عدد من فضاءاتها منذ قدوم الوزير شكيب بنموسى. لكنها إلى غاية اليوم لم تشتغل ولم يلتحق بها أي موظف من موظفي الأكاديمية، ولا مديرها الذي تجاوز سن التقاعد، وتم التمديد له في فترة رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني بإيعاز من مقربين حزبيين ونقابيين.
وتساءل مراقبون للشأن التربوي في حديثهم لموقع "أنفاس بريس": لماذا هدر كل هذا المال العام من أجل عمارة مكلفة بمليار سنتيم بمقارنة مع مقر مديرية سيدي إفني التي كلفت ميزانية لا تتعدى نصف المبلغ المعتمد في بناء عمارة المليار لبناء كل مرافقها من أولها إلى آخرها رغم أنها شيدت على هضبة في عاصمة أيت باعمران؟ هل هذا هو ترشيد المال العام؟ لماذا التهافت على بناء عمارة كلفت مليار سنتيم والمئات من الحجرات الدراسية في الأرياف والبوادي ما تزال بالبناء المفكك في سوس ماسة، ومعها المئات الأخرى من المدارس محرومة من تجهيزات العتاد الديداكتيكي وغير ذلك كثير؟ أين هم حماة المال العام؟ وأين المجلس الأعلى للحسابات؟.
وفي أوراق ملف صفقة بناء عمارة المليار سنتيم، التي حصل موقع "أنفاس بريس" عليها، فقد تنافس على صفقة بناءها شركة واحدة ووحيدة، تمت إضافة نسبة زيادة 19,96% في المائة رغم أنه لم يتم التداول ببناءها خلال مداولات المجلس الإداري للأكاديمية، وهو ما تعززه  وثائق الدورة المالية المسلمة لأعضاء المجلس الإداري برسم ميزانية  السنة المالية 2019. كما لم يعرض مشروع بناء عمارة المليار سنتيم على أنظار لجنة المالية والشؤون الاقتصادية للمجلس الإداري ولم يتم التداول في شأنه على الإطلاق، وفق مصادر من القطاع في حديثها لموقع "أنفاس بريس".
وأفاد عضو بالمجلس الإداري للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة خلال الولاية السابقة في توضيحات لموقع "أنفاس بريس"، أنه كلما أثرنا في اجتماعات لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالمجلس الإداري قضية مشاريع برنامج البناءات في مشروع الميزانية والمعايير المعتمدة والحاجيات المعبر عنها، إلا ويتم التهرب من قبل المسؤولين بدعوى أننا ما زلنا في طور تجميع المعطيات وتدقيق الحاجيات. وهو ما حدا بأعضاء اللجنة المذكور إلى إصدار توصية صادق عليها المجلس الإداري لأكاديمية سوس ماسة بالاجماع في دورته المنعقدة يوم الثلاثاء 28 دجنبر 2018، والمخصصة لميزانية وبرنامج عمل سنة 2019، والتي تؤكد على أنه لا يمكن توزيع البرنامج المادي وحصره إلا بعد التداول في شأنه في اجتماع اللجنة المذكورة بناء على محضر، وهو ما لم يتم إلى اليوم وتم تجاوز كل الآليات القانونية والتدبيرية كأن أعضاء المجلس الإداري أصنام لا دور لهم".
وعقب المتحدث، على أن مسؤولي الأكاديمية استغلوا فترة تجديد أعضاء المجلس الإداري لتمرير صفقة بناء عمارة المليار داخل مقر الأكاديمية بعد هدم المقر السابق للمركز الجهوي للتوجيه المدرسي والمهني ومقصف موظفي الأكاديمية وسكن إداري بعدما عمل على تسوية ساكنه وتمكينه من سكن آخر خارج مقتضيات المذكرة الوزارية رقم 40، من دون احترام اختصاصات المجلس الإداري ولا أعضاءه الذي يرأسه الوزير شخصيا.
وأشار المتحدث أن ما يعضد ذلك غياب أنه "لم تتم الإشارة في محضر المجلس الإداري لنفس الدورة  المنعقدة يوم 28/12/2018 المخصصة للسنة المالية 2019، التي أطلقت فيها صفقة بناية المليار سنتيم، والذي وزع على أعضاء المجلس الإداري بمن فيهم والي جهة سوس ماسة وعمال العمالات والأقاليم ورؤساء المجالس الإقليمية ورؤساء الغرف المهنية، وكذا الأعضاء المنتخبون ممثلي جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وممثل جمعيات التعليم الأولي وجمعيات التعليم المدرسي الخصوصي الذين أعيد انتخابهم. وقد استغلت فترة انتخابات تجديد أعضاء المجلس الإداري المنتخبين، لتمرير صفقة عمارة الأكاديمية فتحت أظرفتها يوم 27/11/2019 تحت رقم 50 INV 2019 بعدما تم تأجيل جلسة فتح أظرفتها بيومين (كانت مقررة 25/11/2019).
وبرأي محمد بودونيت، وهو مهندس، فإن قراءة دفتر تحملات المشروع المنجز المنشور على بوابة الصفقات العمومية يحمل عددا من الخروقات، وعلى رأسها أن "دفتر التحملات صيغ بطريقة فريدة، وذلك بوضع المصعد في المادة 900 من دفتر التحملات (تم وضعه في نهاية دفتر التحملات ليصعب قراءته من طرف المتابعين) فتحدد الفقرة 01-900 على أنه مصعد يسع لسبعة (07) أشخاص من الطابق الأرضي إلى الطابق الثاني بثلاث مستويات وله بابان أوتوماتيكيان…)، من دون أن نتحدث عن الشروط التي وضعت في دفتر تحملات العمارة (المادة 32 من دفتر التحملات) وغيرها من الشروط الأخرى في شكل الأبواب وطبيعتها وألوان الصباغة والنجارة وطبيعتها والرصاصة وأنواع الصنابير وغيرها… وهي شروط غير متوفرة في الشركة التي ظفرت بالصفقة".
 
ورصد الخبير عددا من "الاعتلالات والخروقات المادية في دفتر التحملات، حيث أن المادة التاسعة اختفت من دفتر التحملات وعوضتها المادة السادسة مكررة مرتين، وهو أمر غير مسموح به في الصفقات العمومية تحت طائلة الإلغاء. كما أن هناك تجاوز معيب قانونا يتمثل في خرق مقتضيات المادة الخامسة من القانون رقم 07.00، حيث عمدت الأكاديمية إلى خرق مقتضيات المرسوم رقم 2-94-233 الخاص بنظام تكييف وتصنيف مقاولات البناء والأشغال العمومية كما تم تتميه وتغييره بقرار وزير التجهيز والأشغال العمومية رقم 1394-14، حيث عمد إلى الإخلال بمبدأ المساواة في ولوج الصفقات العمومية بإقصاء فئة عريضة من المقاولات التي كان لها الحق في المشاركة في طلب العروض المذكور، وتوجيهه المنافسة لصالح مقاولات القطاع – أ- الخاص بالأشغال الكبرى الصنف 3 وإقصاء مقاولات الصنف 4 من نفس القطاع والتي يحق لها المشاركة بناء على التكلفة التقديرية للأشغال الكبرى للمشروع مع احتساب الرسوم والتي لا تتجاوز عتبة 350 مليون سنتيم وفق ما تبينه التكلفة التقديرية للمشروع، المحددة بالمادة 5 من القرار رقم 1394-14 المتمم للمرسوم رقم 2-94-233.
وبرأي مراقبين تحدثوا لموقع "أنفاس بريس"، فإن هاته الاعتلالات، كانت السبب المباشر في مشاركة شركة واحدة رسي مقترحها المالي في 4 787 34000 درهما بزيادة ما نسبته 19.96% على القيمة التقديرية للمشروع والمحددة في 3 991 800.00 درهما. وهو مبلغ للبناء فقط (دون احتسب مصاريف مكتب الدراسات وكلفة هدم البناية وتتبع الأشغال وكلفة المهندس المكلف بتتبع الأشغال ومكتب المراقبة والرخص والتجهيزات المكتبية والصوتية والادارية) كان من الأجدر أن يوفر لإعادة بناء مدارس مهددة بالانهيار أو بالقرب من مجاري الوديان أحصتها الأكاديمية قبيل إطلاق صفقة بناء العمارة في 230 مدرسة مهددة محصية (كما كشف عنها مدير الأكاديمية في ندوة صحفية سابقة ) ، لو تم الحرص على الأولويات وترتيبها واعتماد التشارك في التخطيط والبرمجة والحرص على ترشيد المال العام بدل هدره بهذا الشكل المريب وسط صمت الجميع، في تغييب تام لمصلحة التلاميذ، بحسب تعبيرهم.
يشار إلى عمارة المليار التي لم تشغل  ولو ليوم واحد رغم انتهاء الأشغال بها والشروع في إيداع تجهيزات بها تتكون من طابق أرضي وطابقين فقط. فالطابق الأرضي يحتوي على قاعة للاجتماعات وقاعة تقنية (Local technique) وقاعة الورشات ومرافق صحية للجنسين (Bloc Sanitaire H/F) واستقبال (Aceuil + Réception)، أما الطابق الأول فيضم ( Plateaux de Bureaux) وقاعة للاجتماعات (Salle de réunion ) وقاعة تقنية (Local technique). فيما الطابق الثاني يضم مكتب المدير (Bureau du Directeur) وقاعة للاجتماعات (Salle de réunion) وقاعة السكريتارية (Bureau du Secrétariat) وقاعة الانتظار (Salle d attente) ومطبخ (Kitchenette) ومرافق صحية للجنسين (Bloc Sanitaire H/F)، من دون ذكر وجود المصعد(Ascensseure) وفق دفتر تحملات البناية
ويبقى السؤال المطروح: هل تم استيفاء أولويات الأكاديمية كلّية وتحقيقها لأكثر من 650 ألف تلميذ و 26 ألف من نساء ورجال التعليم بجهة سوس ماسة وبقية الفئات (المفتشون التربويون..أطر الإدارة التربوية بلا مقرات ولا تجهيزات)، وسط الخصاص المهول في العتاد الديداكتيكي والخصاص الكبير في الحجرات الدراسية وموارد تسيير المؤسسات التعليمية ومشاريع المؤسسات وتجهيز الداخليات والمراقد وتوسيع الداخلية المكتظة أصلا (كلها تفوق الطاقة الاستيعابية بنسبة تتراوح ما بين 120 و 300٪) ،  وصار بناء عمارة داخل مقر أكاديمية سوس ماسة وتوسيع مقرات أخرى (مركز التكوين المستمر ومقر الأكاديمية بـ200 مليون سنتيم) أمرا مستعجلا وذي راهنية، لن يستفيد من خدماتها لا التلميذ ولا الأستاذ اللذان ينبغي أن نحرص على توفير كل الشروط لهم بالتدبير الأمثل للمال العام ورصده من أجل المردودية الداخلية للمنظومة التربوية بغرض تقليص مؤشرات الهدر المدرسي والاكتظاظ والنجاح والتفوق الدراسيين.
وفي تعليقه علي ما يجري بأكاديمية سوس ماسة ومديرياتها أفاد الناشط الحقوقي والأمازيغي "عمر أوزكان" قائلا : إن ما تنشره وسائل الإعلام المتنوعة عما يجري بجهة سوس ماسة يتطلب من مؤسسات الحكامة التدخل بشكل عاجل، ويذكرنا بنمط التدبير العشوائي بمنطق تدبير الضيعة مما أعاد التدبير عشرات السنوات إلى الوراء، أمام تأخر البناءات المدرسية وتراكمها سنة مالية بعد أخرى وتعثر الشعرات من الصفقات والتجهيزات في أن تصل إلى المؤسسات التعليمية وللتلميذ. وهو ما يعكس جليا ضعف التخطيط  وسوءه (مسك المعطيات، تسجيل التلاميذ، تحليل المعطيات، مشروع المؤسسات، برمجة التكوينات) وهي انتكاسة لم تعرفها المنظومة التربوية من ذي قبل.
وأضاف المتحدث أوزكان في حديثه لموقع "أنفاس بريس"، أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة تتطلب عملية جراحية دقيقة لإنقاذ المنظومة المتأزمة، لاستئصال الأورام التي قوّضت الإصلاح، وحرمت الجهة من التقدم والرقي ولأبناء الجهة التميز والنجاح، وهذا لن يتأتى إلا بإعفاء كل من تسبب في هاته الكوارث اللاتربوية، عمق جراحها كثير من الاختلالات التدبيرية والإدارية والمالية جعلت التلميذ آخر ما يفكر فيه. وهو ما زكته النتائج المحققة على مستوى نتائج الباكلوريا بإحلال سوس ماسة ذيل الترتيب الوطني ما بين الرتبتين 10 و 11 خلال الثلاث سنوات الماضية، وتفاقم مؤشرات التكرار بأكثر من 26 ألف تلميذة وتلميذ يكررون الموسم الدراسي الجديد 2022.2023 وتفاقم الهدر المدرسي والترسب الدراسيين بنسبة عالية ومستويات قياسية بلغت 22 في المائة من السادس ابتدائي إلى السابعة إعدادي، وغير ذلك كثير".
 وشدد الحقوقي أوزكان على أن "لا مناصّ من المحاسبة والمساءلة عما ارتكب من فظاعات لاتربوية تعكس تردي التخطيط مع تتالي سنوات النكسة التربوية تاهت معها الأولويات التربوية، فالحكامة عينها هو المساءلة والمحاسبة من قبل هيئات الحكامة من المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الاقتصاد والمالية حتى يعرف إلى أين يصير الدرهم التربوي هل للتلميذ حقيقة أم لا؟"، يتساءل أوزكان في حسرة وتعسّر.