الأحد 25 سبتمبر 2022
كتاب الرأي

أحمد نور الدين: عن القوة الإقليمية والحرب وأشياء أخرى..

أحمد نور الدين: عن القوة الإقليمية والحرب وأشياء أخرى.. أحمد نور الدين

بعد الارتفاع الذي سجلته ميزانية إدارة الدفاع المغربية للعام 2022، والذي قدر بحوالي 30% مقارنة مع السنة التي سبقتها، وبعد تعزيز المغرب تحالفاته العسكرية والأمنية خلال السنوات الاخيرة، حاول البعض ربط هذه التطورات بطموح مزعوم يحذو المملكة المغربية لتصبح قوة إقليمية مهيمنة في شمال وغرب إفريقيا. وقبل استعراض الوضع الاستراتيجي الذي قد يمنحنا بعض عناصر التحليل لفهم ما يجري، لا بد أن نؤكد على مسلمتين الأولى بأن ميزانيات التسلح مهما تضخمت لا تصنع لوحدها قوة إقليمية، والثانية أن من حق أي دولة أن تكون لها مثل هذه الطموحات إذا توفرت لديها الشروط الموضوعية واحترمت القوانين الدولية...

 

أما إذا لم تتحقق لها تلك الشروط فستتحول طموحاتها إلى أضغاث أحلام، ليس إلا. ولعل من يذهبون إلى هذا التفسير، أعني القوة الإقليمية، يقعون في فخ إسقاط حالة الجارة الشرقية على المغرب من خلال تصريحات الرئيس الجزائري ووزرائه وقائد الجيش الجزائري الذين انخرطوا فيما يشبه جذبة جماعية او هستيريا تصريحات تصف او تصور بلدهم على أنه القوة الإقليمية الضاربة في المنطقة وعلى الدول المجاورة أن تسلم بذلك طوعا أو كرها.. وما إلى ذلك من عنتريات وفرزدقيات الهدف منها هو التغطية على أزمتهم الاقتصادية والسياسية.. وعجزهم عن توفير أبسط متطلبات الحياة من الماء والزيت والحليب للمواطن الجزائري، فكيف بهم أن يشكلوا قوة ضاربة، إلا إذا كان المقصود أنها ضاربة لمصالح شعبها عرض الحائط. إذ لا يمكن ان نتحدث عن قوة إقليمية في غياب اقتصاد قوي ومتنوع وقادر على المنافسة. وهذه العلاقة التناسبية بين الوزن الاقتصادي للدولة وقوتها العسكرية تعتبر من الأبجديات الأولى التي تدرس في علم الاستراتيجية سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي ويمكن الرجوع إلى ما كتبه حكيم الصين صان تزو منذ 2500 سنة بهذا الصدد.

 

بعد هذا التوضيح، يمكن القول أن تفسير المنحى التصاعدي في ميزانية الدفاع المغربية يخضع لجملة من العوامل تتداخل فيها مؤشرات المخاطر التي تهدد الأمن الاستراتيجي للبلد، بمؤشرات الفرص التي تتيحها الاستثمارات في تطوير القدرات الدفاعية، كل ذلك في ارتباط وطيد بالخيارات السياسية والاقتصادية الوطنية وبالالتزامات الدولية للمغرب والتحولات الجيوسياسية عبر العالم.

 

وإذا اقتصرنا في هذه الورقة على تحليل عنصر واحد فقط هي التهديدات التي يواجهها المغرب، وركزنا فيها على الجانب المتعلق بالجارة الشرقية دون الجوانب الأخرى مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وانهيار الدول في منطقة الساحل مثلا، فسنجد أن بلدنا يتعرض لمخطط عدواني طويل المدى، استمر أزيد من نصف قرن، يقوده النظام العسكري الجزائري ويهدف إلى هدم وحدة أراضي المغرب وفصله عن أقاليمه الجنوبية، وقد تصاعدت المخاطر بشكل جنوني وغير مسبوق منذ 2016 مع إطلاق قائد الجيش الجزائري الحالي الجنرال شنقريحة، لتصريحات يصف فيها المغرب بالعدو الاستراتيجي والكلاسيكي، وهو تصريح تكرر بعد ذلك في عدة مناسبات على لسانه وعلى لسان كبار المسؤولين الجزائريين بمن فيهم الرئيس تبون وخصصت له مجلة الجيش الجزائري عددا خاصا، وإن كانت كل أعدادها لا تخلو من مساحات معادية وتحريضية ضد المغرب.

 

ولم يتوقف الأمر عند هذه التصريحات بل تجاوزه إلى أشكال عدوانية متعددة أخطرها هي المناورات العسكرية الجزائرية على الحدود المغربية وبذخيرة حية، وهي مناورات تزايدت وتيرتها سنة بعد اخرى برا وبحرا وجوا وبأسماء استفزازية مثل الاجتياح والطوفان وغيرها في إيحاءات لا تخطئها العين.

وقد صاحب هذه المناورات سباق محموم نحو التسلح جعل من الجزائر حسب معهد استوكهولم للسلام خامس بلد في العالم و أول بلد إفريقي من حيث استيراد الأسلحة، وبنسبة تقدر بحوالي 46% من حجم واردات الدول الإفريقية مجتمعة وبميزانية عسكرية سنوية تفوق أحيانآ 13 مليار دولار. وتوجت كل هذه المخاطر التي تهدد المغرب بإعلان الجزائر في غشت 2021 قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل أحادي ومفاجئ مع المغرب، وإغلاق الأجواء الجزائرية في وجه الطيران المدني المغربي، واتهامات سوريالية للمغرب بإشعال الحرائق في غابات تيزيوزو، وتصريح رمطان العمامرة بأن كل الاحتمالات واردة، أثناء جوابه في ندوة صحافية بمقر الخارجية الجزائرية عن سؤال حول ما إذا كان قطع العلاقات مع المغرب هو آخر الإجراءات التصعيدية، وهي إشارة واضحة من وزير خارجية الجزائر إلى عدم استبعاد خيار الحرب..

 

وقد شرع فعلا الجيش الجزائري في عسكرة الحدود مع المغرب بالجنود والعتاد وحفر الخنادق كما أكدت ذلك عدة شهادات وتقارير لمدونين ومعارضين جزائريين. ولجأ النظام العسكري الجزائري إلى افتعال استفزازات متكررة على طول الحدود المغربية بما في ذلك إطلاق الرصاص على المزارعين والرعاة، والاستيلاء على قطعان الماشية، وصولا إلى اقتحام واحة العرجا في ضاحية مدينة فكيك، حيث تم تشريد وطرد فلاحين مغاربة من ضيعاتهم والاستيلاء على أراضيهم التي توارثوها عن أجدادهم لعدة قرون خلت. ولولا حكمة المغرب ورزانة مؤسساته وثقله التاريخي لكانت حادثة العرجا وحدها سببا كافيا في إشعال حرب إقليمية مدمرة تأتي على الأخضر واليابس. ولا تسل عن البروبكاندا والحرب الإعلامية الشاملة التي انخرطت فيها كل وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية من تلفزيون وراديو ووكالة أنباء وصحف بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي ضد المغرب، وهي حملة تهدف إلى تهييج الراي العام الجزائري وتهييئ الرأي العام الدولي للأسوأ.

 

نحن إذن أمام أجواء حرب حقيقية وليست افتراضية. وقد تعززت بإطلاق الجزائر يد ميليشياتها في تندوف لتشن هجمات على المغرب، باسم جبهة "البوليساريو" الانفصالية انطلاقا من أراضي جزائرية وبتأطير من ضباط جزائريين وبأسلحة وصواريخ ومدرعات جزائرية، وهي أعمال عدوانية يصنفها القانون الدولي في خانة الأعمال الحربية العدوانية.

في المقابل لم يدخر المغرب جهدا لمحاولة التهدئة وإسماع صوت الحكمة، فقد اعلن العاهل المغربي عدة مرات عن مد يده للجزائر قصد المصالحة في خطاباته الرسمية بما فيها خطابات عيد العرش وبلاغات القصر الملكي والرسائل الدبلوماسية، وإقترح العاهل المغربي إنشاء آلية مفتوحة لمعالجة كل القضايا الخلافية دون طابوهات، واقترح ايضا فتح الحدود عدة مرات، ولكن دون جدوى بل كانت الجزائر تقابل كل مبادرة ملكية للمصالحة والتهدئة بتصعيد عسكري وتصريحات عدوانية.

 

وقد وصل التصعيد الجزائري حد ابتزاز دول أخرى بسبب مواقفها القريبة من المغرب، حيث استدعت سفير الكوت ديفوار بعد افتتاح بلده قنصلية في العيون بالصحراء المغربية، وقد تجلى ذلك بوضوح أكثر في سحب السفير الجزائري من إسبانيا بسبب دعم مدريد لمخطط الحكم الذاتي في الصحراء، وقامت الجزائر بمراجعة عقود صادرات الغاز نحو إسبانيا للضغط عليها وقررت وقف معاملاتها البنكية معها، وقطعت أنبوب الغاز العابر للمغرب نحو إسبانيا في وقت سابق، لا لشيء إلا لأن مدريد اتخذت موقفا سياديا داعما للمقترح المغربي لحل أزمة الصحراء ولا يخص الجزائر من قريب أو بعيد. ولم تتوقف الأعمال العدوانية عند هذا الحد، فقد ذهب وزير خارجية الجزائر رمطان العمامرة إلى أبعد من ذلك بإعلانه عدة مرات عن رفض الجزائر لأي وساطة عربية او إسلامية او دولية للمصالحة مع المغرب، ورفض الرئيس الجزائري إدراج المصالحة مع المغرب في جدول أعمال الجامعة العربية. ولا يمكن تفسير إصرار الجزائر على رفض اي مساع حميدة او وساطة للصلح إلا بأن القيادة الجزائرية قد اتخذت فعلا قرار الحرب ضد المغرب، والأمر لم يعد سوى مسألة تحديد لليوم والساعة. ومما يعزز هذه الفرضية التخوفات الصادرة عن عواصم أوروبية بهذا الشأن، وقد دقت عدة مراكز دراسات استراتيجية أوروبية، ومنها المعهد الملكي الإسباني إلكانو"، ناقوس الخطر ودعا حكومة بلاده إلى التحرك قبل وقوع الكارثة التي لن تتوقف تداعياتها على البلدين المغرب والجزائر بل ستصل نيرانها وآثارها الوخيمة إلى جنوب وغرب أوروبا وإلى الساحل والصحراء.

 

أمام هذا الوضع الخطير، وهذه المعطيات المقلقة لم يكن من الحكمة في شيء ان يصم المغرب آذانه ويغمض عيونه ويعتبر أن الأمور على ما يرام، بل كان عليه ان يتصرف وفقا لما تمليه مصالحه الاستراتيجية لحماية شعبه وأرضه، وأول خطوة هي الزيادة في ميزانية الدفاع وتحديث قواته المسلحة الملكية عبر مخطط استراتيجي يرمي إلى الرفع من قدرات الردع والتصدي لأي عدوان خارجي، وتعزيز التحالفات الدولية للمغرب بما يضمن أمنه واستقراره وسلامة ووحدة أراضيه.

 

هذا واقع لا يمكن القفز عليه، خاصة وأننا أمام دولة يلف الغموض مركز القرار الحقيقي فيها، وهي دولة غير موثوقة وغير مسؤولة ولا تحترم التزاماتها الدولية، وهي باختصار شديد دولة تحكمها مافيا تتداخل فيها مؤسسات الجيش والمخابرات دون قواعد وحدود واضحة، وحتى داخل تلك المؤسسات العسكرية هناك صراعات أجنحة تنخرها من الداخل واكبر دليل على ذلك وجود 31 جنرالا في السجون وجنرالات هاربين في عواصم أوروبية.

 

كما أن هذا النظام الجزائري له سوابق مع المغرب حيث سبق له أن شن حرب الرمال في أكتوبر 1963 دون سابق إنذار من خلال مهاجمته المركز الحدودي المغربي تنجوب وقتله 10 من الجنود المغاربة الذين كانوا متواجدين به، ثم هاجم حاسي بيضا وفكي وإيش، ولكن الجزائر إلى اليوم تكذب على العالم وتزعم ان المغرب هو من بدأ الهجوم. وفي سنة 1976 هاجم الجيش الجزائري المغرب في أمغالا، ولولا أن الجيش المغربي أسر أزيد من 103 من الضباط والجنود الجزائريين وسلمهم للصليب الأحمر الدولي بعد وساطات سعودية ومصرية، لأنكرت الجزائر كعادتها هذا العدوان. نحن إذن أمام نظام عصابات كما تصفه المعارضة الجزائرية، ويجب ان نتوقع منه الأسوأ وفي أي لحظة. لذلك علينا أن نستعد بكل قوة لفرضية الحرب اذا كنا نريد السلام حقا، بما في ذلك إعداد الراي العام الوطني لهذا الاحتمال.

 

طبعا كنا نأمل أن تكون العلاقات أخوية بين البلدين، وألا يتنكر النظام الجزائري للدعم التاريخي الذي قدمه المغرب لثورة التحرير الجزائرية على حساب مصالح المغرب حتى ضاعت منا الصحراء الشرقية وهي جزء من أرض المغرب وشعبه، وكنا نتمنى أن تكون الحدود مفتوحة حتى نربح سويا نقطتين في معدل النمو لكل بلد، وكنا نأمل أن يسود السلام بيننا حتى نوجه مليارات الدولارات من ميزانيات شراء السلاح، التي نضخها في جيوب وخزينة الدول العظمى، نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعبينا وبلدينا الجارين، كنا نأمل أن تكون المنافسة بيننا على برامج تشغيل الشباب العاطل وتوفير المنتوجات الاستراتيجية من القمح بدل استيراده من أوكرانيا وروسيا، وصناعة اللقاحات وتحقيق الأمن الدوائي والصحي والصناعي والغذائي وتحقيق السيادة الوطنية، بدل تعريض بلدينا لفقدان السيادة وتدخل القوى الأجنبية في حالة نشوب الحرب كما نشاهد في دول عربية أخرى. ولكن ما حيلتنا وقد ابتلينا بجار السوء، جار أحمق يقود المنطقة نحو الهاوية؟!

 

نحن في المغرب في وضع لا نحسد عليه وقد صبرنا نصف قرن على العدوان المستمر لهدم وطننا ممن ساعدناهم بالرجال والمال والسلاح لنيل استقلالهم، لم ندخر جهدا في تجنب الحرب والخراب، لم نرد بالمثل حين طردت الجزائر 350 الف مغربي أعزل في صبيحة عيد الأضحى سنة 1975، وجردتهم من كل ممتلكاتهم، لم ندخر جهدا في اقتراح مبادرات الصلح والسلام، ولم نرفض يوما وساطة الدول الصديقة والشقيقة، ولم نستعمل قط حق ملاحقة المهاجمين من عصابات "البوليساريو" الانفصالية الى قواعدهم فوق التراب الجزائري كما يسمح بذلك القانون الدولي، وليس أمامنا اليوم إزاء هذا الطوفان العدائي إلا تقوية دفاعاتنا ومناعتنا حتى لا نلدغ من جحر النظام العسكري الجزائري أكثر من مرة...

 

أحمد نورالدين، خبير في العلاقات المغربية الجزائرية