الأربعاء 10 أغسطس 2022
كتاب الرأي

يونس التايب: ملف الهجرة السرية أكبر من عقولكم يا أبواق السوء

يونس التايب: ملف الهجرة السرية أكبر من عقولكم يا أبواق السوء يونس التايب
أسوأ شيء في الخصومات، هو أن تكتب لك الأقدار صراعا مع عدو يغلب عليه الغباء و "قصوحية الراس". حينها يصبح التدافع معه غير خاضع لمنطق معقول، لأن غباءه يجعل لا يقدر جيدا متى يتقدم ومتى يتراجع، وأي ملف يستخدمه ضدك، ومتى يصعد إيقاع العداء ومتى يلطف الأجواء. فيصبح الصراع مفتوحا على كل الحماقات، بما فيها أن يشعل عدوك النار في بيته فيما كان قصده إحراق بيتك أنت.
طبعا، تتساءلون عن سر هذه المقدمة؟ أعترف أنه أوحى لي بها، تفاعل أبواق السوء لدى جارنا الشرقي، مع محاولة المهاجرين السريين، قبل يومين، اختراق السياج الحدودي بين مدينتي الناظور ومليلية، وما خلفه ذلك من خسائر وإصابات في صفوف القوات العمومية المغربية، وفي صفوف المهاجرين. حيث انطلقت أبواق السوء في الترويج لصور عن الأحداث، بعد خلطها بصور عنيفة أخذت من سياقات أخرى لا علاقة لها بنا، وتوجهت المقالات التحريضية إلى استعمال لغة شامتة، مع محاولة تحميل مسؤولية أعمال العنف للجانب المغربي، وإعطاء الموضوع ما لا يحمله من معاني، من خلال تضخيم المعطيات بغرض الإساءة إلى بلادنا.
ولأن قدرنا أن يعادينا نظام حاكم يتميز بقدر كبير من سوء التقدير، كي لا أقول مزيج من الغباء والتصلب في الرأي، لم تنتبه أبواق السوء لديه، وعلى رأسها وكالة البؤس الجزائري للأنباء، أنها تلعب في ملف حساس ودقيق، تختلط فيه الأبعاد الإنسانية مع واقع أفعال مشينة ومدانة لشبكات الهجرة السرية والاتجار في البشر، من الدول الإفريقية بنية العبور نحو الفردوس الأوروبي المنشود. وأثناء تركيزها على "لعب الدراري" ذاك، نسيت أبواق السوء أن من كان بيته من زجاج، هش ووسخ، عليه ألا يرمي غيره بالحجارة.
لذلك، مادام هؤلاء قد حاولوا وضع أصابعهم حيث لا ينبغي، مسؤوليتنا تقتضي أن نردها إليهم لعلهم يفترشوها ويهتموا ببيتهم الداخلي المليء بحوادث التعسف والتنكيل بالمهاجرين الأفارقة، وتعدد حالات سوء المعاملة واغتصاب النساء المهاجرات، وعزل الأطفال عن آبائهم، وأمور أخرى يندى لها الجبين.
ويكفي، هنا، التدليل بفقرات من آخر تقرير ل"منظمة أطباء بلا حدود"، جاء فيه أنه "في الفترة من يناير إلى ماي 2022، سجلت المنظمة أن 14.196 مهاجرًا طرِدوا من الجزائر".
ومن بين المهاجرين المُرحّلين "139 امرأة و30 قاصرًا". تقرير منظمة أطباء بلا حدود أشار، أيضا، إلى "تعرّض عدد من المهاجرين لإصابات خطيرة وحالات اغتصاب للنساء"، وأن "أشخاصا كثيرين تُرِكوا وسط الصحراء على الحدود الجزائرية – النيجيرية، على بُعد 15 كلم من مدينة أساماكا."
وتتوفر تقارير أخرى، صدرت سنتي 2018 و2019، وسنوات قبل ذلك، عن منظمة "هيومان رايت ووتش" وعن "المندوبية السامية لشؤون اللاجئين"، وغيرها من المنظمات المهتمة بالموضوع، أشارت كلها إلى حالات طرد جماعي، وعنف وتنكيل بآلاف المهاجرين الأفارقة، الذين يتم اختطافهم من طرف قوات الأمن الجزائري من منازلهم ومن الشوارع، وحتى من مقرات عملهم، ووضعهم في شاحنات والسير بهم نحو الصحراء لرميهم في الحدود مع النيجر أو مالي.
ما تقوله المنظمات الدولية عن أحوال المهاجرين الأفارقة ومعاناتهم مع ما يمارسه النظام الحاكم في الجزائر من تنكيل وتعنيف وتهجير في حقهم، دون أية رؤية أو مقاربة حقوقية شمولية، كان يكفي لتستحيي أبواق السوء الإعلامي، وتلتزم بالحكمة وتتناول الأحداث بعين الموضوعية وتشجع نهج التعاون لإيجاد حلول ناجعة لموضوع عابر للحدود ويهم كل الدول، ويجب أن يتعاون على تدبيره الجميع.
في كل الأحوال، ما تشير إليها التقارير الدولية عن وضع المهاجرين في الجزائر، يبقى بعيدا عما جرى في السياج الحدودي بين الناظور ومليليه، الذي لا يعدو كونه محاولة جماعية لاختراق حدودي، بشكل ممنوع بمقتضى القوانين الدولية. ومسؤوليتنا هي أن نحمي الحدود من كل خرق، وأن نحترم التزاماتنا بمقتضى الاتفاقيات الثنائية التي تجمعنا بدول أخرى، وتفرض على جيراننا حماية حدودنا ومنع اختراقها من جهتهم، كما تلزمنا بفعل الشيء نفسه في الاتجاه المعاكس.
بالتأكيد، أخطأ من اعتقدوا أن بإمكانهم أن يستغلوا الأحداث المؤسفة التي جرت في السياج الحدودي بمليلية، من أجل التحريض ضد بلادنا، في موضوع دقيق وحساس. ولو اطلع هؤلاء على مواقف المغرب و على ما وضعه من أبحاث و برامج و مقاربات لتدبير ملف الهجرة السرية، لاستوعبوا أن ذلك الملف لا يحتمل التحريض و العدوانية، بقدر ما يحتاج إلى مقاربة تستند على التعاون بين دول المنطقة لمحاربة عصابات و شبكات الاتجار في البشر، و تعزيز ديناميكية التعاون الاقتصادي جنوب - جنوب، من أجل التنمية و السلام و خلق فرص عمل لشباب إفريقيا للحد من الهجرة.
لكن، للأسف الشديد، تلك أوراش لا يفهم مغزاها حكام الجزائر، وهم لا يريدون فتحها أو التعاون من أجل إنجازها، ما داموا عاجزين عن التعاطي مع الهجرة السرية، بمقاربة حقوقية وعبر برامج تنموية مدمجة، كما تفعل ذلك المملكة المغربية عبر برامج مؤسساتية وقوانين مؤطرة. لذلك، حري بأبواق السوء، وأساسا وكالة البؤس الجزائرية للأنباء، أن ينتبهوا إلى عجز السلطة الحاكمة عن تأهيل البلاد وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب عبر التنمية والديمقراطية، عوض شرب حليب السباع والاعتقاد أن بإمكانهم أن يصيروا أسودا ويفتوا في موضوع الهجرة السرية. في هذه الحالة يصير الاعتقاد إثما كبيرا، كما الظن، خاصة حين يجتمع في المتكلمين الإعلاميين كثير من الغباء والجهل وسوء النية.