الثلاثاء 28 يونيو 2022
كتاب الرأي

لحسن العسبي: في معنى الفوز البركاني و "النيف المغربي"

 
لحسن العسبي: في معنى الفوز البركاني و "النيف المغربي" لحسن العسبي
تنتبه الصحافة عادة إلى العناوين الكبرى، وقليل منها من يغوص في "جنس المقالة التحليلية"، ما يجعلنا نسجل أن غالبية الإعلام العربي والإفريقي والمتوسطي، المتقاطع مع الخبر المغربي، قد توقف عند عناوين كبرى لمعنى فوز فريق كرة قدم لمدينة صغيرة بأقصى شرق المملكة المغربية، إسمها بركان بكأس الإتحاد الإفريقي لثاني مرة في الثلاث سنوات الأخيرة، وأنه تأهل أصلا لثلاث مباريات نهائية خلال الخمس سنوات الماضية من نفس المسابقة. وأصبح السؤال قائما عن السر في ذلك.
بعض الإعلام الرياضي في الجوار المغاربي، الذي لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، للأسف، وجد التفسير في موقع ومكانة رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ووزير الميزانية الكفؤ، فوزي لقجع، ضمن مؤسسة الكاف الإفريقية والفيفا العالمية، كونه ابن الفريق وابن المدينة. حيث انساقت تلك القراءة صوب الأحكام السهلة التي لا ترى في أي نجاح سوى نتائج "كولسة" و "نفوذ" و "تلاعب". والحال أن مثل هذه القراءة قاصرة جدا عن إدراك حقائق الأمور.
إن بروز فريق كرة قدم من مدينة ظلت هامشية في المجال المغربي، بهذا المستوى المبهج المشرف والرفيع دوليا وقاريا، إنما هو نتيجة لمسار مغربي طويل ممتد منذ قرار النظام الجزائري إغلاق الحدود بين الشعبين المغربي والجزائري سنة 1994. حيث كان الرهان حينها هو خنق كامل المنطقة الشرقية للمغرب التي تتنفس إنتاجيا وإنسانيا مع الغرب الجزائري من مغنية حتى وهران ومن تلمسان حتى الشلف، منذ غابر الوقت.
هل انزوى المغرب (في الدولة وفي المجتمع، في القرار المركزي بالرباط والقرار الجهوي بوجدة) إلى منطق الهزيمة وأن الحال هو الحال وليس باليد حيلة؟.
واقع الأمور كان شيئا آخر تماما، يلزمنا أخلاقيا أن نشكر النظام الجزائري على بلادة قرار إغلاقه الحدود تلك. لأنه شحذ فينا مغربيا التحدي وأخرج "النيف المغربي" من قمقمه، كانت ترجمته وضع استراتيجية كاملة، طويلة النفس، لفك العزلة عن مغربنا الشرقي، من بعض عناوينه الطريق السيار فاس وجدة/ توسيع المطار الدولي لوجدة/ تهيئة المجال السياحي على عشرات الكلمترات في البحر وعلى كلمترات مربعة في المناطق الجبلية/ إعادة تنظيم للمجال الفلاحي المتعدد إنتاجيا/ خلق قطب صحي جهوي جامعي/ تعزيز منظومة جامعية عليا بكليات ومعاهد متخصصة/ تطوير السكة الحديدية وخلق خطوط جديدة (تاوريرت - الناظور)/ خلق بنية ثقافية حديثة (مسرح محمد السادس)/ إعادة هيكلة شمولية للمجال الرياضي (ملعبا وجدة وبركان)/ مشروع هائل لميناء عالمي بالناظور/ إعادة هيكلة المجال بكامل حوض ملوية/ خلق أنوية صناعية لإدماج طاقات شابة معطلة في مدن تاريخية ومنجمية مثل جرادة/ خلق إطار تنظيمي مهيكل يتمثل منذ سنوات في إنشاء "وكالة تنمية الشرق".
بالتالي (وباختصار)، فإن الرد المغربي كان هو ربط شرق المغرب بالمنظومة المجالية للمتوسط شمالا وللمنظومة المجالية لفاس ومكناس جنوبا ولمنظومة الحسيمة/ تطوان/ طنجة غربا. وهو عمل تحقق على مدى أكثر من 28 سنة بشكل متواصل (بطيئ أو سريع حسب إمكانيات بلد فقير ماليا مثل المغرب لكنه غير متوقف). ويحق لنا السؤال كيف هو واقع الحال في الغرب الجزائري من مغنية حتى وهران؟
ليست بركان وحدها من ربحت مجدا رياضيا إفريقيا، بل جهة بكاملها هي جهة الشرق والمغرب بكامله في نهاية المطاف. لأنه مجد وفوز ليس نتيجة "نفوذ" رجل مغربي، إطار سام في الدولة، إبن المدينة إسمه فوزي لقجع (حتى وإن كان يشكر على غيرته الأصيلة على منطقته وهذا أمر لا يعيبه بأي حال من الأحوال)، بل هو نتيجة جهد بلاد بكاملها هي المغرب "بالنيف المغربي". فنحن هناك في أقصى شرقنا الذي كان مقصيا لعقود ضمن مجالات الهامش، إنما نجني ثمار عمل بناء هيكلي متواصل، ليس بروز فريق رياضي سوى عنوانا بارزا للعموم من بين عناوين أخرى ثاوية لا يسلط عليها الضوء كثيرا.
شكرا السيد النظام الجزائري، أن جعلتنا مغربيا نركب التحدي ونجمع أطرافنا لنقتنص الصعب، بالقليل الذي في اليد، كي نعيد ترتيب المجال في كامل الشرق المغربي من فكيك حتى الناظور مرورا بوجدة وبركان وجرسيف وجرادة وتاوريرت. وأن شبيبتنا في "نهضة بركان" لم تفز بضربة حظ أو بوهم نفوذ في مؤسسات تنظيمية قارية إفريقية، بل لأن بنية تحتية كاملة جديدة قد أنجزت بالتحدي هناك. فنحن لم نفرط مغربيا في أبناءنا، لا في الساقية الحمراء ووادي الذهب ولا في انسيابية سهوب وهضاب وسهول حوض ملوية.
شكرا نهضة بركان، الفرح ليس فرحك وحدك بل هو فرحنا المغربي عاليا.