الثلاثاء 24 مايو 2022
فن وثقافة

الطاهر بنجلون يكتب مقدمة للنسخة الفرنسية من المجموعة الشعرية "أذى كالحب" لحسن نجمي

الطاهر بنجلون يكتب مقدمة للنسخة الفرنسية من المجموعة الشعرية "أذى كالحب" لحسن نجمي الشاعر حسن نجمي( يمينا) والطاهر بنجلون
هل اللغة العربية لغة شعر بامتياز؟ التقليد القديم، ذلك الذي يفرض ذاته في الأدب العربي، هو قبل كل شيء الشعر. المبدعون العرب قضوا وقتا قبل التعاطي للرواية. إذا اعتبرنا أن أول رواية منشورة (في سلسلة من قبل جريدة يومية مصرية) يعود تاريخها إلى 1910.
ويبقى الشعر التعبير المفضل، ويمكن أن نذهب إلى أن العالم العربي يضم شعراء بجودة عالية اكثر من الروائيين. إنما في هذا الجنس (الأدبي) ذاع صيت حسن نجمي. وبوصفه شاعرا غزير الإنتاج، هادئ الطبع، ملحاحا، يستحق منذ مدة أن يترجم. نحن نعلم أن الشعر يبدي مقاومة أمام النقل إلى لغة أخرى، ولكن أن يتولى شاعر آخر هذه المهمة يجعل جمالية وحذاقة حسن نجمي حاضرتين في فرنسية صافية وسليمة. الشكر موصول لمن تفوق في سكب هذا الشعر في مخيال لغة رامبو.
كقارى كبير للشعراء الكلاسيكيين العالميين، حافظ حسن نجمي مع ذلك على أصالته من خلال تركيز نظره على مغرب حديث ولو بمعية العناصر الطبيعية التي تخترق الأرواح المستاءة، المندفعة باليومي، المعاملة بسوء من قبل الأماني في صورة ضوء سريع الزوال.
تكون الكلمات عزلاء، عندما يلملم الشاعر، أمام الاختبار، ما يجده في خزان الذكريات. تمر الريح احيانا من هناك وتقول لنا إن الكلمات “تتمتع بحريتها”، تصطحب عارية المتكلم وتساعده على استطلاع حياته. حياة كلها صخب لطفل انجبته بائعة خبز. كلنا شاهدنا هؤلاء اللنسوة على عتبات الأسواق، جالسات وأمامهن خبزات دائرية الشكل ما زالت ساخنة، يردن بيعها للمارة، محافظات على كرامتهن وإنسانيتهن سليمتين غير منقوصتين.
يتذكر الشاعر ويوثر أن يضيف إلى اليأس صفة "المشع". يعالج جرحا بجرح، يحكي قصة حب تكون فيها السعادة هاربة. يقول في وجه الهزيمة: "رأيت جسدك يحوم في اللون البني مثل ظل". من أجل طمأنة نفسه، ليمنح لذاته وجودا، أخيرا لكي يؤمن مرة أخرى بالحياة، قرر الشاعر أن المحبوبة تقيم في الكلمات: “أنت توجدين في الشعر”، مضيفا أن “الشعر هو ما نفعل”.
لكونه قارئا لجورجيوس سفريس، يستعمل حسن نجمي كلماته ليقول أشياء عن الحياة كما تخطر على باله، أحيانا مع ضوء يغشى الأبصار، وهو يتقاسم مع الصديق، القارئ، هذه الشمس التي تفسح المجال للغيوم والأمطار لأن الارض عقيمة، ولأن الناس لن يكونوا صناع حياة إلا إذا توصلوا إلى أن يظلوا لصيقين بإنسانيتهم أمام التوحش المستشري.
ينتقل ضوء الشجرة من الأزرق إلى الأخضر ثم يمتد على وعي البريء. يقول الأخير بسخرية، “أغير العالم قليلا”” ثم يلاحظ كم هو غائب هذا العالم، أو بالأحرى مفرغ من كائناته.
شعر مهووس بضوء يكتسح البيت والأحلام، ضوء يبين اتجاه الطريق، أخيرا ضوء القلب الذي يقول ويقدر الكلمات الراقصة كما لو أن الحفل لا نهاية له. إن الشعر، كما أبدعه حسن نجمي، ينطلق من البداهة الأقصى إلى الأفكار الأكثر تواضعا. هو يدري أن العمى ليس نفسه عند الجميع ويعتقد أن الآخر، الحبيبة أو الصديق، بصير حتى ولو كان أعمى.
هل من حق الشاعر أن “يتخلى عن اسمه للهاوية”، كما يقترح علينا حسن نجمي؟ ربما الاسم وليس الروح التي ترعى وتقيم أود الشاعر منتصبا كشجرة كريمة وقوية، مستسلمة لمضايقات الريح التي تحدث نغمات بين الأغصان وتختم بالانصراف إلى ملاعبة الغبار.
نعلم أن حسن نجمي عاشر طويلا شعر يوناني آخر، يانيس رستوس، الذي دعته الضرورة إلى الإقامة بفضل كلمات غير مؤدبة في منزله المصبوغ بالأحمر. كانت هذه الإقامة لشاعر في بيت شاعر آخر أحسن شيء تم بنجاح. تبودلت الكلمات وأبدعت الذكريات، لأن الأمر تعلق بالحرية، هذا الدافع المطلق وغير القابل للمساومة الذي يصبغه الشعر كل يوم بلون مختلف، لون الحياة، لون الآمال كلها.
والصديق الأرجنتيني خورخيو لويس بورخيص، هذا الذي قرأ وأعاد قراءة “ألف ليلة وليلة”، الذي تاه بين قصور الشرق، الذي أبدع متاهات الحدائق المتشعبة، حدائق قصر الحمراء، بورخيص الذي تفقد كنوز الشعر العربي، يظهر فجأة في شعر حسن نجمي الذي توجه إليه بهذه الكلمات: “عكازتك تبدع لك مسافة الطريق/ أنت أعمى مثلي، ولكني أشك في كونك لا تبصر”.
ثم هناك المرحلة البرتغالية، الرحلة إلى ليشبونة والإقامة في كازا دو ماتوس التي لا حاجة بالذاكرة عند تذكرها. بداهة ووفرة في الحياة، في الشعر بالتالي. طبيعي تماما أن يظهر الصديق بيسوا من بين الرياح ويرافقه عبر أزقة ليشبونة أين “أمسك برأس خيط الشعر”. يعيد حسن نجمي النظر إليه كما عرفه دائما، يفحصه في ورشة اللاطمأنينة. ينحني الشاعر: يد الزمن وضعت فوق كتفه كما لو لتذكره بأن عليه العودة إلى البيت.
يسافر الشاعر مثل إشاعة لا تنشر سوى الجمال، الأخبار السارة عن الريح والغيوم. روما مرمره، باريس قاعة مستشفى، ثم هناك مناطق اخرى تزور الشاعر. هناك موت الأقارب، الأصدقاء “الذين سبقوا موتنا” بأناقة، بصداقة.
يقدم لنا حسن نجمي قي ديوانه “أذى كالحب” أجمل قصائده، المستوحاة بشكل رائع، والمكتوبة بشكل رائع، وحتى خلف الترجمة الجميلة جدا لرشيد خالص وأسماء خلة، يحدث ان نسمع صوت الشاعر ينشد ابياته باللغة العربية. هذه المجموعة على درجة عالية من النضج. إنها هدية، عطاء في هذه الأوقات العصيبة التي يراكم فيها تاريخ العالم العربي الكوارث والوفيات. الشعر، هذا الشعر، ينقذ الإنسان. نتمنى أن يقرأه جمهور عريض وأن ينشد أطفال من المغرب وأماكن أخرى بعض القصائد كصلاة أمام اللايقال. بعد كل شيء، في مواجهة وحشية الأقوياء، وحدها قوة الشعر تستطيع المقاومة”.
ترجمة: أحمد رباص
 
عن "حرة بريس"