الثلاثاء 12 ديسمبر 2017
فن وثقافة

حوارحصري .. مع المؤلف المغربي المحكوم سجنا بسبب رواية...

حوارحصري .. مع المؤلف المغربي المحكوم سجنا بسبب رواية...

حكمت المحكمة الابتدائية بوارززات على المؤلف "عزيز بنحدوش" يوم 2 غشت الجاري، بالسجن الموقوف التنفيذ (شهران) وغرامة مالية قدرها 1000 درهم وتعويض مدني قدره 20 ألف درهم لفائدة المشتكيين، اللذان تابعا المؤلف قضائيا بتهمة السب والقذف، جراء نشره لرواية عنوانها "جزيرة الذكور" تعرضت لما وصفه المؤلف بظاهرة "الأبناء الأشباح" خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. يقول مؤلف الرواية أن المتابعة القضائية سبقها اعتداء خطير عليه. كما يوضح أنه تطرق لظاهرة الأبناء الأشباح بشكل عام ولم يقصد أشخاصا محددين. ويبرز أنه لم يستسغ متابعته في إطار قانون الصحافة بحكم أن الرواية عمل أدبي - حسب إفادته -. ويشرح أنه "استأنف الحكم ولم يوكل محامي للترافع في قضيته لأنه الأحق بالدفاع عن نفسه وعن روايته"..   

"أنفاس بريس" حاورت المؤلف عزيز بنحدوش حول روايته "جزيرة الذكور" وحيثيات الدعوى القضائية التي شكلت حديث الناس بوارززات وتسببت في الحكم عليه بالسجن الموقوف التنفيذ..

+ بداية وقبل الخوض في مضمون الرواية وحيثيات الحكم القضائي..  كيف تقدِّمُ نفسك لقراء "أنفاس بريس"؟

_ أنا إنسان عادي من الدراويش فرد من أفراد الشعب المغربي، مدرس لمادة الفلسفة، تم تعييني في "تازناخت" وهي منطقة قريبة من وارززات وتخصصي هو علم الاجتماع، الذي يزرع في نفس الباحث خاصية الاستماع للناس وهمومهم وملاحظتهم والانتباه للوقائع الاجتماعية ونبض المجتمع، وكان من بين الأسماء التي ترددت على أذني اسم "موغا" وهو شخص كان يُهجِّرُ الناس خلال سنوات الستينيات والسبعينيات لفرنسا واسمه "فيليبس موغا"، كان يختار الرعاة وهذا ليس تعميما لأنه ليس كل المهاجرين رعاة. موغا كان يركز في اختياره غالبا على الذين يتميزون ببنية جسدية قوية، وكان يعتمد طريقة إيقافهم تحت أشعة الشمس يوما كاملا، لكي يتحقق من قوة تحملهم، وبعد ذلك من كان يوافق على تهجيره، يضع على جسمه خاتما أزرقا ومن كان لا يختاره يضع على جسمه خاتما أحمر، كانت هذه الطريقة بالنسبة لي غريبة ومذلة إذ كان يعامل بعض الناس مثل القطيع.

+ هل حصلت على هذه المعطيات من مصادر موثوقة أم استقيتها فقط من لسان عامة الناس - عندما كنت تستمع لنبض المجتمع كما جاء على لسانك - ؟  

_ كل روائي يُطالع الكتب، عندما نكتب نقرأ قبل ذلك، مثلا شخصية "موغا" لابد أن نقرأ عنه ونبحث عبر الإنترنت عن معلومات تساعد على البحث، وبخصوص الأسماء التي تتضمنها الرواية، لابد أن تعود للمعاجم وتبحث عن دلالاتها، الكتابة الروائية لا تكون عشوائية، هي كتابة قائمة على معرفة، فكاتب الرواية يكون مضطرا للمطالعة، والبحث عن وقائع وأحداث تاريخية لكي يكتب حدثا، لكن الغريب هو أنه عندما كنت أجالس الناس وأستمع لهم، وجدت أن بعض الناس وليس كلهم كانوا يقومون بأفعال وسلوكات للتحايل على فرنسا، لكي يحصلوا على تعويضات كبيرة، مثلا من كان لديه أربع أبناء كان بشكل سهل يضيف للحالة المدنية أبناء آخرين، بتواطؤ مع "المقدم والشيخ"  وكان يدفع شهادة الحياة لفرنسا لكي يتقاضى تعويضات على أطفال لا وجود لهم أصلا. هذه هي الظاهرة الأولى التي رصدتها، وبعدها ظاهرة أخرى سمعتها من لسان الناس، تتمثل في أخوين أحدهما في فرنسا والآخر بالمغرب، كان الذي بالمغرب يسجل أبناءه في الحالة المدنية للمقيم في فرنسا لكي يحصل على تعويض أكبر.

+ وماهي الحقائق التي وصلت لها من وجهة نظرك خلال رصدك لهذه الظاهرة في الرواية؟

_ في آخر المطاف تحصل المشاكل، فبعد نهاية استغلال فرنسا والتحايل عليها للحصول على التعويضات، يأتي الوقت الذي يفرض أن تتم إزالة الأبناء المضافين للحالة المدنية، كأبناء لا وجود لهم أصلا أو مخافة الصراع حول الإرث، فمثلا إذا كنت أنا قد سجلت (أبناء أخي) في الحالة المدنية الخاصة بي، سوف يتقاسمون الإرث مع أبنائي، وبالتالي هي قضايا معروفة في محاكم وارززات، وكانت هذه الظاهرة بالنسبة لي غريبة جدا، نحن نعلم قضية الموظفين الأشباح، والأشباح التي تحكي لنا عنها الجدة، لكن الغريب هو الأطفال الأشباح، الذين نتجوا عن هذه الظاهرة وهذه هي الأمور التي رصدتها الرواية التي كتبتها.

+ كتبت رواية (جزيرة الذكور) في سنة 2004 ولم تنشرها إلا في سنة 2014 لماذا انتظار هذه المدة كاملة؟

_ كتبت الرواية في سنة 2004، في الوقت الذي كان المغرب يعرف إجراء الإحصاء الوطني للسكان والسكنى، وتساءلت حينها باستغراب : ماذا يحصي المغاربة !!؟..  ماذا يحسبون !!؟.. كيف يتم وضع الإستراتيجيات!!؟ والناس الذين يتم إحصائهم هل هم موجودون فعلا!!؟ ومن المعلوم أن الإحصاء يوازي توفير حصة من الغداء والدواء وحق التمدرس والوحدات السكنية.. هذه الأمور في رأيي وقناعتي غير مقبولة لكل مغربي غيور على وطنه. الرواية تمت كتابتها بإرهاصات من هذا الواقع، لم أكن أعرف من زوَّرَ الحقائق ومن لم يزوِّرها، كنت استمع فقط للحكايات التي يرويها الناس. صدرت الرواية في 2014 بسبب معيقات تكلفة الطبع، فأنا أتكلف ذاتيا بعملية الطبع من نفقاتي الخاصة، وعندما توفرت لي الإمكانيات المادية نشرت الرواية، وبعد 3 شهور من النشر، بدأ الناس يقرؤونها ويتحدثون عنها وعن تزوير البعض فعلا للأطفال، وبدأت أصابع الاتهام تشير لبعض الناس، ما جعل بعض الأعيان الأغنياء لم يرضوا أن يفضح رجل تعليم عادي هذه الظاهرة، ولم يكن قصدي ذلك، فتم الاعتداء علي في 22 مارس 2015، وتعرضت للضرب ومحاولة القتل وتم تحطيم وتكسير سيارتي..

+ هل بلغت الأمن بهذا الاعتداء ومحاولة القتل وهل تبيَّنَ الدافع من وراءه؟

_ فعلا بلغت الأمن، وتم القبض على أحد المعتدين، وتمت محاكمته بالحبس شهرا نافذا سجنا، وسيظهر أنه فرد من أفراد عائلة تعنيها الظاهرة، فانتقموا بذلك الشكل، أنا لم أكن أقصد أحدا في الرواية، وقد جرَّ عليهم ذلك تحقيقا وتم استجوابهم واستنطاقهم ولازال البحث جاريا في موضوع الأطفال الأشباح، في وارززات لدى الشرطة القضائية وقاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية.

+ لنعرج على حيثيات الحكم الصادر في حقك .. كيف تمت متابعتك في قضية رواية (جزيرة الذكور)؟

_ لم يتقبل أفراد عائلة الشخص الذي اعتدى علي، أن يتعرض للسجن، فاجتمع الناس الذين هاجروا لفرنسا على يد "موغا" ورفعوا شكاية لوكيل الملك الذي أجابهم بحفظ الشكاية، وتقرَّرَ حفظها تطبيقا للفصل 40 من قانون المسطرة الجنائية، وكانت أسباب الحفظ هكذا : ( الحفظ في إطار سلطة الملائمة وعلى المتضرر اللجوء للقضاء عن طريق الشكاية المباشرة) وجاء في الشكاية المباشرة أنه تم وصف المشتكين بمجموعة من الأوصاف، معتبرين الرواية مكتوبة ضدهم، في حين أن الأشخاص والأماكن والأزمنة التي جاءت في الرواية لا تمت لهم بصلة، استمرت الشكاية بالمحكمة من 23 مارس 2015 إلى حدود 2 غشت 2016 تاريخ النطق بالحكم في القضية وخلال هذه المدة دخلت القضية للمداولة أكثر من 5 مرات.

+ كل قضية تروج في المحكمة لابد أن تتضمن الشكاية أو المقال الافتتاحي تهمة أو تهما، يواجه بها المشتكون المشتكى منهم .. ماهي التهمة التي وجهها لك المشتكون في ملف القضية؟

_ السب والقذف هي التهم الموجهة لي، وأنا متهم في قانون الصحافة، رغم أن الرواية ليست صحافة هي عمل أدبي، لم أنشر مقالا أو بلاغا في جريدة، كي أتابع في إطار قانون الصحافة.. لم أكن أعرف الناس اللذين يتابعونني لم أذكر أسماءهم في الرواية، فقط عندما انتشرت الرواية بدأت أصابع الاتهام تحوم حول بعض الناس، وهنا أعود لمقولة : "وكم من كاتب  وروائي أصاب أهدافا لم يكن يتوقعها من قبل".

+ لكن هناك من سيقول: إذا كانت الرواية تشمل أحداثا واقعية بالمنطقة، سوف تكون أنت كمؤلف على علم بأنك ستستفز البعض وسوف تجر عليك تبعات وربما تأتي إشارات تسيء للبعض وقد تتضمن الرواية نعوتا وصفاتا تتشابه مع أشخاص لم تمسهم الظاهرة بشكل مباشر؟

_ أنا كتبت بشكل عام حول الظاهرة، لا أعلم من تشملهم الظاهرة، نسمع دائما الناس يتحاكون حول الأساطير مثلا "عائشة قنديشة".. الكاتب يكتب من خلال الواقع ويحوله بشكل أدبي في صيغة أخرى، لكن للأسف عندما خرجت الرواية في وسط صغير ومحدود أصبح الناس يتهمون بعضهم.

+ عِلما أنك استأنفت الحكم الصادر في حقك ولم تكلف محامي بالدفاع عنك في هذا الملف.. بماذا حكمت عليك المحكمة ولماذا لم تكلف محامي بالترافع في قضيتك؟

_ الحكم الصادر في حقي هو الحبس الموقوف التنفيذ (شهران) وغرامة مالية ألف درهم للمحكمة وتعويض مدني قدره 20 ألف درهم لرافعي الدعوى (وهما شخصان). لم أكلف محامي للترافع عني وهي قناعة شخصية، ورأيت أني أحق بالدفاع عن نفسي ولن يدافع عن روايتي بشكل جيد شخص آخر غيري. وأسجل أن هناك فراغ قانوني في القضية فكيف يمكن محاكمة الإبداع؟ وهل يمكن محاكمة الشاعر والنحات والرسام على إبداعاتهم؟.