الثلاثاء 6 يناير 2026
كتاب الرأي

مشيج القرقري: فنزويلا.. سقط الرئيس نيكولاس مادورو، فهل يستمر النظام؟

مشيج القرقري: فنزويلا.. سقط الرئيس نيكولاس مادورو، فهل يستمر  النظام؟ مشيج القرقري
تابع العالم، فجر العام الجديد، سقوطا شبه معلن لنيكولاس مادورو، بعد حصارٍ أمريكي استمر لأشهر، استخدمت خلاله الولايات المتحدة الأمريكية قوة بحرية و جوية، غير مسبوقة في بحر الكاريبي.

نهاية اختارت لها واشنطن مسارا يشبه، إلى حد بعيد، ما وقع في بنما سنة 1989 مع الرئيس مانويل نورييغا، حين لجأت الولايات المتحدة إلى تدخلٍ مباشر تحت غطاء قانوني وأمني.

وقد حرصت الإدارة الأمريكية على توفير مبررات قانونية لاعتقال مادورو، وفقا للقانون الأمريكي، مستندة إلى عدة عناصر أساسية.
 
كيف أسست الولايات المتحدة الأمريكية قانونيا تدخلها في فنزويلا ؟ 
وفق الرواية الأمريكية، فإن اعتقال نيكولاس مادورو يعد إجراء قانونيا ومشروعا، استنادا إلى ما يلي:
الاختصاص القضائي خارج الأراضي الأمريكية:
ترى واشنطن أن الجرائم المنسوبة لنيكولاس مادورو، والمتعلقة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود وتهريب المخدرات، تمنح القضاء الأمريكي اختصاصا دوليا لملاحقته.

عدم الاعتراف أغلبية المجتمع الدولي بالشرعية الرئاسية:
الإدارة الأمريكية لا تعترف بنيكولاس مادورو رئيسا شرعا لفنزويلا، وتتهمه بتزوير الانتخابات، وعدم نشر نتائجها، وبالتالي تعتبر أنه لا يتمتع بحصانة رؤساء الدول.

الاستناد إلى سوابق قضائية:
تعتمد الولايات المتحدة على سابقة مانويل نورييغا (بنما 1989)، وعلى مبدأ Ker–Frisbie، الذي يفيد بأن طريقة إحضار المتهم إلى المحكمة لا تؤثر على اختصاصها أو على سلامة الإجراءات القضائية.

تكييف العملية كإجراء جنائي لا عسكري:
تطرح واشنطن العملية باعتبارها تنفيذا للقانون الجنائي الأمريكي بحق شخص متهم بجرائم خطيرة، وليس كعمل عسكري أو غزو لدولة ذات سيادة.
ما بعد نيكولاس مادورو: من يحكم فنزويلا؟
السؤال الجوهري اليوم ليس كيف سقط نيكولاس مادورو، بل ماذا بعد اعتقاله؟ ومن سيحكم فنزويلا؟
صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ندوة صحفية قائلاً:
"سندير البلاد إلى أن نتمكن من إنجاز انتقال آمن، مناسب، ومتزن"
لكن كيف ستتم إدارة شؤون البلاد ؟
من المؤكد أن الولايات المتحدة لا ترغب في تكرار سيناريوهات مكلفة وفاشلة ما زالت تدفع ثمنها في العراق وأفغانستان وليبيا والصومال، واشنطن لن تعين حاكما مدنيا و لا عسكريا، لذلك، يبدو أنها ستختار مسارا مختلفا، أقل صدامية وكلفة و أكثر براغماتية.
المعارضة وحدود البدائل خلال الانتخابات الرئاسية التي أعلن فيها مادورو نفسه فائزا.
 
 وجهت اتهامات واسعة بالتزوير، واعتبرت عدة دول أن الفائز الحقيقي هو مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوروتيا، غير أن هذا الأخير يوجد الان خارج البلاد لاجئا، ومن شبه المؤكد عدم عودته في المدى المنظور، سواء لأسباب صحية أو لافتقاده قاعدة سياسية وتنظيمية قوية تؤهله لإدارة فنزويلا في ظرف معقد.

أما ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة اليمينية والحاصلة على جائزة نوبل للسلام، فقد وصفت، حتى من بعض الدوائر الأمريكية، بأنها تفتقر إلى الإجماع الداخلي، حيث نقل عن الرئيس ترامب قوله:
"أعتقد أنه سيكون من الصعب جدا عليها ( ماريا كورينا ) قيادة البلاد، فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام الكافي داخل فنزويلا".

و في ردا على سؤال حول سبب معارضة إدارة ترامب للتعاون معها (زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو)، قال ماركو روبيو:
"...ماريا كورينا رائعة (...) إنها جزء لا يتجزأ من هذه الحركة، لكن الواقع، للأسف، أن معظم المعارضة غير موجودة في فنزويلا.

لدينا قضايا عاجلة يجب معالجتها فورا"
بالإضافة إلى أن كل الأحزاب السياسية المعارضة داخل فنزويلا أصبحت ضعيفة و مستهلكة و تفتقد للعمق الجماهيري و السند الديمقراطي و شبه غائبة عن المؤسسات الا المتحالف منها مع النظام.
بهذا تحسم الإدارة الأمريكية خياراتها...
 
سيناريو الاستمرارية بدون نيكولاس مادورو.
أغلب المحللين يتحدثون اليوم عن إمكانية استمرار النظام الفنزويلي ولكن من دون نيكولاس مادورو. وتشير التكهنات إلى بروز نائبة الرئيس ووزيرة النفط السابقة، ديلسي رودريغيز، باعتبارها الشخصية الأكثر ترجيحا لإدارة المرحلة المقبلة.

وبحكم الدستور الفنزويلي، تشغل ديلسي رودريغيز منصب رئيس الجمهورية بالنيابة بعد شغور المنصب.
هي مسؤولة تحظى بـثقة كاملة و كبيرة من مادورو، وتعد من الوجوه التاريخية منذ الرئيس هوكو شابيس (Chavismo). تبلغ من العمر 56 عاما، وتنحدر من كراكاس، وتحمل شهادة في القانون من الجامعة المركزية الفنزويلية، ولها أكثر من عقدين في الصفوف الأولى للنظام، منذ عهد هوغو تشافيز.

تولت عدة حقائب وزارية، ورئاسة الجمعية الوطنية، وتعتبر من أكثر الشخصيات نفوذا داخل بنية الدولة.
 
حوار مباشر مع واشنطن
في اليوم الموالي لاعتقال مادورو، فتحت ديلسي رودريغيز قناة حوار مباشرة مع الولايات المتحدة. وأكد الرئيس ترامب أنها تحدثت هاتفيا مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، و الذي نقل عنها قولها:
"سنفعل ما تحتاجونه....ليضيف أعتقد أنها كانت لبقة جدا، سنقوم بهذا بشكل جيد".
 
ورغم أن عددا من المعارضين يصنفونها ضمن جناح الصقور في نظام مادورو،و ربما كانت ركن أساسي في إتفاق قبلي بين الطرفين، فإنها تعد في الوقت نفسه شخصية براغماتية وذكية بما يكفي لإدارة مرحلة انتقالية قد تمتد لسنوات.
 
نحو “إعادة تدوير” النظام
السيناريو الأرجح هو إعادة تدوير النظام:
إبعاد مادورو وبعض الأجنحة الأكثر تشددا، ولا سيما وزير الداخلية وعدد من جنرالات الحيش، مع الإبقاء على بنية الدولة، وفتح الاقتصاد أمام الاستثمار الأمريكي، خصوصا في قطاع النفط، وإعادة تموضع فنزويلا خارجيا بعيدا عن محور الصين وروسيا، اللتين فشلتا في حماية صديقهم مادورو، ومراجعة علاقاتها وأولويات سياستها الخارجية، وإعادة صياغة تحالفاتهاهصوصا ظاخل أمريكااللاتينية ومنطقة الكاريبي.

إنه مسار يهدف إلى تفادي سيناريوهات الانهيار الشامل، ويخدم في الوقت نفسه أولويات إدارة ترامب، خصوصا في منطقة حساسة وقريبة مثل بحر الكاريبي، الذي يعد مجالا حيويا للأمن القومي الأمريكي ( عقيدة مونرو 1813).
 
 
د. مشيج القرقري باحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية