
كلما اقترب شهر رمضان، يزداد المغاربة يقينا أن للأسعار أجنحة سريعة تحلق دون توقف نحو الأعلى، وأن الغلاء هو سيد السوق بلا منازع، والدُنُوَّ من مواد الاستهلاك الرئيسية (خبز، سكر، زيت، شاي، حليب، خضر، فواكه، لحوم، بيض، أسماك.. إلخ) مُهلك ولا قبل لهم بمواجهته، ما دامت هذه المواد تحقق "انتصاراتها الكبيرة" على جيوبهم.
والحق أن عدم انحسار الغلاء، منذ ما يزيد عن أربع سنوات من عمر الحكومة الحالية، أصبح عنوانا عريضا لـ «النكبة الاجتماعية»، على الرغم من حزمة التدابير التي أطلقتها الحكومة منذ عدة أشهر دون جدوى، والتي مازالت حتى الآن بعيدة جدا عن تبديد استياء المواطنين، سيما وأن أسعار مواد الاستهلاكية الأساسية لا تعرف إلا اتجاها واحدا نحو الأعلى، يبرره وزراء الحكومة، في خرجاتهم، بإلقاء اللائمة على عوامل داخلية، وأخرى خارجية.
فأما العوامل الداخلية، فيمكن إجمالها في الأسطوانة المشروخة المتمثلة في نقص الأمطار وتأثيرات الجفاف وتقلص الإنتاج الفلاحي أو ضعف المخزون المحلي، فضلا عن زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، إذ يؤثر ارتفاع أسعار الوقود مباشرة على تكلفة نقل السلع، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها في الأسواق الداخلية، علما أن المهيمن على المحروقات هو رئيس الحكومة نفسه؛ أضف إلى ذلك اضطراب سلاسل التوريد والتوزيع، خاصة أن تأخر وصول بعض المنتجات والمواد الخام بسبب مشاكل لوجستية عالمية، يؤدي على نحو مباشر إلى ارتفاع الأسعار نتيجة قلة العرض وارتفاع الطلب.
أما العوامل الخارجية، فتحددها الحكومة في التضخم العالمي وارتفاع أسعار المواد الأولية، وخاصة المواد الطاقية التي تنعكس أسعارها سلبا على استقرار أسعار المواد الأساسية أو انخفاضها، وذلك بسبب الأزمات الدولية، مثل النزاعات الجيوسياسية «الحرب في أوكرانيا أو الشرق الأوسط» وارتفاع تكاليف الشحن والاستيراد والتمويل. حيث شهدت العديد من الاقتصادات الكبرى تباطؤاً كبيرا، مما انعكس على الدول النامية أو الاقتصادات الصاعدة مثل المغرب.
لكن هل هذا يفسر التخلي عن المواطن من طرف حكومة ترفع شعار «الدولة الاجتماعية»، وحكومة تدعي أنها «حكومة كفاءات»؟ هل هذا يفسر إطلاق «بهموث» ارتفاع الأسعار على مواطن لا حول ولا قوة له، ولا علاقة له بـ «الإكراهات الدولية» والمخططات الهيكلية وخطط الإقلاع الاقتصادي ومعدل النمو والتضخم والمديونية والأزمات الجيوسياسية؟
نعم، لقد اتخدت الحكومة بعض الإجراءات التي لا يمكن إنكارها مثل الاستمرار في دعم أسعار الغاز والبوتان، بالإضافة إلى تخصيص حوالي 13 مليار درهم لدعم فواتير الكهرباء، بهدف الحفاظ على استقرار أسعار هذه الخدمات، فضلا عن تنفيذ إجراءات ضريبية، مثل خفض ومراجعة الضريبة على القيمة المضافة، لتخفيف العبء الضريبي على المواطنين، إلى جانب تقديم دعم مالي لمهنيي قطاع النقل والفلاحين لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود والتحديات الزراعية، بهدف الحفاظ على استقرار أسعار النقل والمنتجات الزراعية. غير أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لإنهاء استياء المواطنين، حيث أظهر استطلاع للرأي أن 42.1 ٪ من الأسر اضطرت إلى الاستدانة من أجل تلبية متطلباتها الحياتية، بينما أفادت 82.6 ٪ من الأسر بـ «تدهور» مستوى معيشتها خلال الـ 12 شهرا السابقة. كما أن حوالي 95.4 ٪ من المستهلكين اضطروا لتقليل الإنفاق على الكماليات، وأعادوا تقييم أولوياتهم المالية بسبب ارتفاع الأسعار. وهو الأمر الذي دفع 98.8 ٪ من المستجوبين إلى المطالبة بتدابير أكثر فعالية، مثل تسقيف الأسعار أو إعادة دعم صندوق المقاصة، خاصة أن 96.4 ٪ من الأسر المغربية تؤكد أن أسعار المواد الغذائية سجلت ارتفاعا خلال الـ 12 شهرا الماضية.
نستخلص من كل ذلك أن تأثير التدابير الحكومية للتخفيف من حدة الغلاء ليست ناجعة أو كافية لامتصاص الارتفاع الملحوظ في تكاليف المعيشة، وذلك بالنظر إلى هيمنة أسباب الأزمة واستمرارها، وهي أسباب، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية المحلية والدولية، كما تؤثر في بعض السياسات الحكومية الفاشلة، ومنها التبعية الكبيرة للاستيراد، حيث يعتمد المغرب على استيراد جزء كبير من حاجياته الغذائية والطاقية «مثل القمح، السكر، والزيوت»، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية. هذا في الوقت الذي عمل على توجيه زراعته المحلية إلى الأسواق الخارجية ، إذ لم ينجح المخطط الأخضر إلا في رفع الإنتاج الخاص بمجموعة من المواد الموجهة نحو التصدير «الحوامض، الدلاح، الأفوكا..إلخ»، الأمر الذي جعل المغاربة يلاحقون منتجات محلية الإنتاج «الطماطم، الفلفل الأحمر..» بأثمنة تفوق سعر بيعها في الدول الأوروبية، ودخلوا في حرب يومية لا هوادة فيها لتأمين سلتهم الغذائية بكل مكوناتها، وخاصة اللحوم الحمراء وبعض المنتجات الزيتية والغذائية، والتي لا يرتبط ارتفاع أسعارها فقط بالإشكالات المتصلة بسلاسل الإنتاج العالمية، بل في المقام الأول بإشكالية المراقبة وتأثير الوسطاء والاحتكار.
وإذا كانت الحكومة تجد صعوبة في التحكم بسعر الصرف أو مستوى التضخم بسبب ضعف الدرهم وارتباطه بأسعار الأسواق العالمية. كما فشلت، باعتراف مجلس المنافسة، في مراقبة تحرير سوق المحروقات، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وفقاً لتقلبات السوق الدولية، كما أدى إلى نزول شركات المحروقات بكل ثقلهم على جيوب المواطنين لتحقيق أرباح خيالية، فإن إلغاء صندوق المقاصة، دون فرض قيود على المضاربين ودون تدخل واضح من الحكومة، أدى إلى تأجج ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتركها رهينة لقانون العرض والطلب، مما فسح المجال للمضاربة والاحتكار من قبل الوسطاء والتجار في غياب شبه كامل لآليات ضبط الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار، وفي تغييب شامل لمعطى ضعف الأجور وتفوق التضخم على القدرة الشرائية للمواطنين.
تأسيسا على كل ذلك، يتضح أن على الحكومة إذا أرادت بالفعل أن تكون جديرة بشعار «الدولة الاجتماعية»، وإذا كانت تطمح إلى التنزيل الإيجابي لورش النموذج التنموي الجديد، بناء حلول قوية لخفض الأسعار، وعلى رأسها:
ـ إعادة النظر في «النموذج الفلاحي»، وإعادته إلى المغاربة، بدل توجيه الإنتاج نحو التصدير، على حساب قفة المغاربة، وعلى حساب مخزوننا المائي.
ـ إعادة النظر في تحرير أسعار المحروقات، وذلك عبر تسقيف الأسعار أو إعادة دعمها جزئيًا.
- تعزيز الإنتاج الفلاحي المحلي، ودعم الفلاحين، لتقليل الاعتماد على الاستيراد، ولتحقيق السيادة الغذائية، وليس فقط الأمن الغذائي.
ـ إحداث ثورة من أجل تغيير نظام الإنتاج الوطني، والتحرك نحو السيادة الغذائية وإنتاج ما نستهلكه في المقام الأول، مع الاعتماد بشكل كبير على التقدم التقني والتكنولوجي لتحسين المردودية.
- تشديد الرقابة على الأسواق المغربية لمنع المضاربة والاحتكار، وذلك بإنزال أقسى العقوبات بالمتورطين.
ـ دعم الفئات الهشة بشكل مباشر، عبر تحويلات مالية أو قسائم غذائية، بدل التركيز على دعم المستوردين وتمكينهم من امتيازات ضريبية تجعلهم أكثر عندما احتكارا.
ـ التعامل مع التضخم بوصفه حقيقة هيكلية للاقتصاد المغربي ويجب التعايش معه، وبناء سياسات في ضوئه كمعطى أساس. ألم تؤكد مندوبية التخطيط أن التضخم ليس مستوردا بل هو محلي، وبأن سببه هو نقص الإنتاج أي العرض الداخلي وليس الطلب.
دون هذه الإجراءات سيظل المغاربة في مواجهة حامية الوطيس مع غلاء الأسعار، وسيستمرون في ترديد ما قاله الشاعر حافظ ابراهيم: «عَزّتِ السِلْعةُ الذليلةُ حتى» باتَ مَسْحُ الحذاءِ خَطْبًا جُسامَا؛ وغدا القوتُ في يدِ الناسِ كالياقوتِ/ حتى نَوى الفقيرُ الصيامَا؛ يَقْطَعُ اليومَ طاويًا ولديهِ/ دُونَ رِيحِ القُتارِ رِيحُ الخُزامَى؛ ويخالُ الرغيفَ في البُعْدِ بَدْرًا/ ويَظُنُّ اللحومَ صيداً حرامَا؛ إنْ أَصابَ الرغيفَ مِنْ بَعْدِ كَدٍّ/ صاحَ: مَنْ لِي بأنْ أُصيبَ الإِدامَا).
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن"