إذا كان إعمار منطقة مولاي بوعزة ( 80 كلم عن مدينة خنيفرة) وما رافق ذلك من استقرار الانسان وتوطين الأنشطة بها، تطلب 900 سنة، بحكم أن الولي مولاي بوعزة ( اسمه الحقيقي هو: أبي يعزى يلنور)، استقر بالبلدة في أواخر القرن 11 الميلادي، فإن تفريغ مولاي بوعزة من سكانها واحتمال تحولها إلى بلدة الأشباح لن يتطلب في المستقبل القريب سوى 40 أو 60 سنة فقط.
تقول الأسطورة، أن الولي أبي يعزى (المزداد سنة 1047 في أواخر العهد المرابطي، والمتوفى عام 1177 في العهد الموحدي)، زاره مشايخ البلاط الموحدي، فوجدوه نائما: "رأسه على أسد ورجلاه على أسد آخر، وهما يلحسانه" !
وفي حكاية شفوية أخرى يتداولها السكان أن الولي أبي يعزى "أمر أفعى بإحدى أشجار التين بمنزله بإلقاء نفسها من الشجرة، جراء ترويعها لضيوفه، ففعلت ذلك" !
وفي حكاية شفوية أخرى يتداولها السكان أن الولي أبي يعزى "أمر أفعى بإحدى أشجار التين بمنزله بإلقاء نفسها من الشجرة، جراء ترويعها لضيوفه، ففعلت ذلك" !
هاته الأساطير هي مبعث نشأة بلدة مولاي بوعزة التي كانت منذ تسعة قرون أرضا وعرة بسبب التضاريس الصعبة، وكانت أرضا خلاء تكسوها الغابات والحيوانات الضارية، خاصة الأسود. وحين اختار "أبي يعزة يلنور"، الاستقرار بالبلدة الحالية الني ستحمل اسم ه( مولاي بوعزة)، بدأت الوفود تتقاطر عليه من القبائل المجاورة للتبرك بكراماته، فنتج عن ذلك بداية توطين للسكان وللأنشطة.
وبعد وفاة الولي أبي يعزى، كان تراب قبره يحمل من طرف الوافدين على مولاي بوعزة للتبرك به والاستشفاء من الأمراض والقروح المعضلة، حسب اعتقاد الناس الذين يتوافدون على الضريح. ورويدا رويدا بدأت تكبر منطقة مولاي بوعزة وتنتفخ ديمغرافيا.
في العهد العلوي، ستتقوى مكانة مولاي بوعزة، إذ زارها المولى الرشيد( 1671)، وأمر ببناء المسجد القديم الذي يحمل اسمه إلى اليوم، على اعتبار أن مريدي أبي يعزة بنوا له ضريحا صغيرا من الطين والحجر وسقفوه بالتبن والصلصال وأغصان الشجر.
لكن في عهد المولى إسماعيل، ستعرف مولاي بوعزة قمة توهجها، لكون السلطان مولاي اسماعيل استغل شعبية الضريح وحماسة زواره في دعم التوجه العام للمخزن. تأسيسا على ذلك بادر المولى إسماعيل بتشييد قبة بديعة ومسجدا عام 1692، واختار عالمه أبو القاسم بن سعيد العميري قاضيا لقبائل زيان بزاوية ومدرسة أبي يعزى يلنور.
وفي عهد الاستعمار الفرنسي عرفت مولاي بوعزة موجة أخرى من الانتفاخ الديمغرافي بسبب هروب الناس من بطش الاستعمار واستقرارهم بجوار الضريح للاحتماء بحمى الشرفاء البوعزاويين.
بعد الاستقلال وفي أول تقطيع جماعي بالمغرب، تم استحضار هذا الموروث التاريخي والمقدس لمولاي بوعزة، ومنحها المشرع مكانة ترابية خاصة بجعلها جماعة قائمة الذات تمتد من واد كرو إلى نواحي أكلموس، تضم قبائل أيت شعو والبوعزاويين ولمباركيين والحمارة وأيت رحو وأيت بوخيو. لكن اندلاع الأحداث الدامية عام 1973، المعروفة ب" أحداث مولاي بوعزة"، أدت إلى إخراج المنطقة من رادار السلطة المركزية وظلت خارج الاهتمام والبرمجة.
مع بداية الحديث عن التناوب التوافقي مطلع التسعينات من القرن 20، عمد المشرع إلى تقطيع مولاي بوعزة وأخرج من جوفها وحدتين جديدتين، وهما: جماعة حد بوحسوسن وجماعة سبت أيت رحو.
ليس هذا وحسب، بل قطعت السلطة المركزية الإمدادات والاستثمارات العمومية عن جماعة مولاي بوعزة وحرم سكانها من عدة برامج وخدمات ومرافق، ولم يترك للمنطقة سوى ما يضخه "ضريح أبي يعزى يلنور" من موارد و"بركة" في الموسم السنوي الذي ينعقد مطلع الربيع في أواخر مارس من كل عام ويمتد لفترة تدوم حوالي الشهر، مما يجعله أطول المواسم بالمغرب. بدليل أن البنية الطرقية المؤدية إلى مولاي بوعزة جد كئيبة وفي وضعية جد كارثية، سواء المدخل الطرقي الرابط بين مولاي بوعزة مع واد زم عبر أيت رخو، أو المدخل الطرقي الرابط مع والماس عبر العونات، أو المدخل الرابط بين مولاي بوعزة مع خنيفرة عبر بوحسوسن وأكلموس. هذا دون الحديث عن الإمكانيات السياحية الهائلة الضائعة( سواء السياحة الدينية أو البيئية أوتسلق الجبال أو القنص والرماية، إلخ....)، والتي لا تستغل بما يخلق الثروة المحلية ويخلق موارد عيش للسكان ويحسن من مستواهم المعيشي.
وهذا ما جعل مولاي بوعزة تشهد اليوم نزيفا حادا في بنيتها الديمغرافية، إذ في الفترة الإحصائية الممتدة على عشرين سنة (بين 2004 و2024)، فقدت مولاي بوعزة 18،2% من سكانها. وهذا ما يشكل تهديدا لهذا المجال الترابي ينذر بأن تصبح جماعة مولاي بوعزة بعد 40 أو 60 سنة قادمة، مجرد جماعة أشباح، تسكنها الأسود والضباع والذئاب والأفاعي وباقي الحيوانات الضارية، في انتظار أن يأتي ولي آخر "بكرامات خارقة"، ينبت الزرع ويجلب الخير ويوفر الأمن لضمان الاستقرار البشري، ما دامت الحكومة لا تعترف ببلاد "تاغية" الحاضنة لمولاي بوعزة في أقصى الشمال الغربي لأرض قبائل زيان.
ملحوظة:
أود أن أشكر جزيل الشكر الأستاذ جواد التباعي، مؤلف الكتاب الشيق :" مولاي بوعزة..المقدس الصوفي والمعماري في خدمة اقتصاد التراث"، والذي استقيت منه المعطيات الغزيرة والغنية عن ضريح مولاي بوعزة.
الكتاب صادر عن "منشورات رؤى للدراسات والأبحاث بمكناس". مطبعة دار القلم، الرباط/2023
الكتاب صادر عن "منشورات رؤى للدراسات والأبحاث بمكناس". مطبعة دار القلم، الرباط/2023