الجمعة 27 يناير 2023
سياسة

بوزنكاض: ماكرون جسّد بشكل فعلي المنطق الإستعماري والمركزية الأروبية

بوزنكاض: ماكرون جسّد بشكل فعلي المنطق الإستعماري والمركزية الأروبية الدكتور محمد بوزنكاض، رئيس شعبة التاريخ، منسق ماستر الدّراسات الصّحراوية والإفريقية - أكادير
كيف بدأ العقل الافريقي يتمرد على فرنسا (بوركينافاصور، النيجر، مالي، الغابون..) ويعارض العنجهية والإستعلائية الفرنسية، خاصة في فترة ماكرون بسبب موقفها تجاه مستعمراتها،  بعدما تناست فرنسا بأن النظرة تغيرت، وأن قوى جديدة دخلت على الخط؟.
لم تكتف فرنسا باستغلال مستعمراتها واستنزاف خيراتها خلال الحقبة الإستعمارية، بل حافظت على هذا الاستغلال ومظاهره بعد الاستعمار، فعلى عكس باقي القوى الاستعمارية، أقامت فرنسا علاقاتها مع مستعمراتها القديمة على أسس تضمن لها الحفاظ على مصالحها وضمان تبعيّة هذه المستعمرات سياسيا وثقافيا واقتصاديا، ممّا كان سببا مباشرا في تأخّر هذه الدّول وضعف هامش المبادرة المتروك لأنظمتها.
وبالرغم من التطور الذي عرفه العالم وتعاقب الأجيال وتغير بنية المجتمع والسلطة في هذه البلدان الإفريقية لم تبدل فرنسا مجهودا لمسايرة هذه التّحولات، وحافظت على منطق المركزية في تأطير علاقاتها ببلدان إفريقيا، وعلى تمثّلها لهذه المجالات باعتبارها مستعمرات قدرها أن تظلّ عبارة عن حقول ومناجم تزوّد فرنسا بمقوماتها من الموادّ الأولية وأسواق لسلعها واستثماراتها دون أن تستفيد هذه البلدان من أيّ عائد تنموي حقيقي. بالموازاة مع وجود تحوّلات دولية ارتفع فيها الطلب على إفريقيا بأسواقها وثروتها، حيث تعدّد الشركاء وتنوّعت العروض التي تتطلع إلى تأسيس علاقات موسومة بنوع من النّدية في العلاقة مع بلدان إفريقيا.
وبالتالي فقد مهّدت هذه التّحولات البنيوية داخليا ودوليّا لهذه التّطورات التي من المؤكد أنها ستعمّق عزلة فرنسا بإفريقيا، وستعيد ترتيب خريطة التّوازنات داخل هذه المجال.
 
ما أسباب هذا التنمّر الإفريقي من فرنسا، وكذا انهيار الوجود الفرنسي وردمه في إفريقيا؟.
تجرّ فرنسا ورائها إرثا ثقيلا لا تزال آثاره تدمي ذاكرة الأفارقة ومعالمه عصيّة على النسيان، حيث ظلّت الفترة الإستعمارية وتركتها توجّه صورة فرنسا في هذه الأوساط التي اضطرت أنظمتها إلى  التّحالف مرحليا مع فرنسا، فاستغلت هذه الأخيرة وضع دول إفريقيا بأن احتفظت لنفسها بمصالح كثيرة، وبالرغم من معرفة فرنسا بهذا الموقف الذي تتبنّاه  شرائح واسعة من نخب إفريقيا وعامّتها، إلا أنها لم تبدل مجهودات تذكر في سبيل تصحيح هذه الصّورة عبر التّفكير في تنمية هذه البلدان وتحرير قراراتها السّياسية والتّنموية.
وقد دشّنت علاقة فرنسا ببلدان إفريقيا مرحلة جديدة في سياق الأزمة منذ وصول ماكرون إلى الحكم؛ والذي جسّد بشكل فعلي المنطق الإستعماري والمركزية الأروبية عبر خطابات وتصريحات تنفي عن إفريقيا الحضارة وتنكر إسهامها في التطور الحضاري وأنها مجالات لا تاريخ لها، بالموازاة مع تحولات داخلية ترجمها تنامي المدّ اليميني المتطرّف بفرنسا تأثير ذلك على وضعية المهاجرين، وما يعكسه من تحولات داخلية للفرنسيين تجاه الأفارقة تفسّر اتساع شعبية هذا التيار بفرنسا وأروبا عموما.
بالموازاة مع ذلك، ظلت تجربة الإستعمار البريطاني بإفريقيا الشرقية وبالعالم عموما تسائل النّموذج الفرنسي وتحرجه بشكل كبير، ولعلّها أحد الأسباب غير المباشرة التي تفسّر هذا الإنحسار الذي تعيشه فرنسا بإفريقيا الغربية والشمالية، وهو توجه يبدو أنه سيستمرّ لأن الشروط المختلفة تبرره وتجعل منه مطلبا لم يعد شعبيا فقط، بل رسميا من خلال توجّه الأنظمة والمؤسسات إلى تبني هذا التوجه وبعث المعنى السياسي والمصالحي لعلاقاتها مع البلدان والتحرر من مختلف أشكال التّبعية التي تجعل اختيارات هذه البلدان  التّنموية والسّياسية مرهونة باعتبارات لا تصبّ في مصلحة هذه الدّول.
 
ما الأخطاء التي ارتكبتها فرنسا في المنطقة؟ وما المؤشرات التي يمكن أن يعتمد عليها  المغرب لتعزيز وجوده الافريقي أكثر؟.
لا أخفيكم أن المغاربة يشعرون بفخر كبير وبانتماء شديد بعد النّجاحات التي حققتها الدّبلوماسية المغربية على مختلف المستويات، والندية التي أصبحت تميز خطابها وعلاقاتها بمختلف الشركاء، وهو عائد آخر يقوي الجبهة الداخلية ويعزّز الثّقة في مؤسسات الدولة واختياراتها، وهي اختيارات تنطلق من الوعي بالإمكانيات التي لدينا وقدرتنا على استثمارها، وأول هذه المؤهلات هو الموقع الجغرافي، والإمكانيات التي يتيحها السياق الدولي لبعث الأدوار التي اضطلعنا بها تاريخيا في ربط أوروبا وباقي العالم بإفريقيا؛ فارتفاع الطلب على إفريقيا يعني ارتفاع الطلب على المغرب وعلى موقعه ومدنه ومراسيه. كما أن عودة الثقة لإفريقيا في إمكانياتها تجعلها تبحث عن تأسيس علاقات جنوب جنوب وتعزّز استقلاليتها وتؤسس لعلاقاتها الخارجية على نوع من النّدية والبحث عن مصلحة هذه الشعوب التي أصبحت تستعيد المبادرة على مختلف المستويات. وأعتقد أن المغرب كان سبّاقا لإعطاء هذا المعنى لعلاقاته بإفريقيا، ومؤهل أكثر من غيره للاستفادة من هذا الأفق باعتبار ما راكمه من تجربه في عدد من القطاعات وقدرته على تصدير نموذجه الإقتصادي والسّياسي لباقي دول إفريقيا، كما أن علاقاته بهذه البلدان تستفيد من مشترك حضاري قويّ ومتعدّد المعالم ومركّب في أبعاده، هو حصيلة علاقات تاريخية ممتدة في الزمن، وتحتاج منّا إلى البحث عن إعطاء هذه العلاقات أبعادا مختلفة تتجاوز الإقتصادي والسياسي لتستوعب باقي المجالات، فإفريقيا هي أفقنا الإقتصادي والسّياسي والحضاري.