الخميس 11 أغسطس 2022
فن وثقافة

محمد حفيظ وأحمد بوز: كنا مع اليوسفي ثم صرنا ضده..لماذا وكيف؟

محمد حفيظ وأحمد بوز: كنا مع اليوسفي ثم صرنا ضده..لماذا وكيف؟ محمد حفيظ وأحمد بوز وغلاف كتابهما

لماذا قررتم إصدار كتاب عن عبد الرحمان اليوسفي في هذه المرحلة التي تتميز بوجود انحباس سياسي، هل تم ذلك بالرغبة، من جهتكم، في تقديم مقترحات شخصية لفك ذلك الانحباس؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه توثيقا لمرحلة كنتم فيها فاعلين مباشرين وشهودا؟ أم الأمر يتعلق بتصفية الحساب مع بعض المعنيين بتدبير المرحلة التي قاد فيها اليوسفي حزب الاتحاد الاشتراكي، ثم تجربة التناوب؟

ثم ما معنى العودة إلى «التاريخ»، خصوصا إذا استحضرنا غياب الكتابات التي تهتم بالتفاصيل السياسية، وإحجام السياسيين عن تسجيل مذكراتهم الشخصية؟

نسألكم إضافة إلى ذلك: ماذا تبقى من اليوسفي، ومشروعه السياسي؟ ولماذا لم تنشروا الكتاب في زمن اليوسفي؟

تلك هي الأسئلة التي وجهناها لمحمد حفيظ وأحمد بوز، مؤلفي كتاب «أوراق من زمن السياسة – اليوسفي كما عشناه»، وقد آثرا أن يجيبا عنها بإحالتنا إلى فقرات من الاستهلال الذي وضعاه لكتابهما، وضمنه سياق الكتابة عن اليوسفي ودواعي الإصدار، ومعنى الكتابة عن التاريخ، وعن مرحلة «التناوب التوافقي».

 

1- قريبان من الحقل السياسي والحزبي، وعارفان بالعديد من صناعه

آثرنا خوض غمار كتابة هذه الأوراق، لتقريب القراء والمهتمين، وحتى الباحثين الذين يشتغلون على «المادة السياسية» موضوعا لأبحاثهم واهتماماتهم العلمية، من التجربة السياسية المهمة لعبد الرحمان اليوسفي، الذي تولى قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلفا لعبد الرحيم بوعبيد، انطلاقا من مستهل التسعينيات من القرن الماضي وإلى غاية بداية العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين (1992 ـ 2003)، كما تولى قيادة أول تجربة حكومية (1998 ـ 2002) تشارك فيها المعارضة اليسارية منذ حكومة عبد لله إبراهيم في السنوات الأولى من الاستقلال، قبل أن يعتزل العمل السياسي بصفة نهائية سنة 2003، ويقتصر دوره على الحضور في بعض المناسبات والقيام ببعض المبادرات، التي لم تخل في بعض الأحيان من التوظيف من طرف بعض الأشخاص والهيئات.

(...) كنا، نحن كاتِبَيْ هذه الأوراق، شاهدي عيان على هذه المرحلة بحكم موقعين اثنين تَأَتَّى لنا من خلالهما أن نعيش أحداثا في زمانها ومكانها، وأن نتابع أخرى عن قرب منها أو من أطرافها والفاعلين فيها.

أولا؛ لقد كنا عضوين في الحزب الذي قاده اليوسفي، لسنوات طويلة، وباشرنا فيه مسؤوليات محلية أو إقليمية أو وطنية، مثلما كنا عضوين ومسؤولين بمنظمته الشبابية «الشبيبة الاتحادية» (...). وقد أتاح لنا وجودنا في الحزب، وعلى الخصوص في قيادة الشبيبة، حضور لقاءات واجتماعات مع اليوسفي لم تَخْلُ في بعض المناسبات من مواجهات وتشنجات وانفعالات (...).

ثانيا؛ لقد اشتغلنا سويا بالعمل الصحافي. في البداية جمعتنا جريدة «النشرة» التي كانت تصدر عن الشبيبة الاتحادية (...). وفي مرحلة لاحقة، سنعمل معا في تجربة «الصحيفة» الأسبوعية ثم اليومية (...). وقد سمح لنا اشتغالنا معا على «المادة الإعلامية السياسية» بأن نكون قريبين من الحقل السياسي والحزبي، ومتتبعين لتفاصيله وتموجاته ومنعرجاته، وعارفين بشخوصه والعديد من صناعه والفاعلين فيه.

 

2- لا ندعي امتلاك أسرار خاصة، ولا نصادر حق أحد في البوح

قد يكون وجودُنا في قلب هذه التجربة الحزبية والسياسية، واصطفافُنا في خيار معين من التجاذبات التي ظل يعرفها حزب الاتحاد الاشتراكي، منذ مؤتمره الخامس لسنة 1989 دون أن تنتهي مع مؤتمره الوطني السادس لسنة 2001، الذي كان آخر محطة تجمعنا به، ومعارضتُنا (...) للتجربة الحكومية التي سيقودها عبد الرحمان اليوسفي داعيا لدى البعض للتشكيك في مضامين هذه الأوراق أو إبداء بعض التحفظ إزاءها، وقد يدفع بالبعض الآخر إلى طرح مسألة الموضوعية والحديث عن صعوبة التحرر من الذاتية في التعاطي مع أحداث ووقائع هي جزء منا ونحن جزء منها، والاعتقاد بأن دافعنا هو الانتقام أو تصفية حسابات مع شخص أو جهة أو مع مرحلة لم نكن راضين عنها وعن اختيارات الحزب خلالها. وإذا كان لهذين الاعتراضين، اللذين قد يُوَاجَهُ بهما أي عمل تتفاعل فيه ذات الكاتب مع الموضوع المكتوب، ما قد يبرر طرحهما، فإن هناك، في نظرنا، أمرين أساسيين يخففان منهما:

الأمر الأول هو أننا لا ندعي، من خلال هذا الذي كتبناه، تقديم الحقيقة - والحقيقة، كما هو معروف، نسبية وليست مطلقة - كما لا ندعي امتلاك أسرار خاصة لا نعرفها إلا نحن، بقدر ما نروم تقديمَ ما عشناه وعرضَ رؤيتنا ومنظورنا وتحليلنا لوقائع وأحداث فعلت فينا وفعلنا فيها. والكثير من تلك الأحداث والوقائع عاشها عدد كبير من المناضلين، سواء في الشبيبة الاتحادية أو في الاتحاد الاشتراكي. وهذا بطبيعة الحال لا يصادر حق آخرين في أن يخرجوا هم أيضا عن تحفظهم وكتمانهم ليحكوا لنا تلك الأحداث نفسها، أو حتى أحداثا أخرى ربما نجهلها، كما عاشوها أو تلقوها أو فهموها. وقد يكون ذلك مفيدا في اكتمال الصورة ووضوح الرؤية، وتقديم «بنك معلومات سياسية»، وحتى تحليل، يساعد في قراءة مرحلة مهمة جدا، بل وحساسة، من تاريخنا السياسي (...).

أما الأمر الثاني، فهو أن مواقفنا من الراحل عبد الرحمان اليوسفي ورأينا فيه وفي تجربته، وكذا رأينا في عدد آخر من قادة الحزب، مثل محمد اليازغي ومحمد نوبير الأموي اللذين كانا يُنْظَر إليهما وقتئذ باعتبارهما «رأسي الحربة» في الصراع الذي شهده الحزب، لم تكن شخصية وإنما سياسية. فقد أيدناه، بمعية آخرين، في بداية مساره على رأس قيادة الحزب، ودعمنا عددا من مبادراته التي اتخذها في تدبير الحزب، وتشبثنا به كاتبا أول للحزب حين استقال سنة 1993 وغادر المغرب، فيما كان قياديون بالحزب يسعون إلى التخلص منه (...). لكننا اختلفنا معه، بمعية آخرين، في عدد من المواقف السياسية وما تبعها أو نتج عنها من قرارات أو تدابير تهم التنظيم الحزبي. لقد عارضناه سياسيا حين رفضنا موقفه الذي دفع به الحزب إلى التصويت بـ»نعم» على دستور 1996، وعارضناه لاحقا حين كنا ضد الدخول إلى تجربة «التناوب التوافقي» سنة 1998، وعارضناه تنظيميا حين قاطعنا وانسحبنا من أول مؤتمر ينعقد تحت إشرافه سنة 2001 (...).

 

3-أخطأ اليوسفي حين خاض تجربة «التناوب التوافقي»

نعم، نعتقد أن اليوسفي أخطأ في تقدير المرحلة حين دفع الحزب إلى التصويت على دستور 1996، الذي يعد تراجعا من حيث مضامينه حتى على دستور 1992 الذي صوت الحزب ضده. ونرى أيضا أنه أخطأ لما خاض تجربة «التناوب التوافقي» بعد انتخابات زورت فيها مقاعد لفائدة الحزب، والأكثر من ذلك لم يقدم فيها الملك الراحل ما يكفي من الضمانات التي تسمح للحكومة بهامش من التصرف في تطبيق الاختيارات وتجسيد البرامج. وهذا ما سيعترف به لاحقا اليوسفي نفسه في محاضرته الشهيرة التي ألقاها ببروكسيل، في فبراير من سنة 2003، حين قال: «إن تجربة السنوات الخمس المنصرمة أفهمت [الأوساط الشعبية] أن الحكومة لا تتوفر على السلطة الكافية من أجل القيام بمسؤولياتها وأنها كانت مقيدة بتقاليد عريقة»، واعترف بأن تلك التجربة انتهت بدون أن تفضي إلى ما كان ينتظر منها، وهو يقول: «لقد كان قبولنا بقيادة تجربة التناوب مخاطرة أخذنا فيها في الحسبان المصلحة الوطنية وليس المصلحة الحزبية. (...) وقد انتهت هذه التجربة بدون أن تفضي إلى ما كنا ننتظره منها، بمعنى التوجه نحو الديمقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام التي ستشكل قطيعة مع ممارسات الماضي».

كما نقدر أنه الوحيد من قادة الحزب، بل ومن القادة السياسيين في الأحزاب الوطنية المغربية، الذي أتيحت له فرصة لفعل «شيء ما»، انطلاقا من موقع الوزير الأول الذي وصله هو دون غيره من هؤلاء القادة، إذا ما استثنينا الفترة القصيرة التي قضاها عبد الله إبراهيم كرئيس للحكومة في نهاية الستينيات من القرن الماضي، لكنه لم يفعل، ولم يكن في مستوى الانتظارات التي علقت عليه.

(...) إن الكثير من الوقائع التي نتحدث عنها في هذه الأوراق «عشناها لنرويها»، كما يقول الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز. وحتى تلك التي لم نعشها، حرصنا على أن نعتمد فيها على «رواة ثقات» وعلى «مصادر عليمة» بلغة الصحافة، بعضها ذكرناها بالاسم، فيما آثرنا التحفظ على ذكر أسماء بعض آخر، نزولا عند رغبة من «فضل عدم ذكر اسمه». كما اعتمدنا أيضا على أرشيف صحافي غزير بالمعلومات والمعطيات التي تؤرخ لتلك المرحلة، كان من أهم ما ورثناه من تلك التجربة المهمة في مسارنا (...).

في هذه الأوراق التي تجد مصدرها في ما اختزن في ذاكرتنا من وقائع وأحداث حزبية وشبيبية وسياسية عامة، عشناها، أو اطلعنا عليها في مراسلات ووثائق حزبية داخلية، أو تعرفنا عليها من خلال مذكرات وحوارات لبعض القادة، سيجد القارئ الكريم نفسه في قلب سرد وتحليل لوقائع ومعلومات تحاول أن «تؤرخ» لمسار تجربة حزبية من خلال تجربة شخص، هو الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي. بعض هذه الوقائع تُقَدَّمُ لأول مرة، بل إنها قد لا تكون معروفة حتى في أوساط الكثير من المناضلين الشبيبيين والحزبيين الذين عاشوا تلك التجربة، لكن دون أن يعني ذلك أننا نملك أسرارا أو خبايا بالمعنى السحري للكلمة.

 

ملاحظة:            

 العناوين من إنجاز هيئة التحرير