الأربعاء 30 نوفمبر 2022
سياسة

بنعلي: الإجراءات الحكومية مكلفة ماليا إلا أنها لم تنعكس على القدرة الشرائية للمواطنين

بنعلي: الإجراءات الحكومية مكلفة ماليا إلا أنها لم تنعكس على القدرة الشرائية للمواطنين خالد بنعلي، الخبير الاقتصادي الدولي
أكد خالد بنعلي، الخبير الاقتصادي الدولي، على أن الإجراءات التي قامت بها الحكومة أخيرا تبقى استثنائية، مشددا في حوار مع جريدة «الوطن الآن»، على أن تلك التدابير كلفت غلافا ماليا كبيرا، إلا أنها لم تنعكس على القدرة الشرائية. كما تساءل المتحدث ذاته في وفي ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، كيف ستتمكن الحكومة من دعم مادة القمح، والمحروقات، والمواد الأساسية التي يعتمد المغرب على استيرادها..
 
 
* ماهو تعليقك على التدابير الاستثنائية التي قامت بها الحكومة لمواكبة الارتفاع المسجل في أسعار المحروقات؟
بخصوص سؤالك حول ما أسميته بـ «التدابير الاستثنائي»، فهي فعلا استثنائية على اعتبار أن الظرفية الحالية تتسم باستمرار ارتفاع أسعار المحروقات، وأسعار المواد الأولية، وهي وضعية تطرح العديد من الإشكالات على مستوى الطلب الداخلي، وعلى مستوى تموين السوق بالمحروقات، والتوفر على المخزون الكافي، وعلى مستوى المقاربة الاجتماعية أيضا، للحفاظ على السلم، والاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا السياق، فإن التدابير التي يتم اعتمادها تهدف أساسا إلى الحد من انعكاسات هذه الارتفاعات التي تعرفها الأسعار على المواطن بشكل أساسي، كما تهدف إلى دعم المقاولة في برامج إنتاجها، على اعتبار أن التخفيض من الكلفة عن طريق هذه الإجراءات، والتدابير الاستثنائية سيؤدي إلى الحفاظ على مستوى الأسعار.
وفي هذا الإطار، يمكن أن نسوق كمثال قطاع مقاولات البناء الذي أصبح عاجزا عن الوفاء بالتزاماتها في سياق الصفقات التي حازت عليها، والتي لها علاقة بمجموعة من القطاعات الوزارية.
وعليه، نؤكد أن هذه الإجراءات تطلبت توفير غلاف مالي كبير، من أجل الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، إلا أن هذا الأخير، لم يلمس لحدود اليوم، أي انعكاسات لهذه الإجراءات على مصاريفه اليومية.
قد تلعب الوساطات، والمضاربة دورا كبيرا في استمرار ارتفاع المواد الأساسية خلال الشهر الفضيل، إلا أنه بالرغم من هذه الفرضية فالحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات أخرى لحماية الاستقرار الاجتماعي مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وضبابية المشهد الاقتصادي العالمي. 
 
* بتمديد دعم مهنيي قطاع النقل الطرقي تتوخى الحكومة تفادي أي اضطراب في تكلفة التنقل بالنسبة للمواطنين. لكن ماذا عن استمرار ارتفاع المواد الأساسية؟
بخصوص دعم النقل الطرقي، أعتقد بأن الهدف من هذا الإجراء هو الحفاظ على مستوى الأسعار بخصوص تنقل المواطنين، ولكنه يبقى إجراء ظرفيا، ويطرح تساؤلا: كم الوقت يمكن للحكومة أن تمول هذه الإجراءات في ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، هذا من جانب.
من جانب آخر، فقطاع النقل لاسيما سيارات الأجرة داخل المدن، والتي تربط بين المدن، تطرح مجموعة من الإشكاليات بين العلاقة بين السائقين وأصحاب المأذونية.
وفي هذا السياق، العديد من مهنيي النقل لم يستفيدوا من الدعم، وبالرغم من ذلك يبقى هذا الدعم هزيلا حين تكون السيارة في ملكية صاحب المأذونية، ويتناوب سائقان على السيارة، وبالتالي باقتسام مبلغ 1600 درهم على المتدخلين الثلاثة في سيارة الأجرة، لن يفيد في شيء.
وبالتالي نعتبر هذا الإجراء هاما، ومكلفا ماليا، لكن هل قضى الغرض الذي تتوخاه الحكومة، وهل تستطيع هذه الأخيرة الاستمرار في منح ذلك الدعم، في حال طالت مدة الأزمة الروسية الأوكرانية.
 
* ناهز الدعم المخصص لمادة القمح اللين ثلاثة ملايير درهم منذ مطلعِ السنة الجارية.. إلى متى تستطيع الحكومة الصمود أمام تداعيات استمرار الحرب الروسية الأوكرانية؟
بخصوص هذا السؤال، وفي ما يتعلق بالرقم المالي المشار إليه فهو مهم، لكن يجب التمييز بين شيئين، هل 3 ملايير درهم تأتي في ظل توفر المغرب على مخزون يقارب حسب تصريح سابق للحكومة خمسة أشهر فقط، وفي ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، ومع كل التداعيات الاقتصادية لذلك، وفي ظل شح التساقطات المطرية هذه السنة؟ وبالتالي فتحقيق فرضية 70 مليون قنطار المدرجة في قانون المالية لهذه السنة، تبقى غير واردة.
وفي حال استمرار الحرب الروسية، كيف ستتمكن الحكومة من دعم مادة القمح الذي يعتبر أساسي.
هذه أسئلة جوهرية، والمفروض أن تصرح الحكومة بأجوبة مباشرة حول هذه الإشكاليات، علما بأن المقاربة الحالية بالنسبة للحكومة تعتمد على تجميع الموارد، والعمل في شكل مقاصة بالنسبة لعدد من القطاعات، ولا تفكر في مراجعة مستوى الضريبة على الدخل، ولا مراجعة مستوى الضريبة على استهلاك المحروقات، إلا أنها تفكر في اتجاه تجميع المداخيل، وإعادة توزيعها عبر مداخل معينة.
 
* أشاد صندوق النقد الدولي، مؤخرا بالإجراءات التي اعتمدها المغرب لجعل الاقتصاد في وضع مريح لاسيما في ظل ارتفاع أسعار الطاقة. ما هو تعليقك؟
في السنوات الأخيرة، أعتقد بأن تقارير المؤسسات الدولية لا تختلف كثيرا عن تقارير المؤسسات الوطنية، بالرغم من اختلاف آليات، وتقنيات ونماذج الاحتساب، الشيء الذي يؤكد أن الإجراءات التي تم اتخاذها منذ سنوات قد أعطت أكلها، وساهمت بشكل أساسي في الحفاظ على مستوى التواجد داخل الاقتصاد الوطني، وعلى مستوى معدل النمو، وجعل هذا الاقتصاد في وضعية مريحة.
ولا نخفي أهمية الإجراءات التي تم اتخاذها فترة الجائحة، بدعم الفئات التي لا تتوفر على دخل، ودعم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لكي لا يتوقف بشكل نهائي، بالإضافة إلى التحفيزات البنكية للمقاولات، جميع هذه الأوراش، أعطت اليوم  أكلها، ولو لم تكن أزمة أوكرانيا حاضرة هذه السنة، لكان الاقتصاد المغربي قد سجل نفسا جديدا وأرقاما جديدة، بالرغم من شح التساقطات المطرية.
من جهة أخرى، لابد من التوقف على أن مقاربة صندوق النقد الدولي تشير إلى أن المعطيات الجيوسياسية، والجيواقتصادية غير واضحة، بل تتسم بالضبابية وغير واضحة المعالم حتى على مستوى الثلاثة أشهر، أو الأربعة أشهر المقبلة، عسى أن نتكلم عن سنة أو سنتين، لكن فالكل ينتظر أن يكون هناك تراجع تدريجي خلال السنتين المقبلتين. 
 
* هل يعيش المغرب فعليا تعافيا اقتصاديا في ظل تأثر الإنتاج الفلاحي وأزمة أوكرانيا وارتفاع الأسعار الأولية والنفطية؟
حين نتكلم عن التعافي الاقتصادي، هذا الأخير يعني أن الاقتصاد عرف مجموعة من الأزمات في فترة معينة على مستوى مجموعة من القطاعات، أدت إلى عدم تحقيق معدلات نمو تمكن من توفير فرص الشغل، والاستمرار، والعيش الكريم للمواطنين.
هذه الوضعية بالنسبة للمغرب جاءت في سياق عالمي تعلق بأزمة كوفيد 19، وحتى قبل ظهور فيروس «كورونا»، كانت هناك مؤشرات، إلا أن هذه الأزمة ساهمت  في انكماش الاقتصاد الوطني بأكثر من 5 في المائة سنة 2020.
تم استدراك هذا الانكماش سنة 2021، بفضل مجموعة من الإجراءات التي تم اتخاذها، سواء ذات الطبيعة الاقتصادية، أو الاجتماعية أو المالية، وبالتالي فالحديث عن تعافي الاقتصاد الوطني نسبي، أولا بسبب انعكاسات الأزمة الأوكرانية الروسية، تم ارتباط المغرب بالنسبة لمجموعة من المواد بالأسواق العالمية، وتقلبات الأسعار، الأمر الذي يجعل هذه الوضعية غير واضحة المعالم، ولا يمكن معها  بلورة أي تصور مستقبلي.
الآن، كل دول العالم تحاول البحث عن إجراءات تمكنها من الحفاظ على الوتيرة الاقتصادية باللجوء إلى المالية العمومية لتقديم الدعم في مجموعة من القطاعات، وهذه الإجراءات حين يتم التطرق إلى الدعم والمساهمات من طرف الحكومات فمعناه أن هناك مجموعة من الإجراءات، والاعتمادات المالية التي سيتم إعادة برمجتها في إطار مخطط يأخذ الأولويات الاقتصادية، والاجتماعية كمدخل أول، تم البحث عن آليات الاستمرار في نهج معين، إلا أن الأفق اليوم، غير واضح بالنسبة لجميع دول العالم، كما أن مجموعة من القطاعات الاقتصادية تبحث عن نفسها، وتحاول الحد من شبح الأزمة.