الخميس 25 إبريل 2024
سياسة

حولت طلبة الجامعة إلى وقود: كيف خسرت جماعة العدل والإحسان الرهان بعد انبطاح أردوغان؟

حولت طلبة الجامعة إلى وقود: كيف خسرت جماعة العدل والإحسان الرهان بعد انبطاح أردوغان؟ رجب طيب أردوغان ومحمد العبادي
كنت أشرت في أكثر من بوح سابق أن الطوابرية يعيشون خريفهم، ويتساقطون واحدا تلو الآخر، ولم يعد الرهان عليهم مغريا لجهات عديدة. اليوم يتضح صحة ما قلت سابقا، حيث صار الرهان الأكبر على طوابرية الإسلام السياسي، وعلى رأس قائمتهم جماعة عبد السلام ياسين لعلها تفي بالغرض وتحقق بعضا من الأهداف التي تتبناها مجموعة جهات دولية وإقليمية لإضعاف المغرب.
في ظرف وجيز، لا يتعدى الأسبوع، تنشط ماكينة العدل والإحسان الصدئة بعد طول كمون وانشغال بإعادة ترتيب بيت داخلي متصدع ومتصارع حول ميراث الشيخ ياسين الذي يتنازعه أكثر من تيار ويؤوله أكثر من قيادي بما يخدم مصالحه. وتتحرك بالموازاة معه ماكينة دعائية إقليمية صارت مهامها القذرة معروفة للنفخ في هذه الجماعة ويجتهد باقي الطوابرية في رماد بارد. وكالعادة، لا تحسن الجماعة المعلومة غير "التبوحيط" وخطاب المظلومية ولعب دور الضحية، ولم تجد قضية أخرى تحرك بها جمهورها "المحنط" و الغائب عن الميدان" وغير المتجاوب مع نداءات قياداتها غير قضية فلسطين التي صارت أصلا تجاريا لدى جهات في الجماعة، سواء بالإثراء عبر جمع التبرعات أو بالرهان عليها لتحريك الشارع وصناعة القلاقل والتغطية على الخلافات الداخلية. لقد اعتادت الجماعة تجميد الدينامية الداخلية بمبرر الحصار المخزني والظروف الموضوعية التي لا تسمح بنقاش داخلي حول مآل الجماعة الكارثي في ظل القيادة الجديدة لزمن ما بعد الشيخ ياسين.
هل هي محض الصدفة تلك التي جعلت تنظيمَ الجماعة لنشاط وطني سياسي في فضاء جامعي بعنوان تضامني مع فلسطين يتزامن مع نشر مقال لعلي لمرابط على موقع "ميدل إيست آي"، يصور فيه الجماعة وكأنها تتعرض لحرب؟ وانتبهوا لمصطلح حرب لفهم صيغة المبالغة في تصوير وضعية جماعة تخرق القانون وتتصدى لها السلطات لإنفاذ القانون في مراعاة لحقوق كل المعنيين.
"ميدل إيست آي"، موقع تموله قطر كما لا يخفى على أي متابع، وخطه التحريري إخواني الهوية وتركي الهوى، وواجهته بريطانية للتمويه فقط. هذا الموقع لا يفوت فرصة لتقطير السم على المغرب ولا يفتح باب الكتابة على صفحاته إلا لفئة يعرف مسبقا تحيزها وعدم مهنيتها وطابعها العدواني الذي يحركه الحقد ومنطق تصفية الحسابات ضد المغرب ويتعمد تجاهل وجهات النظر الأخرى حول المغرب مما يؤكد أنه مركب بشكل ممنهج ليعادي المغرب. يختار هذا الموقع ما ينشر على صفحاته من مضمون بعناية ويوجه كتابه إلى مواضيع محددة حسب كل لحظة وفق أجندة تخدم مصالح أصحابه، وقد اختار هذا الأسبوع ترميز الجماعة المعلومة لأنها تقدم خدمات لمن تقلقه انتصارات المغرب ويغضبه انحيازها لمصالح الشعب الفلسطيني، ولا سيما في ظل الانتكاسة التي يعرفها نظام أردوغان والتيار الإخواني المحسوب عليه والذي بدأت روائحه النتنة تفوح بعد ما تسربت حقائق كثيرة عن علاقاته الخفية مع إسرائيل واستعداده لبيع المقاومة مقابل مصالحه.
وعلي لمرابط، الكاتب رهن الإشارة مقابل دولارات معدودات، مستعد لتجميع أخبار متفرقة ونسجها في قالب دعائي تهويلي ليبين أن المخزن يخوض حربا ضروسا ضد العدل والإحسان دون أن يتحقق مما ينشر أو يكلف نفسه عناء ذكر الرواية الأخرى، ومع ذلك "يخرج عينيه" ويسمي ما تخط يداه تحقيقا أو مقالا صحفيا. وطوابرية مثل حاجب، رهن الإشارة كذلك لنسيان ماضيه الجهادي والتعاطف مع الجماعة التي كان يكفرها ويكفر من ينتمي أو يتعاطف معها. هزلت بما تحمل الكلمة من معاني.
والعدل والإحسان الغارقة في خلافاتها الداخلية والتي صار غسيلها الداخلي منشورا على مواقع التواصل الاجتماعي في حاجة إلى حدث خارجي تجمع به شتاتها وتوحد صفها ويشغل أعضاءها عن التنقيب على انحرافات القيادة. ولن تجد كالعادة أفضل من افتعال صراع وهمي تقحم فيه المخزن وتلصق به كل ما تعانيه من تراجع وتشتت. ومن أجل هذا الهدف تجيز قيادة الجماعة كل شيء بما في ذلك استعمال العنف وتعطيل مصالح المغاربة.
بدأت القصة من تطوان، حيث استفاق طلبة الجماعة متأخرين كالعادة ليصنعوا حدثا في غير توقيته ولا سياقه ليكون سببا في توتر بين فصائل طلابية ينتهي بالعنف المتبادل واستعمال العصي والهراوات والحجارة وتكسير منشآت عمومية والاستعانة بعناصر من خارج الجامعة. هل يستسيغ عاقل أن تنظم انتخابات لممثلي الطلبة في شهر أبريل وقد مر من السنة الجامعية معظمها ولم يتبق إلا أسابيع منها؟ وهل يصح تنظيم انتخابات طلابية لا سند قانوني لها؟ وهل يقبل الطلبة تنظيم هذه الانتخابات وهم على أبواب الاستعداد للامتحانات؟
ولأنه إذا عرف السبب بطل العجب، فإن الانتخابات لم تكن إلا طعما لاستدراج باقي مكونات الجامعة للرد العنيف وهو ما تنتعش وسطه الجماعة وطلبتها. وكلنا نتذكر التاريخ الدموي داخل الجامعات في تسعينيات القرن الماضي.
أحداث العنف في جامعة تطوان كانت مجرد بداية ومؤشرا على ما تنوي الجماعة القيام به، ولحسن الحظ لم تنجر إدارة الجامعة والسلطات إلى فخ الجماعة وأبطلت مفعول الألغام التي كانت تنوي الجماعة المحظورة تفجيرها.
انتقلت الجماعة بعد ذلك إلى الشارع لتنظيم وقفات أمام المساجد بعد صلاة الفجر استجابة لنداء إخوان العالم وهو ما يؤكد أن شعاراتها بالاستقلال عن التنظيم الدولي الإخواني موجهة للاستهلاك، ويتضح مناسبة بعد أخرى أنها جزء من التيار الإخواني العالمي بشكل من الأشكال، وأنها دمية في يد هذا التيار، وخاصة فيما يرتبط بالمؤسسات التركية والإخوانية والحمساوية التي تشتغل في موضوع فلسطين. ومرة أخرى تصاب الجماعة بالصدمة، وهي ترى انصراف المصلين إلى شؤونهم وعدم التجاوب مع نداءاتها لوقفات ما سموه حملة "الفجر العظيم".
لم يبق أمام الجماعة إذن، لجلب الانتباه وتقديم الخدمة اللازمة، غير المغامرة بطلابها الذين كان يسميهم عبد السلام ياسين رمح الجماعة وذراعها التي تبطش بها.
هل يقبل منطق أن ينظم طلبة الجماعة نشاطا سياسيا ذو بعد وطني وبشراكة مع هيئات سياسية داخل الجامعة في آخر السنة؟ وللعلم فقط فقد نظموا أكثر من نشاط بمناسبة يوم الأرض قبل أسبوع دون أن يتصدى لهم أحدا. وكانت الأعداد الضئيلة للمشاركين رسالة من المغاربة إليهم ولغيرهم من المتاجرين بالقضية الفلسطينية. هل أصبحت الجامعة فضاء للأنشطة الحزبية تحت غطاء إطار طلابي جمعوي يعرف كل المتابعين وضعيته القانونية والسياسية؟ وهل صارت الجامعة وكالة بدون بواب وبناء بدون إدارة؟ وهل يجوز تحت مبرر الحرم الجامعي أن يعيث أعضاء الجماعة، ومنهم طلبة وغير طلبة، الذين حجوا من مختلف مدن المغرب فسادا داخل الجامعة ويعطلوا مصالح الطلبة ويحتلوا المدرجات وكل الفضاءات؟ وهل تنكر قيادة الجماعة أن النشاط خطط له مع جهات لا علاقة للطلبة بها؟ وهل ينكرون أن الأمر يتعلق بإنزال وطني؟ وهل ينكرون أنه تمت الاستعانة بعناصر من خارج الجامعة؟
لم تكن قيادة الجماعة تتوقع منع النشاط لأنها تعيش على أوهام الماضي، وتظن أن فضاء الجامعة ملكا لطلابها، وتتوقع تحرج السلطات من منع نشاط حول القضية الفلسطينية. تقديرات قيادة الجماعة خاطئة دائما ومعلوماتها التي تستقيها من طلبتها مغلوطة كليا. وُضِع القانون ليسري على الجميع، وكل نشاط بهذه الصيغة الملتبسة مصيره المنع تطبيقا للقانون بغض النظر عن موضوعه وتوقيته والجهة المنظمة له.
خسرت القيادة العدلية الرهان وأصبحت في وضع حرج تجاه أسيادها في الخارج فلم يكن أمامهم إلا تضخيم المنع وكيل التهم للسلطات واصطناع اصطدامات من مخيلتهم. وليصدق الأسياد الرواية المهزوزة كان يلزم التبوحيط لالتقاط صور تصور تدخلا أمنيا عاديا لتفريق متجمهرين وكأنه مجزرة، ولينشط بالموازاة مع هذا التبوحيط نضال الهاشتاغات والتدوينات والتصريحات الكاذبة دون مراعاة حرمة شهر رمضان. و" براح " الجماعة حسن بناجح المتخصص في هذا الأسلوب موجود وراء حاسوبه للتدوين وخاصة أنه "بطالي" وهذه مناسبة ليحل المانضة الشهرية التي يتلقاها من مالية الجماعة.
يستغرب من يتابع تدوينات قيادات الجماعة التي تقاطرت يومها بشكل غير مسبوق من حجم المبالغة والكذب في شهر رمضان ولكن هذا الحجم يبين فعلا طبيعة الرهان السياسي الكبير على إقامة هذا النشاط الذي أحسنت السلطات طريقة إبطال مفعوله. غلب على ما تنشره قيادات الجماعة الترويج والتضخيم بشأن اعتقالات بالجملة والحقيقة أنها إجراءات عادية تمت مع أشخاص لا علاقة لهم بالجامعة يصرون على دخول جامعة بدون مبرر وتم إطلاق سراح الجميع بعد وقت قصير. واستفزازات هذه العناصر لجر السلطات للتدخل لم تنجح حيث كان التدخل الأمني في حدوده الدنيا وفي احترام تام للقانون.
هل تستطيع قيادة الجماعة التصريح أمام العلن بنتائج حملتها في مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل يمكنها الإعلان عن أعداد المتفاعلين مع هاشتاغاتها؟ حتما لن تستطيع لأنها تعرف مسبقا أنها الشوهة بكل ما تحمل الكلمة من معاني وتعرف الجماعة أن تصريحها بهذه الأرقام يكشف تواضع أعدادها الذي يفضحها أمام اليسار الذي ما يزال في دار غفلون ويراهن على القوة العددية للجماعة. وهل بإمكان قيادة الجماعة مصارحة الرأي العام بحقيقة دفعها طلبة أبرياء إلى الساحة الجامعية وهي على علم أن النشاط تم منعه بطريقة قانونية؟ هل تنكر قيادة الجماعة أنها بهذا الاختيار تتعمد استفزاز السلطات وجرها إلى مواجهة من طرف واحد؟ هل كان الهدف هو تقديم دليل ملموس على صحة عنوان مقال "ميدل إيست آي"، إذن؟ وهل يجوز من الناحية الدينية في هذا الشهر الكريم دفع طلبة أبرياء إلى هذه المواجهة؟ هل هذا هو ما تتقنه الجماعة؟ ألا يؤكد رد الجماعة المتشنج على منع عادي لنشاط غير قانوني بأن رهانها على تنظيم هذا النشاط كان سياسيا؟
لا شك أن الرسالة بعد هذا الحدث وصلت لقيادة الجماعة، وعليها أن تعرف أن زمن السيبة ولى إلى غير رجعة، وأنها فضحت نفسها وورطت طلبتها وكشفت حقيقتها أمام من تستعرض عضلاتها السياسية عليهم الذين اكتشفوا أن قوة الجماعة مجرد ادعاء ووهم ملازم لقيادتها.
الجامعة فضاء دراسي له حرمته، وفضاء إشعاعي مفتوح للطلبة بعيدا عن التبعية العمياء لحسابات حزبية تخدم أجندات أطراف لا علاقة لها بها، ودور الإدارة والسلطات هو تفعيل القانون ضد كل من يخرقه. وعلى كل الجهات الانتباه إلى هذا الحادث والاستفادة من خلاصاته. وليتق اللهُ طلبة العدل والإحسان في الجامعة وطلبتها فلم يعد هذا الفضاء يحتمل مغامراتهم التي يمكن أن تحول فضاء علميا إلى ساحة دم.
قد يتساءل البعض عن سبب هذا الانخراط للجماعة التي تدعي أنها مغربية ووطنية في هذه الحرب ضد المغرب. وقد يتساءل البعض لمصلحة من تشتغل؟ وهل تنخرط في هذه الأجندة العدوانية ضد المغرب بوعي أو بغير وعي؟
الخطوات المتسارعة لأردوغان في الانبطاح، واستعداده التام لتقديم كل التنازلات لربح انتخابات الرئاسة المقبلة، ورغبته في التغطية على هذه السياسات حتى لا يخسر شعبيته " كخليفة " للمسلمين تجعل ماكينته الدعائية تبحث عن صناعة أحداث وتضخيمها ولفت الانتباه الشعبي إليها لصرف الاهتمام عن سلوكاته وتوجيه أصابع الاتهام بالتطبيع لغيره من الدول التي يراها تنافسه في نادي الكبار. وهذه هي الأجندة التي تشتغل وفقها العدل والإحسان. تشتغل بوعي أو بدون وعي لا يهم لأن النتيجة واحدة.
 
عن موقع "شوف تيفي"