الأحد 29 مايو 2022
كتاب الرأي

أمين بوشعيب: بنكيران آخِر الشعبويين في المغرب

أمين بوشعيب: بنكيران آخِر الشعبويين في المغرب أمين بوشعيب

السياسي الناجح هو من ينال احترام الناس، ويحظى بتقديرهم، فهو ذلك الإنسان الذي يتمتع بالمصداقية والأمانة، فتجده محبوبا قريبا من الناس، يسعى دائما لإدارة حياتهم وتحسينها من خلال إصلاح الشأن العام وتطويره.

 

تعالوا نتمعن في المشهد السياسي المغربي، ونرى مدى تطابق هذه السمات على أرض الواقع.

 

بعد حراك 20 فبراير 2011 عرف المغرب صعود العديد من السياسيين المعروفين بشعبويتهم، فقد تم انتخاب عبد الحميد شباط أميناً عاماً لحزب الاستقلال، ومباركة عبد الإله بنكيران من قبَل إخوانه على رأس الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، وتنصيب إلياس العماري ومن بعده عبد اللطيف وهبي عن حزب الأصالة والمعاصرة، وانتخاب إدريس لشكر من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ويبدو أن لهذا الصعود تأثرا بالتيار الشعبوي الذي عرف صعودا ملحوظا في أوربا وخاصة في أمريكا، وانتخاب دونالد ترامب، كبير الشعبويين، رئبسا للولايات المتحدة الأمريكية.

 

لقد أثارت موجة الصعود السياسي لهؤلاء الشعبويين المخاوف والقلق في أوساط الساحة السياسية، ورأوا فيهم تهديدا كبيرا للديمقراطية الناشئة في المغرب، بسبب الطابع الغوغائي الذي يتسم به خطاب هؤلاء.

 

في هذه المقالة أريد أن أركز فقط على شخص أثار كثيرا من الجدل بشعبويته الزائدة، ولأنه عاد إلى ممارسة العمل السياسي، بعد ان ارتكب أخطاء قاتلة في حق الشعب  المغربي ودمّر حزبه تدميرا عن سبق إصرار وترصد، هذا الشخص الذي لا يملك من أدوات السياسة سوى لسانه السليط الطويل، بدأ مشواره السياسي من العمل  الإسلامي الجهادي السري، ثم انتقل  إلى الممارسة السياسية والرهان على صناديق الاقتراع، فانخرط في حزب سياسي سيعرف فيما بعد بحزب العدالة والتنمية الذي استطاع في سنوات قليلة تصدر المشهد السياسي المغربي. إبان المؤتمر السادس لحزب العدالة والتنمية لمع اسمه فاستلم القيادة من خلفه آنذاك، وفي هذا الصدد يقول المراقبون "إن أنصار الحزب اختاروا عبد الإله بنكيران لزعامة الحزب خلفا للعثماني، لقوته في المواجهة، ولقدرته على ضراوة المعارك التي أعلنتها الدولة لسنوات منذ تفجيرات 16ايار/مايو 2003 التي اتهم الحزب فيها بعدم الوضوح الإيديولوجي الكافي في علاقته بالسلفيين، وبالمسؤولية المعنوية عن تلك التفجيرات ودفعت إلى المطالبة بحله".

 

ومنذ ذلك الوقت بدأ عبد الإله بنكيران يقدّم نفسه للرأي العام المغربي والدولي في صورة الرجل المسؤول والمعتدل في أفكاره ومواقفه، بيد أن تطلعاته لم تكن فقط تطلعات تنظيمية، من خلال التقريب بين مكونات من الساحة الإسلامية، بل سعى إلى فتح الباب في مسار طمأنة القصر، لأنه يدرك بأن حسن العلاقة مع القصر ممكنة، وبعد فوز حزبه في الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في سنة 2011، مستفيدا من رياح الحراك الشعبي التي عمّت ربوع البلاد، واضطرار السلطات المغربية إلى إقرار دستور جديد  بصلاحيات سياسية غير مسبوقة، قدم الدليل لولائه وتعلقه بأهداب العرش العلوي المجيد، إذ مباشرة بعد تعيينه رئيسا لأول حكومة إسلامية، قام بتنازله طوعيا عن صلاحياته التي خوّلها لها دستور 2011، والتي لمْ يسبقْ أنْ حظيَ الوزراءُ الأوّلون السابقون بمثلها، حيث صرح في مقابلة أجراها مع لإحدى القنوات التلفزيونية ، إن “الفاعل الرئيسي والحاكم الوحيد في المغرب هو الملك محمد السادس”، وأضاف شارحا: “الملك يتمتع برئاسة الحكومة برئيسها، وهو أمير للمؤمنين والقائد الأعلى للقوات المسلحة، لذا هو الحاكم وتابع قائلا: “لديّ صلاحيات؛ لكنها تقع في إطار صلاحيات الملك. وفي المغرب، هناك حاكم واحد. وهذا ينسجم مع قناعتي”، متابعا: “أنا أؤمن بالتعاون، ولو دخلت في نزاع مع الملك لكانت التجربة ستنتهي، والمغاربة لا يحبّون النزاع، وهم راضون عن هذا التعاون".

 

وهذه إشارة ما فتئ يبعث بها بنكيران مفادها أنه مستعدّ لتنزيل الدستور الجديد بالطريقة التي ترضي القصر، ولا تجلب عليه أية متاعب هو في غنى عنها. لكن، ورغم كل القرابين التي قدمها بنكيران، ورغم كل التنازلات، إلا أن الملك قام بإعفائه من تشكيل حكومته الثانية، بعد أن عيّنه بذلك.

 

أحد السياسيين المغاربة، وهو يرد على بنكيران، وصف ما قام به بنكيران بالإذعان والخضوع، بل وتبخيسا لدور مؤسسة رئاسة الحكومة في المغرب، وأن الشعب المغربي ناضل من أجل أن تحتلّ المكانة اللائقة بها في الدستور، ولتكون لها تلك الصلاحيات التي منحها إياها الدستور الجديد".

 

لقد كان بإمكان بنكيران أن يستغل الصلاحيات التي خولها الدستور لمؤسسة رئاسة الحكومة، لكنه فشل في توظيف تلك الفرص من أجل إعادة الاعتبار للعمل السياسي وللطبقة السياسية.

 

فلاش: المفكر الهندي بارثا تشاترجي صاحب كتاب «أنا الشعب»، بيّن كيف أن الشعب المقصود والمعنيّ به القائد الشعبوي هو ذلك «القادر على ربط الكثير من المجموعات المختلفة المحتقنة الساخطة التي تعاني من مظاهر مختلفة في تشكيل واحد يسمى (الشعب)». وذهب إلى اعتبار الشعبوية هي مجال للصراع بين الشعب والنخب السياسية التي فشلت في تلبية حاجياته وتأمين العدالة الاجتماعية للجميع بشكل أنتج فئات غير متجانسة في الفكر والخلفيات تجتمع ضمن عاطفة مشتركة تقوم على الشعور بالحرمان وتحتجّ ضد الجماعات التي تحتكر الثروة والامتيازات والسلطة".

 

أظن أن الذين أعادوا بنكيران إلى الواجهة (وأنا لا أقصد الذين انتخبوه في المؤتمر السابع) إنما أعادوه ليقوم بهذه المهمة التي تحدّث عنها المفكر الهندي المشار إليها في هذا "الفلاش" لأنه لا يوجد في المغرب خير منه يتقن خطاب المعارضة والمظلومية ولغة التدجين. إنه مستعدّ للقيام بأي دور يُطلب منه، أوَ لا يتقاضى على ذلك راتبا سمينا بدون وجه حق؟ بلى.