الثلاثاء 24 مايو 2022
فن وثقافة

مذكرات امحمد التوزاني: هذه تفاصيل لقاءاتي بالراحل الفقيه البصري وسعيد بونعيلات بالجزائر(ح 18 )

مذكرات امحمد التوزاني: هذه تفاصيل لقاءاتي بالراحل الفقيه البصري وسعيد بونعيلات بالجزائر(ح 18 ) المناضل امحمد التوزاني، يتوسط الفقيه البصري، والمقاوم سعيد بونعيلات(يسارا)

المناضل امحمد التوزاني.. سليل حركة التحرر المغاربية والعربية من مواليد سنة 1938 بتازة، حمل في المنفى 13 اسما حركيا من بينه صديق غسان كنفاني، رفيق درب الفقيه البصري، ناضل بمعية وتحت قيادة الشهيد المهدي بنبركة وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد باهي، وغيرهم..

التحق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مرحلة التأسيس وتكلف ضمن اللجنة التنظيمية للمؤتمر بالجانب التنظيمي واللوجستيكي إلى جانب المرحوم مصطفى القرشاوي وفاصل الناصري وأحمد الخراص.

التقى أول مرة بالشهيد المهدي بنبركة عام 1962 حين كلف بمهمة استقباله بفاس والذهاب به إلى تاهلة ليؤطر تجمعا جماهيريا كان قد هيأ له الفرع الحزبي هناك.

ساهم في تأسيس حركة الاختيار الثوري بعد انتقاله إلى باريس إلى جانب عبد الغني بوستة السرايري وأحمد الطالبي المسعودي رغم كفره بمغامرات قائده ومثله الأعلى محمد الفقيه البصري..

" أنفاس بريس" تنشر مذكرات المناضل امحمد التوزاني، والتي تسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ المغرب السياسي...

 

الأستاذ امحمد التوزاني ماذا بعد استقبالك بمطار الهواري بومدين وذهابك الى الفندق بالجزائر العاصمة؟

وطئت قدمي أرضية مطار الهواري بومدين بالجزائر بتاريخ 17 اكتوبر 1967، وكنت أرتدي بذلتي العسكرية كضابط سوري برتبة ملازم ثاني. وقد تعمدت أن ألبس بذلتي وأدخل بها الى الجزائر، وكما قلت لك. لذلك السبب وبسبب حملي للجواز الدبلوماسي استقبلت بالمطار استقبال الأبطال وتم تسهيل إجراءات المرور وأحاط بي رجال الشرطة كل يريد تقديم المساعدة وسألوني عن أجواء حرب يونيو 1967، حكيت لهم عن أسباب الهزيمة وأعطيتهم أملا في المستقبل. وتجب الإشارة إلى أن بومدين تعهد لجمال عبد الناصر بتعويض كل خسائر مصر من الحرب بخصوص العتاد العسكري، وقد وفى بوعده الى حد كبير. وقد وقف ذلك الموقف الشهم كي يركز شرعيته بين الأنظمة التقدمية نظرا لأنه أتى للحكم إثر انقلاب على رجل الثورة الجزائرية أحمد بنبلة.

انتقلت من المطار الى الفندق ومن الفندق إلى سفارة سوريا دون أن تصرف دولاراتك، أهو كرم جزائري أم سوري؟

كرمهما معا. لقد أعطاني شرطي جزائري قروشا حين حاولت الاتصال بسفارة سوريا من المطار ولما لم أتمكن من الاتصال أعدت له دراهمه. ولما أوصلني سائق الطاكسي الى الفندق طلب من إدارته أن يعطوني نقودا جزائرية الى حين كما طلبت الشرطة، ومما أخذت من إدارة الفندق أديت ثمن الطاكسي وذهبت للسفارة ومن هذه الأخيرة أخذت دينارات جزائرية، فأعدت الدين الى الفندق مضاف إليه سومة المبيت.

وكيف مرت الأمور في السفارة؟

كما أوصاني صلاح الجديد فقد سألت في السفارة عن الأتاسي (ليس رئيس دولة سوريا بل موظف بالسفارة لا أذكر اسمه الشخصي ولا أعرف هل هو السفير أم غيره). المهم أنه استقبلني بحفاوة ووجدت انه علم بدخولي يوم الأحد. وحينها اتصلوا بالفقيه البصري فلم يجدوه واقترح علي الأتاسي أن أذهب معه إلى منزله فرفضت واقترح علي أن يأخذوا لي فندقا فرفضت و اقترحت عليهم أن يأتوني بسرير و يضعوه بمطبخ السفارة و هناك أقيم الى أن يظهر الفقيه البصري.

ولماذا رفضت عروض الأتاسي وفضلت الإقامة بمطبخ السفارة؟

كان ذلك حرصا مني على أن أبقى بعيدا عن الأنظار، فوصية البصري بالسرية وعدم الاختلاط بالناس تلاحقني وأطبقها بشكل دقيق وليلة المبيت بالفندق قبل الذهاب الى السفارة كانت لأنني كنت مضطرا. فلمدة سنة ونصف قبل دخولي الجزائر كنت قد قطعت علاقاتي بالمغاربة وبالمناضلين ولم أعد أذهب إلى مقر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بسوريا ولم أعد أجتمع بخلية الحزب ...الخ.

كم من الوقت قضيت بسفارة سوريا بالجزائر؟

يومين فقط وكانوا يهاتفون الفقيه كل يوم ووجدوه في اليوم الثالث. أول ما دخلت السفارة دردشنا قليلا من الوقت أنا و الأتاسي عن أحوال البلاد بسوريا، و بعد أن استقريت بالسفارة قرأت كل الجرائد السورية و الجزائرية الناطقة بالعربية وبذلك شغلت وقتي الى أن أتى الفقيه البصري في اليوم الثالث ومعه سعيد بونعيلات وقدمه لي باسم ( خالي موح ) وفي اللحظة التي كان البصري يقدم لي خالي موح رمق بيدي علبة سجائر جزائرية اسمها طارق. فقدمني له على أن اسمي طارق، وذلك كان أول وآخر اسم حركي يطلقه علي الفقيه في حين أطلقت على نفسي إثنى عشر اسما حركيا كان كل واحد منها مع فريق جديد أدربه عسكريا.

من سفارة سوريا بالجزائر إلى أين كانت الوجهة، هل الى معسكر حمام بوحجر؟

ليس بعد. لقد ذهب بي الفقيه البصري إلى بيته بالعاصمة الجزائرية وهو عبارة عن ڤيلا بجانب البحر بحي " ليجي بلاج "

وهو حي لا شك أنه محمي أمنيا ففيه يسكن عدد من الوزراء والضباط الجزائريين وبجوار بيت الفقيه منزل أحد قيادات الدرك الجزائري منزل وزير دولة جزائري وڤيلا لسكن ومكاتب لدبلوماسيين سوڤيات.

لما دخلنا الڤيلا أعطاني البصري غرفة خاصة وقدم لي طباخه الخاص ويسمى بولحية الذي سبق له أن كان في المقاومة، وقد حكى لي بولحية عن مشاركته في أحداث كاريان سنطرال، وهو من اللاجئين المغاربة بالجزائر وأسرته تقيم بوهران ويذهب لرؤيتها في أوقات محددة.

بعد يومين من دخولي بيت الفقيه ذهب الى فرنسا وكلف بولحية بأن يهتم بمأكلي وبكل ما أحتاج، وبقي هناك لمدة تزيد عن شهرين في حين أن صلاح الجديد أعطاني شهر واحد فقط كي أقوم بمهمة لصالح الفقيه البصري وأعود كي ألتحق بألمانيا الشرقية لإتمام دراستي العسكرية كما أسلفنا.

وماذا كان برنامجك في غياب الفقيه البصري؟

ذهب ولم يترك لي أي مهمة. ولم أعرف أنه سيغيب لمدة طويلة، و لم تكن ببيته مكتبة كي نقضي الوقت في القراءة، ولم نكن نتوصل بالجرائد، و لم يكن بإمكاني الخروج الى الفضاءات العامة، كل ما في الأمر أنني حاولت أن أحافظ على لياقتي البدنية و قوتي الجسدية كجندي .

كنت أخرج صباحا لممارسة الرياضة ومنها السباحة لكيلومترين أو ثلاثة وعدة مرات، كنت أقترب من الميناء العسكري وكان الجنود الجزائريين يأمرونني بالابتعاد، وكانت الرياضة طقسي الصباحي من الثامنة حتى الثانية عشرة، أسبح وآخذ شمسا على الشاطئ وحين أتعب أعود إلى المنزل. وفي المنزل كنت أستمع الى الإذاعات وخصوصا إذاعة المغرب، كما كنت في فترة العصر أمشي لكيلومترات معدودة. وبين الفينة والأخرى كنت أخرج مع بولحية في سيارة رونو 4 لشراء الخضروات الطرية من الفلاحين الذين يبيعونها على جانب الطريق وأحيانا كنا نجنيها بأنفسنا من داخل الحقول وهو كرم من الفلاحين يرفضون مقابلا عنه. كان بولحية أمازيغي من سوس لا يتقن العربية وأنا كانت تغلب علي اللهجة الشامية، و لذلك لم نكن نتواصل بيسر ولم نكن نستمتع بتبادل أحاديث لمليء الفراغ إلا لماما.

وماذا حدث بعد عودة الفقيه البصري من فرنسا؟

لما عاد الفقيه البصري من فرنسا قلت له أنني شاب وفي حاجة لأن تكون لي حياة خالية من الفراغ وعليه يجب أن ندخل في اشتغال ما. فأنا لا أحب حياة العطالة. ولكي يرضيني قدم لي ثلاثة آلاف دينار جزائري، فأعدتها له وقلت له أنه لازالت معي ثلاثمئة دولار لم أصرفها بعد. وإن كنت في حاجة إليها أعطيك إياها.

إثر ذلك نقلني الى بيت عبارة عن استوديو (حجرة ومطبخ و حمام ) بمنطقة حيدرة وأتوني بمناضل آخر هو اليوم لازال على قيد الحياة اسمه "ستيتو " وكلفني بأول مهمة.