الأحد 29 مايو 2022
كتاب الرأي

حبيبي عبد الإله: عمارات تحمل أسماء الجريمة التي اقترفت في حق الطبيعة والجمال

حبيبي عبد الإله: عمارات تحمل أسماء الجريمة التي اقترفت في حق الطبيعة والجمال حبيبي عبد الإله

إقامة البساتين:

فعلا تحتها بساتين جرفتها التراكسات والشاهد الحي على الجريمة  تلك النباتات التي تحاول التسلل من بين الأرض والإسمنت لكن دون جدوى... سرعان ما يخنقها التبليط المبيد لكل بذور الأرض الباطنية... لمحو كل آثار الجرم الفظيع...

 

إقامة حدائق الرحمان:

تهمة مزدوجة، أقيمت على جريمة تجريف حقل شقائق النعمان ونسبوها لله، الله خلق الحدائق لعباده وسخرها لهم غذاء ومأوى ومرعى لدوابهم وماشيتهم، ولم تكن مبرمجة في الخلق الأول لأن تصبح إقامات تباع بالملايين وهي في الأصل ملكية الله خالقها...

 

عمارة المروج:

إسمنت وألومنيوم ورخام اغتالوا ذات صيف مُرجا كان محطة عبور واستراحة للطيور المهاجرة... سبب بناؤها موت عدد كبير من أسراب الطيور بعدما تاهت في بحث مضني عن هذا "المرجة" التي التهمتها بطون المضاربين في ارض الله...

 

إقامة السعادة:

وقاحة قبيحة لأن السعادة لا توجد في تكديس الأجساد في علب السردين والحكم عليها بالقطيعة النهائية مع الحق في لمس الأرض والسير على التراب ومداعبة الشجر وسماع زقزقة العصافير... لماذا نقحم السعادة في أمكنة لا توفر سوى التعاسة والأمراض والعلل المزمنة والمعارك بين القاطنين... ونجبر ساكنيها على تسمية أنفسهم بسكان عمارة السعادة...

 

إقامة النزهة:

لا علاقة لها  لا من قريب ولا من بعيد من دلالة التنزه، هي سجن صغير يضم حشد كبير من المنفيين من الحدائق الفعلية، شقق تشبه صناديق الأرانب المتراصة بعضها إلى جانب بعض، أما  متعة التنزه الممكنة والمضحكة هي التزحلق بين الكولوارات الضيقة والنوافذ الضيقة والجدران الهشة وصراخ الصغار والنساء... في حين أن الأرض التي  شيدت عليها عمارة النزهة قد كانت  فضاء طبيعيا  خاليا  تؤثثه بعض الأغنام والأبقار والكلاب التي تنزل من الجبل رفقة مالكيها لازدراد العشب الطبيعي والشرب من مياه النهر الصغير والنظيف ...

 

كانت الأمهات تقصدن ضفتي هذا النهر البسيط  لغسل الصوف على أحجاره والثياب وحبوب القمح ومنح الأطفال فرصة التنزه على جنباته المخضرة التي يخرج منها نبات "فليو" و"المرصيطة" وأعشاب كثيرة يقطفها الصغار لتضعها الأمهات في "براريد" الشاي لتطعم هؤلاء وجبة المساء مع الزبد البلدي قبل العود إلى الديار... لكنهم لا يخجلون من تسمية العمارة التي أبادت هذا العالم الجميل بعمارة النزهة...

 

هل الحضارة هي هذا الخراب العظيم التي ساهمنا في تسمينه وتثمينه حيث غذيناه بالقروض التي نظل نؤديها أقساطا شهرية من رواتبنا المنهوبة و المثقوبة بأعطاب شتى، وذلك حتى قبيل الرحيل من الحياة لنترك مهمة إتمام سيناريو الفرجة للأطفال والأحفاد...؟

 

هل المدينة التي كنا نحلم بها هي هذه الطوابق المسروقة من أرض واسعة رحبة قد تتسع لبناء بيوت سفلية بحدائق وواجهات تقدم لقاطنيها حق الخطوة والحديقة وحق الاتصال بالأرض والعشب والسماء والهواء دون المرور من باب واحدة حديدية  كبوابة السجن، وحارس بئيس يراقب الوجوه وكاميرا تحصي الحركات ومؤخرات النساء وبعض الحوادث التي تقع في الدرج...؟

 

هل هذه هي المدينة التي حلم بها أفلاطون والفارابي وكل فلاسفة المدن الفاضلة، أم أنهم وضعونا في المدن الضالة حتى ننسى عشق وحنين معاني المدن والمدائن الفاضلة التي سرقت في سياق عواصف تاريخية منعرجات حضارية لن نشفى منها إلا بعد قرون عديدة...؟