الاثنين 17 يناير 2022
كتاب الرأي

محمود التكني: الأحداث العالمية وموازين القوى الجديدة بشمال إفريقيا

محمود التكني: الأحداث العالمية وموازين القوى الجديدة بشمال إفريقيا محمود التكني

عرف العالم أحداثا متسارعة في هذا العقد الأخير، وذلك منذ بداية ما سمي بالربيع العربي، حيث سقط حكم كل من عبد الله صالح باليمن وزين العابدين بن علي بتونس وحسني مبارك بمصر ومعمر القذافي في ليبيا، ولم يصمد أمام هذا الربيع سوى نظام بشار الأسد، إلا أن صموده كانت فاتورته غالية جدا على الشعب السوري الذي تعرض للتقتيل والتنكيل والتهجير والضياع... وجميع الدول التي شهدت هذه الأحداث تعيش إلى اليوم اختلالات جمة، تتمثل في غياب الاستقرار السياسي والدخول في دوامة الحروب من أجل الوصول إلى السلطة.

 

مقابل ذلك عرف العالم خلال السنوات الأخيرة نوعا من السلم الدولي، حيث انخفضت الحروب بين الدول مما أثر سلبا على سوق بيع الأسلحة وخلق نوعا من الركود العالمي في هذه السوق. ثم دخلت جائحة كورونا على الخط حين اكتسحت العالم بأسره في أواخر سنة 2019 فأصيبت جميع الدول بنوع من الارتباك، مما زاد من انكماش الاقتصاد العالمي. ومع بداية النصف الثاني من سنة 2021 عرفت الجائحة تراجعا طفيفا سمح بعودة الحياة تدريجيا إلى شبه حالتها الطبيعية، إلا أن منطقة شمال إفريقيا وحوض الأبيض المتوسط عرفت أحداثا أكثر تسارعا خلال السنتين الأخيرتين، حيث اتجهت أنظار القوى العظمى نحو هذه البقعة من المعمور، مما حذا بالولايات المتحدة الأمريكية إلى الاعتراف بمغربية الصحراء لتطفو ملامح حلحلة ملف مفتعل عمر طويلا في أروقة الامم المتحدة، الأمر الذي أربك حسابات الجزائر التي كانت تراهن منذ عقود على قيام دولة بالصحراء المغربية لتحظى بمنفذ إلى المحيط الأطلسي، ومع تبخر هذا الحلم ارتفعت حدة عداوة وسعار حكام قصر المرادية تجاه المغرب، واتضح ذلك جليا من خلال اتخاذ الرئيس تبون عدة قرارات عدائية ضد الرباط ظنا منه أنه سيؤثر على مسلسل تقدم المملكة.

 

وبعيدا عن الجزائر أقدم المغرب على ترسيم حدوده البحرية بشكل أحادي مع الجارة الشمالية، علما أنها لم تكترث إلى الطلب المغربي للترسيم المشترك، الشيء الذي لم تستسغه إسبانيا فقامت بردة فعل لم تكن محسوبة العواقب بإقدامها على استقبال إبراهيم غالي فوق أراضيها وبهوية مزورة. مما دفع المغرب إلى اتخاذ موقف صارم ضد اسبانيا تمثل في استدعاء السفيرة المغربية للتشاور وكذا إغلاق الحدود الوهمية للسليبتين، مما كبد الاقتصاد الإسباني خسائر بملايين الدولارات. وهذا الخط الديبلوماسي المغربي لم يستثن ألمانيا القوة الاقتصادية الأوروبية، أما فرنسا فقد عرفت نكسة اقتصادية مسيرة، حيث فسخت كل من استراليا وبلجيكا عقودا لشراء الأسلحة مع فرنسا مما سينعكس على وضعها الاقتصادي والسياسي، ولهذا قامت بتخفيض عدد التأشيرات الممنوحة لكل من المغرب والجزائر وتونس، معتقدة أننا نحن المغاربة مرتبطون بزيارتها، ومتناسية أن المغرب أصبح وجهة سياحية وقبلة للاستثمارات العالمية، خصوصا مع ضخ دماء جديدة في العلاقات المغربية الإسرائيلية الضاربة في التاريخ.

 

إن كل هذه الاحداث ستغير موازين القوى بالمنطقة لا محالة موازاة مع الازدهار والنجاح الدبلوماسي للمملكة، والذي يقف وراءه حكمة وتبصر الملك محمد السادس...

 

محمود التكني، أستاذ التعليم العالي بجامعة مولاي اسماعيل مكناس