الأربعاء 25 مايو 2022
فن وثقافة

عبد العالي بلقايد: دلالة اللفظ والمعنى في عيطة "شَرْبِيلْ مُّو الَعْيُونْ" الحوزية

عبد العالي بلقايد: دلالة اللفظ والمعنى في عيطة "شَرْبِيلْ مُّو الَعْيُونْ" الحوزية فرقة لمخاليف الحوزية

عند التقديم لهذه لتحفة عيطة "شَرْبِيلْ مُّو الَعْيُونْ" لابد من الإدلاء بالملاحظات التالية:

- أولا، لا نجد هذه التحفة مغناة إلا عند المخاليف ولا يغنيها سواء شيوخ القلعة أو ابن جرير أو اليوسفية أو المنابهة أو باقي فرق الحوز الذين دأبوا على التعامل مع العيطة الحوزية .

- ثانيا، هذه الخصيصة لاصقة بهؤلاء الفنانين الذين يحبون أن يطلقوا على أنفسهم (رْمَا) لكي يعطوا لما يقولون شرعية الاستساغة والقبول  بعمران محكوم بالعرف والشرع، وحتى يكون ما يرمون إليه محدد الغايات على مستوى صياغة الكلام الذي لا يختلف عن رماية الرماة المرتبطين بالمحلات السلطانية المطبوع بطابع جهادي عند مواجهة الأخر الذي يريد غصب أرض الإسلام .

- ثالثا، ليست هي الوحيدة المقتصرة على أداء المخاليف بل لها توائم فتية أخرى مثل: (بَانُو رْسَامْ اَلْبَهْجَةْ) التي تحكي شوق الفنان الوطني الكبير بن حمامة  إلى مراكش عند نفيه من طرف الباشا الـﯕلاوي ومنعه من الإشتغال بجامع الفنا، وهي نفس التحفة التي تتغنى وتشير إلى نفي القايد العيادي إلى مدينة الدار البيضاء وهي كلها لها ارتباط بالأحداث التي هي على علاقة بنفي المغفور له محمد الخامس.

 

لم يكن بن حمامة الوحيد الذي طاله الإبعاد من طرف الباشا الكَلاوي بل طال حتى النساء.

فحسب الروايات فقد تعرضت عَايْشَةْ اَلْكَحْلَةْ والتي يطلق عليها (لَمْزَرْطْيَةْ) هي وأختها  للتضييق من طرف حاكم مراكش آنذاك، وقد وجدتا الدعم من طرف القايد العيادي وهو ما جعله شخصية محورية بالعيطة الحوزية وتم استبعاد  كل من كان خارج الفعل الوطني.

 

العيطة الحوزية والمغربية تتشابك إلى حد التماهي مع ما يمور به العمران البشري لتكون الفعل الفني المعبر بشكل مباشر عن حاجيات المجتمع بكافة اتجاهاتها فلم تكن غايتها ذاتية أو نرجسية طفولية... لأنها ارتبطت بالحركة الجهادية للشرفاء السعديين المدافعين على أرض الإسلام في مواجهة الزحف الإيبيري الممثل في الإسبان والبرتغال كقوى استعمارية، وهذا لا يعني أن الموسيقى التقليدية قد اكتمل بناؤها إبان هذه المرحلة وهو ما يحتاج إلى التقعيد العلمي، ولكن ما هو ثابت أن التوثب إلى بناء المشروع المغربي ومنه مشروع الدولة قد بدأ مع الموحدين وإن كانت بوادره الأولى مع الشرفاء الأدارسة .

 

إن الزجل قد بدأ في التشكل إبان العصر الموحدي وهو البنية الأساس للفعالية الغنائية، كما ستتشكل فيما بعد الموشحات كفعالية جمالية خارجة عن قواعد العربية الكلاسيكية لتشكل الأرضية الأساس لتشكل اللغة المغربية التي ستكون الأداة لبناء الغناء سواء في صيغة الملحون الذي يعتبر من الفنون المغربية الذي نبت بأرض تافيلالت بالجنوب المغربي، أو العيطة التي بدأت في اعتقادنا على شكل (أراجيز) التي نقصد بها مقطوعات صغيرة التي لا تحتاج إلى دربة فنية، وهو ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته  حين تناول الغناء وأشار إلى نوع ينساب انسيابا دونما حاجة إلى دربة، ونوع أخر مركب يحتاج إلى دراية وصناعة لحن مناسب .

 

هذه الإشارات منا، غايتها أن الموسيقى التقليدية هي موسيقى لها تاريخ كما لها دواعي حضارية جعلها تتشكل عبر التفاعل مع التاريخ والجغرافية وطموح المغاربة في البناء الحضاري الذي عرف انكسارات كما عرف تحديات وتضحيات أمة كانت في قلب التاريخ فعبرت بوسائلها الجمالية التي هي خصيصة من هويتها الفنية والثقافية .

 

هذه الإحالات التاريخية نقدمها ونحن قادمين على تحليل هذه التحفة الفنية التي تحتوي على  تكثيف تخلقه دلالة الألفاظ والمعاني التي تستوطن جغرافيتها، فـ "الشَّرْبِيلْ" والحذاء له الكثير من المعاني والدلالات في الحضارات القديمة يتجاوز المعنى القريب إلى معاني لها إحالات أخرى... وهو ما سنقوم به في القادم من المنشورات...