الاثنين 16 مايو 2022
كتاب الرأي

غريب: عودة سفير الجزائر لباريس والفرق بين جمهورية بوكو كلام ومملكة العز والأنفة

غريب: عودة سفير الجزائر لباريس والفرق بين جمهورية بوكو كلام ومملكة العز والأنفة يوسف غريب

(لن أكون أنا من يخطو الخطوة الأولى وإلا سأخسر كل الجزائريين، الأمر لا يتعلق بي، بل بمشكلة وطنية، لا يوجد جزائري يقبل أن أتصل بأولئك الذين أساءوا إلينا)...

بكل صدق سرق الرئيس الجزائري إعجابي -ولأول مرّة- حين سمعت هذا التصريح قبل ثلاثة أشهر، لما يحمل من أنفة وعزة نفس تجاه الإهانة الصادرة عن الرئيس الفرنسي ماكرون في حق الشعب الجزائري وتاريخه وهويته، نتج عن ذلك سحب السفير الجزائري من فرنسا وإغلاق الأجواء أمام الطيران الحربي الفرنسي...

كان مردّ إعجابي بموقف الرئيس، كما جاء في التصريح أعلاه، هو احترامه للشعب الجزائري.. ولذاكرة شهداء الثورة الجزائرية.. وأرض المليون ونصف المليون شهيد.. بل أكثر حسب الرئيس أعلاه...

كان ذلك قبل ثلاثة أشهر.. وكم كانت عناوين الجرائد الملحقة بالثكنة هناك حماسية وتمجيدية لهذا الموقف الرئاسي، حتّى قيل بأن عبد المجيد تبون يقاطع مكالمات رئيس الإليزي مراراً..

قبل ثلاثة أشهر.. إلى حدود الأمس، يخرج بيان إخباري للرئاسة الجزائرية بعودة نفس السفير ونفس الوجه إلى باريس واستئناف عمله الدبلوماسي!!؟...

هذا الخبر آلمني كثيراً كمغاربي حين علمت بأن فرنسا لم تصدر أي بيان اعتذار عن الإساءة والإهانة التي تعرض لها الشعب الجزائري الشقيق...

ليزداد يقيني بأن تسمية كابرنات فرنسا صادقة ووصف دقيق للعصابة هناك.. وخدّام أوفياء لدى باريس..

وهذه العودة وبهذا الشكل المهين دليل قاطع على أن تصريحات ماكرون جاءت لتؤكد أن الجزائر هي مقاطعة فرنسية بامتياز.. تحت سلطة جنرالات تخرجوا من مدارس الجيش الفرنسي وقاوموا من أجلها..

هذه العودة تكشف أيضاً وبشكل جليّ بأن الشعب الجزائري تعرّض لأكبر عملية غسل دماغ عبر استغلال ريع الذاكرة الثورية وأرض الشهداء والثوار.. ورؤساؤهم وإلى الآن حين تمطر السماء بباريس يخرجون بمظلاتهم إلى الشارع في الجزائر!!..

ومن الصدف التي تسمح بالمقارنة مع بلدنا أننا تقاسمنا مع دول أوروبية نفس التصادم والأزمة وإن اختلفت مواضيعها...

فمع إسبانيا ما زالت سفيرتنا الرائعة تستمتع بأجواء الرباط.. رغم أن الدولة القشتالية ضحّت بوزيرة خارجيتها.. ورافقت معها بوقادوم الجزائري إلى جانب تصريحات الود والمجاملة ومن مستويات عليا..

ولم تعد.. ولن تعود إلاّ بعد أن تقرأ إسبانيا اللاءات الثلاث..

وعادت سفيرتنا إلى ألمانيا بعد الإشادة بالحكم الذاتي بمغربية الصحراء.. عبر بيان لوزارة الخارجية التي قامت بتحديث تعريفها للمغرب عبر موقعها على الإنترنت، حيث أشادت بالعلاقات الثنائية بين البلدين إذ تعتبر المملكة رابطا مهما بين الشمال والجنوب على الصعيدين السياسي والثقافي والاقتصادي، وشريك مركزي للاتحاد الأوروبي وألمانيا في شمال إفريقيا.

بعد أن كانت العبارة في عهد الوزير السابق، ”ألمانيا تسعى جاهدة إلى دعم المغرب في مجالات التطور الديمقراطي وسيادة القانون والمجتمع المدني وحقوق الإنسان".

لتأتي الدعوة الرسمية لعاهل البلاد بزيارة ألمانيا وترسيم خارطة طريق على طاولة وقاعدة الندية...

هذا هو الفرق بين الثرثار ومحب الاختصار..

بين جمهورية بوكو كلام.. وبين مملكة العز والأنفة والكرامة..

بين دبلوماسية احترافية.. وبين ردود أفعال مزاجية..

بين دولة وأمة بعمق تاريخي وحضاري وبين عصابة سقطت من السقف نحو السلطة بهذا البلد الجار..

ما أسوأ الذلّ.. فوق قبعة العسكري.. وأسفل نياشينه كل هذا الانبطاح الذميم....