الخميس 30 يونيو 2022
فن وثقافة

مذكرات امحمد التوزاني: أسرار لقائي بالفقيه البصري وإطلاق "حرب التحرير الشعبية" (ح.15)

مذكرات امحمد التوزاني: أسرار لقائي بالفقيه البصري وإطلاق "حرب التحرير الشعبية" (ح.15) المقاوم الجزائري محمد بودية يتوسط الراحل الفقيه البصري (يمينا) وامحمد التوزاني

المناضل امحمد التوزاني.. سليل حركة التحرر المغاربية والعربية من مواليد سنة 1938 بتازة، حمل في المنفى 13 اسما حركيا، من بينه خالد (بتسكين اللام) وحسن.. صديق الروائي والقاص والصحافي الفلسطيني غسان كنفاني ورفيق درب المناضل الاتحادي المرحوم الفقيه البصري. ناضل بمعية وتحت قيادة الشهيد المهدي بنبركة وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد باهي، وغيرهم..

التحق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مرحلة التأسيس وتكلف ضمن اللجنة التنظيمية للمؤتمر بالجانب التنظيمي واللوجستيكي إلى جانب المرحوم مصطفى القرشاوي وفاضل الناصري وأحمد الخراص.

التقى أول مرة بالشهيد المهدي بنبركة عام 1962 حين كلف بمهمة استقباله بفاس والذهاب به إلى تاهلة ليؤطر تجمعا جماهيريا كان قد هيأ له الفرع الحزبي هناك.

ساهم في تأسيس حركة الاختيار الثوري بعد انتقاله إلى باريس إلى جانب عبد الغني بوستة السرايري وأحمد الطالبي المسعودي رغم كفره بمغامرات قائده ومثله الأعلى محمد الفقيه البصري..

"أنفاس بريس" تنشر مذكرات المناضل امحمد التوزاني، والتي تسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ المغرب السياسي...

 

+ الأستاذ امحمد التوزاني، بعد اللقاء والتعاون مع الروائي والصحافي الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، كيف كان إحساسك؟

- كنت في حاجة إلى ذاك التعاون، فعبره أصبحت أحمل عنوان مناضل أممي، لقد كنت متهما أنني أنتمي الى البعث. صحيح أنني أؤمن بالوحدة العربية وأشهد بالدور التقدمي في تلك المرحلة للثورات العربية في كل من مصر وسوريا والعراق، لكنني لم أنتم يوما لحزب البعث العربي الاشتراكي، وما كان يضرني أكثر هو أن مناضلين يساريين أصبحوا فيما بعد من مؤسسي حركة 23 مارس كانوا ينعتوننا نحن في التيار الثوري لحزبنا بـ "البلانكيين " منهم لحبيب طالب وعبد اللطيف عواد وغيرهما، لكن لما انتمينا للثورة الفلسطينية أصبحنا نحاججهم من موقع الممارسين للنضال الأممي لا من موقع المنظرين له.

 

+ بمناسبة ذكر لحبيب طالب، ماذا كنت تعرف عنه لما كان طالبا بسوريا؟

- الأستاذ لحبيب طالب كان شخصا عميق الثقافة بل يمكن وصفه بالمنظر، ولقد كان في بداية مشواره السياسي قوميا بعثيا ومن المهام التي تولاها بسوريا هي حراسته لسفارة المغرب بسوريا من موقع الانتماء للحرس القومي السوري وقد شاهدته وهو في المهمة بأم عيني، وقد مر هو ورفاقه ونحن جميعا في سوريا بأوقات مادية صعبة.

 

+ السي امحمد التوزاني، وأنت بسوريا زار وفد من قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الشقيقة سوريا، متى كان ذلك وممن كان يتكون الوفد؟

- الوفد كان يتكون من عبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري وامجيد العراقي ومحمد باهي وبنسعيد أيت إيدر، وقد زار سوريا سنة 1966 بمناسبة العيد الوطني الذي يحتفل به في 8 مارس، وقد أخبرني ضباط في الجيش السوري بالأمر، فذهبت للقائهم بفندق السفراء المقابل لمقر جريدة البعث، قريبا من حي كان يسمى آنذاك حي الصالحية بدمشق. دخلت الفندق حوالي الساعة الخامسة وقدمت التحية لقياديي حزبي وجلست معهم بعض الوقت، وبالمناسبة فقد ذهبت حينها بمجيد العراقي وامحمد بنسعيد إلى مقر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بدمشق وألقوا محاضرتين لفائدة الطلبة المغاربة بسوريا، الأول عن الإصلاح الزراعي والثاني عن الوضع السياسي بالمغرب.

 

+ هل يمكن أن تفسر لنا أنك عضو الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وعضو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وطالب ضابط بالكلية الحربية، ما هذا التداخل في أنشطتك العسكرية والمدنية؟

- هذا التداخل كان معمولا به آنذاك، وعدد كبير من الحكام العرب والأفارقة كانوا عسكريين، بل حتى في بلدان أوروبية كإسبانيا وفرنسا.

 

+ المعروف أن مسيرتك النضالية في جل مراحلها وأقوى لحظاتها ارتبطت بالفقيه محمد البصري قائد جيش التحرير المغربي، هل يمكن أن تقربنا من هذه المرحلة؟

- بكل فرح.. على بركة الله..

 

+ متى كان أول اتفاق بينك وبين قائدك الثوري محمد الفقيه البصري على التعاون؟

- كان ذلك على هامش احتفالات سوريا بعيدها الوطني الثالث سنة 1966، حين زار وفد الاتحاد الوطني الجمهورية السورية لحضور احتفالات العيد، فلما زرت قيادة الحزب بفندق السفراء انفرد بي المرحوم الفقيه البصري وعقد معي موعدا كي نلتقي وحدنا في الغد بأحد المطاعم حدد لي مكانه.

ذهبت إلى المطعم وكان على طريق بيروت بعيدا عن دمشق ببضع كيلومترات، وكان زبناؤه من علية القوم. جلسنا وكانت الساعة تشير الى الثامنة ليلا. وجدت أن الفقيه البصري كان يعرف عني كل شيء، عائلتي، ودراساتي، وأصدقائي وطبعي.. مع العلم أنني لم أكن قد عاشرته بعد ولم يكن صديقا لي أو قريبا مني.

 

+ هل صحيح أنكما اتفقتما على الدخول في حرب تحرير شعبية ضد (النظام الإقطاعي) بالمغرب؟

نعم.. بعد أن أخذنا عشاءنا، وكان عبارة عن أفخاذ الضفادع، وبعد الدردشة، وبعد أن حدثته عن خبرتي العسكرية وعن الأشياء التي أتقنها، قال لي هل أنت مستعد لخدمة الوطن؟ قلت نعم، وكيف ذلك؟ قال لي عبر إطلاق حرب التحرير الشعبية لإسقاط النظام الإقطاعي بالمغرب.

وافقته على الأمر وقلت له يجب أن نستعجل وأن نجند الشباب وليس الشيوخ، فالشباب هم الأقدر على خوض وربح المعركة. ومن ثمة بدأت مهمتي مع الفقيه، ولكي يقيس مهاراتي ولمزيد من التدريب ربط لي الاتصال بالمقاوم الجزائري محمد بودية واسمه الحركي أبو ضياء.

 

+ هل لقاؤك بالفقيه محمد البصري بدمشق على هامش احتفالات السوريين بعيدهم الوطني كان هو الأول أم كان لك به سابق معرفة بالمغرب؟

- تلك كانت المرة الثالثة، أما المرة الأولى فكانت سنة 1960 لما كنت انا والمقاوم المرحوم احمد بنقليلو بسيارة الحزب في الطريق إلى مكناس وصادفناه في نفس الطريق يسوق سيارة من نوع مرسيدس ومعه آخرون، وتلاحقهم سيارة من نوع رونو 4 وعلى متنها ثلاثة بوليس بلباس مدني. توقف وتوقفت سيارة البوليس فتوقفنا بدورنا ونزل من سيارته ووقع شجار بينه وبين البوليس، إذ احتج على تعقبهم له، وقال لهم ماذا تريدون. أنا أخبركم ببرنامجي، ليس لدي شيء أخفيه.

أما المرة الثانية فكانت لما كنت طالبا بالدار البيضاء بالمعهد العراقي العالي لإعداد المدرسين، وحينها كنت بخلية حزبية تجمعني بكل من المرحوم مصطفى القرشاوي وأحمد الخراص، وقد تم تنظيم نشاط من طرف الحزب بغرفة التجارة والصناعة وقمنا كشبيبة بالإعداد والتعبئة له، وكان من المقرر أن يحضر النشاط عضو الكتابة العامة للحزب، ولما تأخر حضور ممثل عن هذه الأخيرة طلب مني المرحوم محمد عابد الجابري أن أذهب إلى مقر الكتابة العامة الذي يتواجد بـ 72 شارع علال بنعبد الله كي أطلب حضور أي واحد وجدته هناك من أعضاء الكتابة العامة فوجدت الفقيه البصري وطلبت إليه الحضور فقال لي أنه في لقاء مع صحفية فرنسية وعلي أن أبلغ عابد الجابري كي يلقي كلمة في الحضور وذاك ما كان، أما أنا فقد ذهبت لحال سبيلي بمجرد ما أخبرت الجابري بالتكليف لأنني لم يعجبني تهاون الكتابة العامة للحزب، وكان ذلك سببا في تأخر بداية النشاط من الثامنة والنصف الى التاسعة والنصف، بينما كان الناس ينتظرون.

 

+ لنعد إلى محمد بودية، هل يمكن أن تقربنا من هذه الشخص التي طلب منك الفقيه البصري أن تأخذ مزيدا من التدريب على يديه وأنت ضابط خريج كلية عسكرية؟

- محمد بودية من مواليد 1932، وهو مقاوم جزائري ضد الاستعمار الفرنسي، وكان عضوا بجبهة التحرير الجزائرية، مثقف ومفكر ومسرحي محترف. كانت أشهر عملياته الفدائية ضد فرنسا هي تفجير أنابيب النفط بمرسيليا، وقد اعتقلته فرنسا سنة 1958 وتمكن من الهرب من السجن ثلاث سنوات بعد ذلك. وقد أتم دراساته العسكرية العليا بموسكو، وانتمى للثورة الفلسطينية وهو من استقطب لها كارلوس لما كان بموسكو، وقام بعمليات ناجحة ضد الجيش الإسرائيلي وعمل في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقد نسج علاقات بالجيش الثوري الأرمني والجيش الأحمر الياباني والألوية الحمراء الإيطالية وبادر ماينهوف الألمانية.

 

+ أكنت تعلم كل هذه المعلومات عن بودية وأنتم تشتغلون بالسرية؟

- لا.. لم أعرف عنه هذه المعلومات حينها بل بحثت عنها فيما بعد وعرفت أن الموساد الإسرائيلي اغتاله بباريس سنة 1973.