الجمعة 12 أغسطس 2022
مجتمع

مْنَازَلْ "اَلَّليَالِي".. الفلاح وجها لوجه أمام دروس المناخ وأحوال الطقس

مْنَازَلْ "اَلَّليَالِي".. الفلاح وجها لوجه أمام دروس المناخ وأحوال الطقس في فترة الليالي الباردة تحضر أطباق وصحون البيضارة في موائد الأسر المغربية

كلما حل يوم 25 دجنبر من كل سنة، يُفْتَتَحُ درس المناخ وأحوال الطقس ويهمين داخل الأوساط القروية خاصة، وبالحواضر عامة، في علاقة بهاجس الموسم الفلاحي وسؤال انتظام التساقطات المطرية من عدمها؛ وخصوصا حين دخول "اَلَّليَالِي" التي تشكل حجر الزاوية في هذا المجال لدى عموم ساكنة الجبال والمداشر والبوادي.

 

في هذا السياق ترصد جريدة "أنفاس بريس" أهم الفترات الزمنية التي يتعامل معها الفلاح بشكل حذر للخروج منها بسلام واطمئنان.

 

تنبأت الظاهرة الغيوانية في المغرب لتقلبات أحوال الطقس وتأثير التلوث البيئي على تغير لَمْنَازَلْ بالقول "سُبْحَانْ الله صَيْفْنَا وَلَّا شَتْوَى وَارْجَعْ فَصْلْ اَلرْبِيعْ فِي الْبُلْدَانْ خْرِيفْ"..

 

من المعلوم أن أول ليلة من فترة الليالي تبتدئ ليلة 25 دجنبر من كل سنة وفق حسابات فلكية رسختها ثقافتنا الشعبية على مستوى "ْمْنَازَلْ" وبرامج درس "أحوال الطقس والمناخ"، حيث تنطلق أربعينية الشتاء التي يطلق عليها وصف "اَلَّليَالِي"، بحكم أنها من أشد الأيام المطرية معاناة مع شدة برودة الطقس وارتفاع منسوب تساقط الثلوج بقمم الجبال .

 

الفلاح المغربي العالم بالتقلبات المناخية وأحوال الطقس حسب فصول السنة، يعلم جيدا أن فترة "اَلَّليَالِي" تنطلق ابتداء من يوم 25 دجنبر، وتنتهي في اليوم الثاني من شهر فبراير من كل سنة. وتتميز بشدة برودتها على مدار 24 ساعة، مع هبوب الرياح والتساقطات المطرية. ومن علاماتها الأساسية أن الحقول الزراعية يتساقط فوق نباتاتها الندى فجراً، ويلاحظ نفث البخار من فم الإنسان والحيوان، بالإضافة إلى تساقط أوراق مختلف الأشجار.

 

وسميت بـ "اَلَّليَالِي" تلميحا لـ 40 يوما بلياليها ونهاراتها الباردة التي تحتاج لمقاومة بواسطة الطاقة الحرارية الجسدية، خاصة على مستوى توفير خشب التدفئة وعلف البهائم ومؤونة ساكنة الجبال والمداشر والقرى النائية التي تحاصرها الثلوج والعواصف والأمطار في هذه الفترة.

 

ثقافتنا الشعبية في مجال الطقس والمناخ قسمت "اَلَّليَالِي" (40 يوما) إلى فترات زمنية، وحددت لها أسماء وحسابات زمنية، منها مثلا "اَلَّليَالِي اَلْبِيضَ" والتي تستمر لمدة عشرين يوماً، وتتميز بارتفاع منسوب البرد القارس، واشتداد عواصف الرياح وعلو موج البحر، حيث يستشعر فيها الإنسان دخول فصل الشتاء من خلال الإحساس الشديد بالبرد القارس، وعادة ما تكون "لَيَالِي" جامدة وأشد برودة، ويستهلك فيها الإنسان كثرة الخشب والتحلق حول الأفرنة ومواقد النار وأجهزة التدفئة التقليدية. وتفضل خلالها المرأة البدوية طهي أطباق القطاني (البصارة، والحساء والكسكس..) لتزويد الجسم بالطاقة الحرارية.

 

لقد كان انتظام التساقطات المطرية (قبل وخلال وبعد) فترة "اَلَّليَالِي" يتفاءل بها الفلاح المغربي، نظرا لتزامنها أيضا مع تفتح أوراق الأشجار المثمرة وأزهار مختلف المغروسات، وينعكس ذلك على بيئة ومحيط الإنسان إيجابا. على اعتبار أنها فترة تؤشر على بزوغ فأل الخير والبركة في علاقة بالمنتوج الفلاحي والزراعي حيث تكتسي الحقول والبساتين لون الخضرة، وتتخذ كل المزروعات أشكالها وتتفتح ورودها وأزهارها خلال هذه المدة لكي تواصل نموها بقية فصل الشتاء.

 

هذا التقسيم الزمني الذي اعتمدته الثقافة المناخية الشعبية في الدرس الفلاحي هو الذي شكل عبر التاريخ مجموع ليالي الشتاء الباردة (40 ليلة). إلا أنها تتبعها 10 ليالي يشعر فيها الإنسان تارة بالدفء، وتارة أخرى يحس فيها بالبرد القارس، وتليها أيضا ثلاث ليال شديدة البرودة تبتدأ حسب الثقافة الشعبية من صباح يوم 12 يناير من كل سنة، وتنتهي مساء يوم 14 يناير.

 

"مَنْزْلَةْ سَعْدْ السْعُودْ": هي "مَنْزْلَةْ" فلاحية أقرتها ثقافتنا الشعبية التي اكتسبها أجدادنا عبر تجاربهم المناخية ودرايتهم بحالة الطقس التي كانوا يعيشون تقلباتها المفاجئة في علاقة مع فلاحتهم وزراعتهم، وتمتد فترة منزلة "سَعْدْ السْعُودْ" تحديدا من يوم 30 يناير إلى غاية 11 فبراير من كل سنة فلاحية. حيث يتغير الطقس وتخف برودة الأجواء، وتكتسي الحقول حلة ربيعية زاهية (إِذَا طَلَعَ سَعْدُ السُّعُود، نَـضَّرَ الْعُودُ، وَلَانـَتِ الْـجُـلُود، وَكَـرِهَ النَّاسُ فِي الشَّـمْسِ الْقُعُود).

 

خلال مَنْزِلَةْ "سَعْدْ السْعُودْ"، تستعد كل الحيوانات والهوام والحشرات والزواحف التي كانت تختبئ في إسطبلاتها، وجحورها هروبا من شدة البرد، للبحث عن حرارة الشمس المعتدلة، وإشباع بطونها من الجوع، والبحث كذلك عن شروط توالدها وخدمتها البيئية المفترضة طبيعيا بعد انتهاء مدة برودة الطقس. (فِي سَعْدْ السّْعُود، يْخْرَج فِيه النَّمْسْ وُ الكَنْفُودْ وَتْزَنْزَنْ النَّحْلَة فِي العُودْ، وَلَّا تْمُوتْ بالبْرُود).

 

وتليها مَنْزِلَةْ "سَعْدْ لَخْبِيَّةْ"، والتي تمتد من يوم 12 فبراير إلى غاية 24 منه، (فِي لَخبْيَة تُخْرج كُلْ مَنْ هِي مْخَبْيَة، وُتَفْرَحْ كُلْ مَنْ هِي مْرَبْيَةْ، وُيَسْخُنْ اَلْمَاء فِي لَوْنِيَّةْ"، على اعتبار أن حرارة الشمس تستمر في اعتدالها مع استمرار تفتح أزهار الربيع، وإعادة انتشار الحشرات النّوامة، وخروج القوارض والزواحف من جحورها.