الثلاثاء 17 مايو 2022
سياسة

هادف: الجزائر أساءت تدبير شؤونها الداخلية والخارجية ومن ضمنها دعم حركات التحرر

هادف: الجزائر أساءت تدبير شؤونها الداخلية والخارجية ومن ضمنها دعم حركات التحرر سعيد هادف، رئيس تحرير الأسبوع المغاربي وباحث في الشؤون المغاربية
يعتبر شعار دعم حركات التحرر الوطني مبدأ مؤطرا للسياسة الخارجية للجزائر، كيف يتم تفعيل ذلك في واقع الممارسة؟
سؤال كهذا لا يتسع له الجواب في تصريح صحفي، ولاسيما أن مفهوم حركات التحرر تحكمه سياقات تاريخية وخلفيات أيديولوجية، شي غيفارا، مثلا، رمز من رموز التحرر لدى البعض، بينما يراه آخرون إرهابيا، وكذلك أسامة بن لادن، هناك من يصنفه إرهابيا وهناك من يصنفه بطلا تحرريا. واليوم هناك تنظيمات تصنف في خانة الإرهاب لدى البعض بينما يعتبرها البعض تحررية. المقاومون المغاربيون كان يصنفهم المحتل الفرنسي كإرهابيين، ونجد اليوم في بلداننا المستقلة حركات احتجاجية توصف لدى البعض بالمتآمرة وبالإرهابية. إذن، هناك خيط غامض بين ما هو “تحرري” وما هو “إرهابي”، أو بمعنى آخر لم ينجح المنتظم الأممي بعد في تحديد دقيق لمواصفات النشاط التحرري والنشاط الإرهابي، لكن الجدل حول هذا الموضوع يعرف تطورا، وبقدر ما تتعاظم حدة النقاش حول القضايا المزمنة، بالقدر نفسه تغيرت مواقف عدد من البلدان والنخب، ويبدو أن سيرورة الجدل حول مفهوم “الإرهاب” قادت أغلب البلدان إلى الالتفاف حول رؤية موحدة، ومن هنا سيتحدد مفهوم “التحرر” بشكل أكثر دقة في المستقبل.
في عصرنا الحديث، بدأ النشاط التحرري ضد الاستعمار مع الحرب الأمريكية ضد التاج البريطاني نهاية القرن الثامن عشر، ومن ثمة انتشرت الحروب التحررية في أمريكا اللاتينية وامتدت إلى آسيا وأفريقيا طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين، في هذا السياق جاءت الحروب التحررية المغاربية، وكانت حرب الجزائر مدعومة بكل البلدان المغاربية، وبعد الاستقلال اشتهرت الجزائر بـ ”قبلة الثوار” واكتسبت سمعة لدى كل الحركات التي اشتهرت بالتحرر والمقاومة. وهكذا تشكل القَدَرُ الجزائري في غمار الصراعات الأيديولوجية.
 
إلى أي حد تكون الجزائر جادة في تدبير هذا المبدأ؟ وماذا قدمت لحركات التحرر في فلسطين مقارنة بما قدمته للبولبَيساريو؟
من موقعي كباحث وكملاحظ، أرى أن الجزائر، بلا شك، كانت جادة في تبنيها لهذا المبدأ، وقد قدّمت ما كانت تراه مناسبا لكل جهة، لكن المشكل كان في قصور النخبة التي أمسكت بهذه الملفات الحساسة. المسألة هنا تتعلق بالكفاءة والفهم الصحيح لميكانيزمات التاريخ وبالنظرة الاستباقية للأحداث، والمسؤولية يتحملها بدرجة أكبر أصحاب القضايا، وهنا أؤكد، مرة أخرى، عن الجهل بميكانيزمات التاريخ والسياسة لدى البوليساريو وممثلي القضية الفلسطينية.
الجزائر ككل البلدان المغاربية، كانت تفتقد إلى ثقافة الدولة وإلى الفقه السياسي (le savoir faire-politique)، وبالتالي، وفي غمرة الحماس الأيديولوجي أساءت تدبير شؤونها الداخلية والخارجية، ومن ضمنها دعم حركات التحرر. لكن وبالموازاة، فإن حركات التحرر أيضا  أساءت تدبير قضاياها بالشكل العقلاني والبراغماتي، بل بعض هذه الحركات إما انحرفت عن المبادئ التي انطلقت منها، أو دخلت مع متنافسين جدد، في صراع حول السلطة والامتيازات. في تقديري، الجزائر قدمت ما كانت تراه واجبا ومنسجما مع مبادئها، غير أنها لم تطوّر من مواقفها ومقارباتها. وهنا أشير إلى أن الجزائر ليست الوحيدة التي بقيت متجمدة في براديغما الحرب الباردة، بل عدد من البلدان العربية التي اشتهرت بمحور المقاومة والممانعة، بل حتى تنظيمات مغربية سياسية وفكرية، يسارية وإسلامية. بل يمكن القول إن الجزائر رغم تصلبها كانت أكثر مرونة من دول انهارت جزئيا أو كليا جراء تصلبها الأيديولوجي، وأكثر مرونة حتى من التيارات المغربية المناصرة أو المتعاطفة مع قضايا التحرر سواء تلك المناهضة للتطبيع أو ذات مواقف رمادية من قضية الصحراء المغربية/الغربية.
الوضع المغاربي برمته معقد ومتشعب ويمر بمرحلة حرجة، ويحتاج إلى تشخيص علمي دقيق، وإلى تعقل كل الأطراف حتى لا تنزلق الأمور إلى ما هو أسوأ، لأن هذا الوضع في تقديري لا يمتلك حلولا جاهزة كما يتوهم البعض، وحتى يتوفر على حلول عملية تقود إلى الانفراج، حتما سيمر بمرحلة شديدة التناقض، بل هو يمر بهذه المرحلة التي ستعرف تحولا في المستقبل القريب، وهو تحول قد يتسبب في صدمة المحللين النمطيين، لذلك على النخب المغاربية أن تساهم في التهدئة وأن تساعد أصحاب القرار على التحلي بما يمكن من التعقل، لأن المياه المغاربية حتما ستعود إلى مجراها الطبيعي الوحدوي.