الثلاثاء 7 ديسمبر 2021
سياسة

بنمبارك: الجزائر- البوليساريو.. من بات في حاجة إلى التخلص من الآخر؟

بنمبارك: الجزائر- البوليساريو.. من بات في حاجة إلى التخلص من الآخر؟ السعيد شنقريحة، يتوسط، محـمـد بنمبارك، و ابرهيم غالي (يسارا)
سيتساءل القارئ عن مغزى هذا التساؤل دوافعه وتوقيته، بل وقد يرى أيضا أنه من السابق لأوانه طرحه في ظل استمرار تأزم العلاقات المغربية الجزائرية، وإصرار النظام الجزائري على مواصلة عناده المكشوف ضد المغرب للحيلولة دون استكمال وحدته الترابية، وعلى المطالبة بحق تقرير مصير ما يسميه "شعب صحراوي"، واحتضان انفصاليين ورعايتهم.
تساؤلات القارئ تبدو مشروعة ومنسجمة مع واقع حال معاكس لعنوان المقال، بفعل الالتصاق الجزائري بالبوليساريو الذي يزداد سخونة وهيمنة واحتواء، يرافقه تصعيد خطير غير مسبوق ضد المغرب، أغلق معه النظام الجزائري كل سبل الحوار الودي والتواصل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والإنساني والبري والجوي، فلم يترك الباب مفتوحا سوى لسيل من الاتهامات والتصريحات والبيانات المعادية لكبار مسؤوليه ومنابره الإعلامية، بلغت حد التهديد العسكري والتباهي بالقوة والغطرسة في المنطقة، وكأننا أمام مشهد مسرحي ل " فتوة الحي".
إذن ما هي الإكراهات الضاغطة على الجزائر للتخلص من ورطة البوليساريو؟ وما هي الأسباب التي تحتم على البوليساريو التبرؤ والتحرر من القبضة الجزائرية؟.
ـ الـجــزائــر:
كان من المفترض أن يتمكن المغرب من استكمال وحدته دون أي منازع بعد التسوية الودية المغربية الإسبانية، بموجب تفاهمات الطرفين المعززة باتفاقية مدريد نوفمبر 1975 القاضية بتصفية الاستعمار الاسباني من الصحراء، في ظل تعبئة شعبية شاملة.
لكن الجزائر كان لها رأي آخر، عندما تبنت وافدا جديدا على المسرح السياسي بالمنطقة "جبهة البوليساريو" وبنت عليه أطروحتها الرامية إلى عرقلة المشروع الوحدوي المغربي. فجندت لذلك كل طاقاتها السياسية والدبلوماسية والمالية والعسكرية والإيديولوجية. تركة ثقيلة خلفها الرئيس الراحل هواري بومدين، على كاهل العلاقات الجزائرية المغربية، وعلى شعوب المنطقة المغاربية.
إن تكلفة هذه المغامرة الممتدة ل (46 سنة) مرهقة وباهظة جدا، لا يستطيع حكام الجزائر إنكارها أو الكشف عن الأرقام الحقيقية للأعباء المالية الناجمة عنها. وما تزال الخزينة الجزائرية تعاني من نزيف الإنفاق اللامحدود على مشروعها الانفصالي، على حساب تنمية البلاد واقتصادها المتهالك. ناهيك عن أن النظام الجزائري تعرض ولسنوات طوال لكل أشكال الابتزاز من طرف العديد من دول العالم: أموال، هبات منافع عطايا وخدمات ثم مواقف وتنازلات لا حد لها.
لم تخف الجزائر، مقابل ركضها، دوافع تدخلها في قضية الصحراء المغربية، حين كشفت جهارا وفي أكثر من مناسبة، عن الرغبة في تقاسم المنافع، عبر منحها موطئ قدم بالصحراء ومنفذا بحريا على المحيط الأطلسي، وذلك مباشرة أو عبر وكيل/ البوليساريو ... لا يهم. رفض ملوك المغرب الطلب الجزائري لأن الموقف لا يتعلق بتوزيع غنائم حرب، بل مرتبط باستكمال الوحدة الترابية للبلاد، وبقضية شعب بأكمله.
الحالة التصعيدية القائمة اليوم بين المغرب والجزائر، تشير إلى أن نظام الجزائر تبدو عليه حالة التعب والإنهاك من الاستمرار في الدفاع عن قضية خاسرة، على حساب قضايا وطنية ملحة في مقدمتها حراك الشارع المتواصل المطالب بالتغيير وبتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والتهديد بالقضاء على ما يسميه ب "العصابة الحاكمة".
فمن ينقد الجزائر من محنتها الصحراوية؟ وما هي الخيارات المتاحة أمام النظام الجزائري للتخلص من هذه الورطة التاريخية، التي تحولت مع مرور الوقت إلى أزمة جزائرية خانقة، حلها مستعص وفق ما يطمح إليه قادتها. أسئلة من دون شك تقض مضجع قادة الجزائر يوميا، وهم يحالوا إلحاق الأذى بالمغرب بشتى الوسائل والطرق.
يبدو من تصريحات قادة الجزائر وبياناتهم النارية، أن لديهم مخططا للقيام بمغامرة عسكرية ضد المغرب وإشعال حرب بالمنطقة، كوسيلة للهروب إلى الأمام ومن المشاكل الداخلية الضاغطة، وإنقاذ ورقة البوليساريو المتهالكة، والرغبة في خلط الأوراق الدولية بإفشال توجهات قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2602 الداعي إلى إيجاد حل سياسي سلمي مقبول، واستئناف المشاورات السياسية بين أطراف النزاع بما فيها الجزائر.
غير أن الخيار العسكري لدى جنرالات الجزائر، تبدو دروبه بالغة الخطورة. فالوضع السياسي والاقتصادي في البلاد غير مستقر، ولا يحتمل رفع هذا التحدي، لأسباب عدة، أولها الكلفة العالية للمجهود الحربي فضلا عن التركة المالية الثقيلة لتدبير ملف الصحراء على مدى 46 سنة، والتخوف من ردة فعل الشارع الذي لا يعير أهمية لقضية الصحراء والبوليساريو، كما أن المغرب ليس من السهولة الإغارة عليه، فعواقب ردة الفعل المغربية ستكون لا محالة قوية.
وفي حال عدم تمكن النظام الجزائري من الذهاب بعيدا في خياره العسكري، لعواقبه الوخيمة محليا ومغربيا ومغاربيا وإفريقيا ودوليا، فسيستمر كالعادة في استخدام ورقة البوليساريو، بالدفع إلى خوض حرب بالوكالة، وهي دعاية ليس إلا، لأن الانفصاليين يفتقرون إلى كل المقومات العسكرية التي تمكنهم من مواجهة القوات المسلحة الملكية والمساس بالتراب المغربي، ودرس الكركرات التأديبي وغيره من الوقائع لازال حاضرا في أدهانهم. كما سيستمر حكام الجزائر في مناوراتهم السياسية وتمويل لوبياتهم هنا وهناك بإثارة قضايا جانبية أمام المنتظم الدولي للعرقلة والتشويش ليس إلا.( محاولة دينيس روس، أكتوبر الماضي، لدى بضعة أعضاء في الكونغرس الأمريكي).
وهنا نعود لنطرح سؤال العنوان على قادة الجزائر. ألم يحن الوقت لكي تتخلصوا من تركة بومدين وبوتفليقة؟ والتخلي عن أطروحة الانفصال والافتكاك من أعباء البوليساريو المالية والسياسية والعسكرية التي باتت تشكل معضلة وفيروسا ينخر الجسم الجزائري، ليتم تحويل الكلفة الثقيلة والمرهقة للخزينة إلى بناء جزائر الحداثة والمستقبل الواعد للشعب الجزائري.
ـ البوليساريو:
تقدم المغرب بمبادرة الحكم الذاتي جديرة بالقراءة والاهتمام والدراسة والحوار والتبني والتطلع إلى المستقبل، مبادرة كفيلة بوضع حد لصراع مفتعل طال أمده، لكن الرفض جاء من الجزائر والبوليساريو معا. بالتأكيد فإن قادة الجزائر هم أصحاب القرار لأن المبادرة لا تتناسب وأجندتهم الخاصة، فهي موجهة بالأساس إلى جماعة البوليساريو، بمثابة دعوة مفتوحة لإسقاط خيار الانفصال والعودة إلى الوطن الأم، والتوجه نحو آفاق البناء والتنمية والتطور، والانخراط السياسي في تدبير الشأن المحلي لساكنة الصحراء، وتمثيلها في باقي المؤسسات الدستورية وغيرها والاندماج في منظومة الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، ذلك هو خيار الوحدة الوطنية وطي صفحة الماضي.
لكن هل تتمكن قيادة البوليساريو من التخلص من القبضة الجزائرية، وتقرير مصيرها ومراجعة مواقفها بشكل مستقل؟ هل بإمكانها الانفتاح على الوطن الأم، وإجراء نقد ذاتي لتجربة مريرة عمرت 46 سنة دون نتائج تذكر؟ من الصعوبة بمكان الإجابة على هذه التساؤلات بالإيجاب. في ظل حسابات حكام الجزائر وأطماعهم التوسعية.
فجبهة البوليساريو تقع تحت الهيمنة المطلقة للجزائر، ومصيرها وقراراتها مرتهنة للنظام الحاكم. وهذا الأخير يتطلع إلى الانقضاض على ما يراه نصيبه من الكعكة الصحراوية، وسيلته في ذلك البوليساريو، التي عليها أن تستحضر أنها مطالبة برد الدين الجزائري، ففاتورة الخدمة والتجنيد والتبني لمدة 46 سنة لن تكون مجانية، فلا مفر من الاحتواء والهيمنة والاستغلال بل والابتلاع مع الوقت، بمشروع "فيدرالية/ كنفدرالية" أو أي شكل من أشكال القضم والهضم، هذا هو ثمن دولة الوهم والعدم، التي يصبو إليها الانفصاليون، وهذا ما يخطط له جنرالات الجزائر ويلهثون للوصول إليه.
البوليساريو نفسها والعالم بأسره، يدركون أن الصراع في جوهره مغربي جزائري وما قضية الصحراء المغربية سوى أداة من أدوات صراع موازين القوة بين الدولتين، ذات طبيعة سياسية تاريخية إيديولوجية تعود لتركة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، واجترارا للمنظومة الاستعمارية البائدة.
فهل تستطيع قيادة البوليساريو أن تتدارك الموقف وتعيد النظر في حساباتها البعيدة المنال، بالنظر إلى المعوقات التي تواجهها اليوم وغدا، في مقدمتها تشبث المغاربة قاطبة بالدفاع عن وحدتهم الترابية، تغير المناخ الدولي في التعاطي مع القضية الصحراء بعد طرح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي أمام استحالة إجراء الاستفتاء وتغير المفاهيم الدولية لحق تقرير المصير، تآكل جبهة المساندة دوليا لموقف الجزائر، فضلا عن أزمة الحكم في الجزائر المرشحة لكل الاحتمالات. كل ذلك يستوجب من قادة البوليساريو إجراء نقد ذاتي والبحث عن الحل الأمثل خارج سياق توجهات حكام الجزائر، وتغليب المصلحة الوطنية الوحدوية.
في المجمل، يتضح وبالملموس أن من مصلحة الطرفين، الجزائر والبوليساريو، التخلص من بعضهما البعض، وفسح المجال للمضي نحو طريق جديد يضمن الأمن والاستقرار بالمنطقة، وطي صفحة الصراع، لتحل محلها مشاريع التنمية والتطور والازدهار لربح رهان السلم والأمان والتنمية والرفاهية لكافة الشعوب المغاربية التواقة إلى هذا الخيار. جربوا هذا الاستفتاء فهو الأنجع.
الجزء الثاني من هذا المقال سيخصص للموقف المغربي وتوجهات المنتظم الدولي.
 
محـمـد بنمبارك، ديبوماسي سابق