الأحد 28 نوفمبر 2021
مجتمع

حكاية أمّي فاطنة والسّي هدّي مع السوق الأسبوعي بمنطقة دكالة

حكاية أمّي فاطنة والسّي هدّي مع السوق الأسبوعي بمنطقة دكالة
كشفت أمي فاطنة من منطقة دكالة لجريدة "الوطن الآن" عن خاصية وتميز الليلة التي تسبق صباح يوم السوق الأسبوعي بحيث أن جميع أفراد الأسرة صغارا وكبارا يستعدون للإستحمام بحمّام الخيمة، طبعا، بعد تصبين الملابس وتنظيف أركان الخيمة، حيث يلاحظ تصاعد دخان الحمّامات من كل بيوت الدوار، كمؤشر للعبور نحو السوق في يوم الغد.
ولأن المثل المغربي يشدد على أن "دْجَاجْ لَارْبْعَاء، يَتْكَتَّفْ لِيلَةْ اَلثْلَاثْ"، فإن أمي فاطنة تتسلل كعادتها بعد آذان المغرب، لخم الدواجن لجمع بيضها، و القبض على دجاجة أو ديك وتقييد رجليه، من أجل التسوق واستثمار ثمنهما في جلب ما تحتاجه من مواد تجميل شعبية وأعشاب للتداوي، وبعض المقتنيات الخاصة بزوجات أبنائها الذين يتكلفون بالتبضع رفقة زوجها على متن عربتهم المجرورة. ونفس الشيء يخطط له "مُولْ اَلْخَيْمَةْ" السِّي هَدِّي، لمواجهة تكاليف السّوق، حيث يمكن أن يحمل معه (حسب متطلبات التبضع) كيسين من حبوب الشعير والقمح أو القطاني، وقد يتكلف الإبن البكر في بعض الأحيان، بنقل خروف أو نعجة من الزريبة لتسديد "كْرِيدِي" أعلاف ومشتريات السوق الفارط.
إن الدورة الزمنية لأيام الأسبوع في انتظار يوم التسوق بمنطقة دكالة، تحمل في طياتها عادات وتقاليد وطقوس مشتركة و مألوفة عند الأسرة البدوية حسب حكي أمّي فاطنة، التي دأبت على قطع مسافة 7 كلم نحو السوق الأسبوعي رفقة زوجها السِّي هَدِّي على متن العربة المجرورة بدابة حفظت عن ظهر قلب، ممرات العبور وتستعد بدورها للقيام بالواجب دون إفراط أو تفريط حيث قالت: "على متن عربتنا المجرورة، نقطع مسافة طريق السوق دون ملل، ونحن نتبادل أطراف الحديث، وقد يكون برفقتنا أحد الأحفاد الذي نحفه باهتمام بالغ، ونجيب عن أسئلته، ونلتزم بتنفيذ تعهداتنا اتجاهه خصوصا إن كانت أول زيارة له للسوق الأسبوعي".
الولوج من باب السوق يلزم السي هدي بأداء ثمن "اَلصَّنْكْ"، المخصص للعربة والدابة التي تجرها، وأداء رسوم المنتجات برحبة الدجاج ورحبة الحبوب والقطاني: "نَبْدَاوْنْخَلْصُو مَنْ عَنْدْ اَلْبَابْ. نْخَلْصُو على اَلْكَرُّوسَةْ ولَبْغَلْ، وُزِيدْ خَلَصْ فِي رَحْبَةْ اَلدْجَاجْ عَاوَدْ ثَانِي وُرَحْبَةْ اَلْقَمْحْ وَالشْعِيرْ...". توضح أمي فاطنة التي قهرها (أَصْحَابْ اَلصَّنْكْ).
رغم هذه المضايقات المألوفةوالتي ترفضها أمِّي فَاطْنَةْ ويقبلها السِّي هَدِّي على مضضـ حسب تعبيرهما ـ يرسمان على وجهيهما إبتسامةفرح الإقبال على عالم التسوق كرسالة مشفرة في وجه من يريد أن ينغص فرصة لَمَّةْ السوق الأسبوعي التي لا تكتمل شروطها إلا بالاستمتاع بمشاهد ومقطوعات من الطرب والنغم الشعبي التي يؤديها أفراد يجوبون المقاهي الشعبية (ثنائيات فنية) للظفر بدريهمات يجود بها عليهم أغلب المرتادين لفضاءاتها المتواضعة، في هذا السياق قالت أمّي فاطنة الدكالية: "مَا خَشَّايْ مَنْ سَاعَةْ اَلرَّاحَةْ. بَاشْ يَتْجَمْعُوا لَحْبَابْ فِي اَلْقَهْوَةْ تَاعْ لَحْصَايَرْ عْلَى صِينِيَّةْ أَتَايْ وُالسّْفَنْجْ واَلْخُبْزْ وُالسّْمَنْ وُطَايَبْ وُهَارِي وُحَتَّى اَلْحُوتْ. وُنْكَمْلُوهَا بِشِيدَلُّاعَةْ جِيْدَةْ مْعَ اَلْعْنَبْ...".
يبدو أن كل شيء مرتب بدقة في الزمان والمكان، حيث يتفرق أفراد الأسرة لأداء مهامهم وسط السوق، فمنهم من يقوم بمهمة شراء لوازم وحاجيات قفة الخضر والفواكه واللحم والتوابل و مقتنيات أواني المطبخ البدوي، ومنهم من يخصص وقته للإطلاع على أثمنة رؤوس الأغنام والبهائم والأعلاف للتخطيط للفرصة القادمة على مستوى عرض المنتوجات الفلاحية والزراعية. أما أمّي فاطنة فوحدها تستفرد بقضاء أغراضها الخاصة (زيارة العرافة) في بعض الأحيان لقراءة الطالع، والمرور عند العطار لشراء ما يخصها من بخور وحناء وقليل من القطران والحرمل والشيح. دون أن تفرط في تخصيص وقت مهم عند نساء القبيلة بِرَحْبَةْ بيع اَلطُّعْمَةْ والصّوف من أجل السؤال عن أثمنة اَلجَّلَالَبْ وُاَلْحِيَّاكْ وُالزَّرَابِي في أفق عقد صفقة مستقبلية لمنتوجها القادم من صوف الأغنام.
السِّي هَدِّي بدوره كان يؤدي مهمة اَلْجَدْ القدوة في العبور نحو السوق الأسبوعي، بحيث يخصص وقته لحفيده، ويصاحبه في جولة ببعض المرافق بعد أن يمنحه ورقة مالية عربون على المحبة، حيث تبتدئ جولته من عند حلاق السوق لقص شعر الحفيد، ثم تليها رحبة "لَبْلَاغِي"، و الألبسة التقليدية الخاصةبحفل "اَلْخِتَانْ"، والمرور إلى رحبة الثوب والأقمشة.وبتنسيق واستشارة مع أمّي فاطنة، يتحمل السِّي هَدِّي كذلك مسؤولية تبضع "دْهَازْ" زواج ابنته وتجهيزها ليوم زفافها لإقامة العرس في فصل الصيف وتروح عند خيمة العريس في موكب احتفالي بالأهازيج الشعبية محمل بـ (صْوَانِي وُبْرَارَدْوُعْمَايَرْ أَتَايْ، وموائد خشبية، ودولاب، وأواني فضية ونحاسية ومنتوجات النسيج...).
عند العودة من السوق تسير العربة رويدا رويدا بحكم ثقل البضائع والسلع وأكياس العلف، حيث تتربع قفة السوق على عرش العربة تفوح منها رائحة مغرية، وبجانبها أكياس بلاستيكية مملوءة بالمقتنيات. وفي ركن قريب من السّي هدّي هناك كيس خاص يحتوي على أنواع حلويات الشَبَّاكِيَةْوفَنِيدْاَلْمَاﯕَـنَةْ والْحَمَّصْ وكَاوْكَاوْ... من أجل توزيعه على الأطفال الصغار الذين ينتظرون قدوم آبائهم وأمهاتهم من السوق عند مدخل الدوار، لذلك لا يمكن أن تلج العربة من باب الخيمة إلا بعد تسوية الأمور مع كل الأطفال الذين ألفوا هذه العادة ولا يمكن بتاتا أن يتنازلوا عليها.
ليلة السوق الأسبوعي هي فرصة أيضا في منطقة دكالة لتشارك وتبادل الملح و الطعام بين أهالي الدّوار، واحتساء كؤوس الشاي، والاستمتاع بلحظات تقوية الروابط الاجتماعية، حيث يتم تبادل الزيارات بين الأقرباء منهم بالدّم أو المصاهرة خصوصا إن تعذر على أسرة ما التسوق مثل سائر الأسر بسب المرض أو بعلة ذائقة مالية.