الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
اقتصاد

عثمان مودن: على حكومة أخنوش التركيز على التخفيف من عبء المديونية والتحكم فيها

عثمان مودن: على حكومة أخنوش التركيز على التخفيف من عبء المديونية والتحكم فيها عثمان مودن
في حوار مع موقع "أنفاس بريس"، يرصد عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، ودكتور في القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس أكدال الرباط، أبرز نقاط قوة مشروع قانون المالية لسنة 2022 وما يمكن أن يسجل ضد المشروع.
 
ما هي أبرز نقاط قوة مشروع قانون المالية لسنة 2022؟
لابد أن نسجل بداية التحدي الذي ربحته حكومة عزيز أخنوش وقدرتها على إدخال بعض الرتوشات على مشروع قانون المالية لسنة 2022 وعرضه على المجلس الوزاري والحكومي، وإيداعه بمكتب مجلس النواب داخل الآجال القانونية المنصوص عليها في المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية.
أما بخصوص أبرز ثلات نقاط قوة يمكن أن نسجلها لصالح مشروع قانون المالية لسنة 2022 فتتجلى في ما يلي:

أولا: مسألة الرفع من الحجم الإجمالي للاستثمارات العمومية، حيث انتقل الاستثمار العمومي من 230 مليار درهم في قانون مالية 2021 إلى 245 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2022، وهي الاستثمارات الموزعة ما بين ميزانية الدولة بمبلغ 88.9 مليار درهم (الميزانية العامة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والحسابات الخصوصية) وصندوق محمد السادس للاستثمار بمبلغ 45 مليار درهم، و المؤسسات والمقاولات العمومية بمبلغ 92.1 مليار درهم، والجماعات الترابية بمبلغ 19 مليار درهم، ومن شأن ذلك أن يعطي شحنة جديدة لإنعاش الاقتصاد الوطني، والخروج له من مرحلة أزمة ما بعد الجائحة. لكن لا بد ان نسجل ملاحظة مثلا على مستوى نفقات الاستثمار بالميزانية العامة والتي من المتوقع ان تبلغ في المشروع حوالي 87.4 مليار درهم (اعتمادات الأداء) بنسبة زيادة 13.21% عن سنة 2021، فإن الحكومة منحت لنفسها صلاحية لتطبيق احتياطات اعتراضية لتنفيذ هذه النفقات في حدود 14% وفق ما أقرته المادة 40 من مشروع قانون المالية لسنة 2022 اضافة إلى الآلية المتاحة بموجب المادة 62 من القانون التنظيمي للمالية.

ثانيا: بخصوص المساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح، والتي تراجعت الحكومة الحالية في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2022 عن تطبيقها على الأشخاص الذاتيين، وحصرها على الشركات فقط (مع إعفاء الشركات التي تحقق ربح أقل من 1 مليون درهم، والشركات المعفاة من الضريبة على الشركات بصفة دائمة، والشركات التي تزاول أنشطتها داخل مناطق التسريع الصناعي، وشركات الخدمات التي تستفيد من النظام الجبائي المنصوص عليه لفائدة القطب المالي للدار البيضاء)، وستطبق هذه المساهمة على أساس مبلغ الربح الصافي الذي يعتمد لاحتساب الضريبة على الشركات والذي يساوي أو يفوق مليون درهم ، وذلك بنسب تصاعدية كالتالي: 2% بالنسبة للشركات التي يقع ربحها الصافي بين 1 إلى 5 مليون درهم، و 3% بالنسبة للشركات التي يتجاوز ربحها 5 ويصل الى 40 مليون درهم، و5 % بالنسبة للشركات التي يفوق ربحها 40 مليون درهم. وأكيد أن إعفاء الأشخاص الذاتيين من هذه المساهمة هو أمر إيجابي وينم عن تجاوب الحكومة وتتبعها للنقاشات التي كانت قد أثارتها فرض هذه المساهمة عليهم خلال قانون المالية 2021 ، كما أن تنزيل هذه المساهمة بهذه الطريقة لتشمل الشركات من 1 مليون درهم الى ما فوق، أمر سيمكن الدولة من تحصيل عائدات مهمة تدرج في الحساب الخصوصي المسمى “صندوق دعم التماسك الاجتماعي”، المحدث بموجب قانون المالية لسنة 2012، والذي تغيرت تسميته مع قانون المالية 2021، ليصبح “صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي”، وذلك بهدف توفير الاعتمادات اللازمة لتمويل منظمات الحماية الاجتماعية، تجاوبا مع الخطب الملكية السامية، وهو الصندوق الذي سيمول كذلك بحصيلة الضريبة الداخلية على الاستهلاك المشار إليها في الجدول «ف» من الفصل 9 من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.340 الصادر في 9 اكتوبر 1977، وهو الجدول المتعلق بالمنتجات والآلات والأجهزة التي تشتغل بالكهرباء، والتي ارتفعت الضريبة الداخلية على الاستهلاك الخاصة بها في مشروع قانون المالية لسنة 2022. 

ثالثا: استمرار دعم الحكومة لغاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، هذا الأمر يظهر جليا من خلال الرفع من الاعتمادات المخصصة للتكاليف المشتركة_التسيير، والتي انتقلت من 24 مليار درهم سنة 2021 إلى 27 مليار درهم مع مشروع قانون المالية لسنة 2022، وهذا الأمر فرضته أمور اجتماعية اساسا ترتبط بتغطية تحملات المقاصة، وذلك لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، وقد خصصت الحكومة لذلك مبلغ 16.02 مليار درهم، ما يعني استبعاد أي فرضية لتخلي الدولة عن دعم أسعار المواد السالفة خلال السنة المقبلة وهو أمر جد إيجابي يراعي الوضعية الاجتماعية للكثير من الفئات المجتمعية، لكن مع ذلك لابد ان يكون لنا ايمان بضرورة إصلاح هذا الصندوق وآليات الدعم خصوصا على مستوى كيفيات استفادة الكثيرين منه، وهو ما ينبغي تنزيله في قوانين المالية للسنوات الثلاث الموالية.
 
 ما الذي يمكن أن نسجله ضد المشروع؟
ما يمكن أن نسجله ضد مشروع قانون المالية لسنة 2022 ثلاث ملاحظات هي كالتالي:

أولا: استمرار ارتفاع نفقات التسيير، وخاصة على مستوى نفقات المعدات والنفقات المختلفة، التي انتقلت من 50 مليار درهم سنة 2021 إلى 55 مليار درهم، بزيادة نسبتها 9.82 % وهذا الأمر بصراحة غير مفهوم ويتعارض مع التوجهات الحكومية الرامية إلى ترشيد وعقلنة مثل هذا النوع من النفقات.

ثانيا: فرضية توقع محصول زراعي من الحبوب يصل إلى 80 مليون قنطار، أصبحت تظهر من الآن غير واقعية بسبب تأخر التساقطات المطرية واستمرار موجة الحر إلى شهر نونبر، وبالتالي فالمؤشرات الحالية لموسم جاف لا قدر الله، قد يؤثر على الفلاحة المغربية ككل وليس فقط محصول الحبوب، مما سينعكس على معدل النمو الذي تتوقعه الحكومة.

ثالثا: إشكالية سلبية الرصيد العادي للميزانية، وهو ما اعتبره أسوء نقطة في مشروع قانون المالية لسنة 2022، حيث أن الموازنة بين المداخيل العادية للميزانية (254.9 مليار درهم) والنفقات العادية للميزانية (270.3 مليار) تفرز من البداية رصيدا سلبيا قدره ناقص 15 مليار درهم، وهو ما يعني أن مختلف الموارد الضريبية وغير الضريبية لا تكفي حتى لتمويل النفقات العادية؟ وحتى وإن كانت الحكومة الحالية قامت بمجهود لحل هذا الإشكال ومحاولة ضبطه (على اعتبار أن الرصيد العادي للميزانية في قانون المالية لسنة 2021 كان يصل إلى ناقص 25 مليار درهم) فإن ذلك غير كافي لأن الامر يقتضي ضرورة التخلص نهائيا منه وليس فقط التحكم فيه. فسلبية الرصيد العادي للميزانية وضعية غير مقبولة في التدبير الميزانياتي، وان حدثت فلا ينبغي أن يستمر ظهورها في قوانين المالية بشكل سنوي وينبغي ان تكون مؤقتة فقط، ذلك أن وزير الاقتصاد والمالية السابق كان قد أكد على كون سلبية الرصيد العادي للميزانية سنة 2021 هو امر مؤقت فقط، غير أن هذا الرصيد السلبي استمر مع مشروع قانون مالية 2022.
 
كسؤال أخير ماذا عن المديونية الخارجية وكيف ستتعامل معها الحكومة الحالية؟
الجميع يعلم أن حكومة عزيز أخنوش ورثت عبئا ثقيلا عن حكومة سعد الدين العثماني، والمتعلق بالمديونية الخارجية للمغرب، فالدين العمومي الخارجي للمغرب عرف أكبر قفزة في تاريخه بزيادة أكثر من 62 مليار درهم في ظرف خمس سنوات، حيث انتقل من 312 مليار درهم سنة 2016 ليصل إلى عتبة 374 مليار درهم سنتي 2020 و 2021 (دين الخزينة 199.7 مليار درهم، دين المؤسسات والمقاولات العمومية 171.1 دين القطاع البنكي العمومي 1.3 ودين الجماعات الترابية 2.0 ودين المؤسسات ذات المنفعة العامة 0.5 ) وهو ما يمثل أزيد من 34% من الناتج الداخلي الإجمالي، وبالتالي فإن إهتمام الحكومة الحالية ينبغي أن ينصب على التخفيف من عبء هذه المديونية والتحكم فيها، بدل الرفع منها وهو ما قد ينتج عنه بالتبعية تعميق أزمة المالية العمومية بالمغرب، غير أن إكراهات التمويل فرضت على الحكومة الحالية أن تضمن مشروع قانون المالية لسنة 2022 مبلغ 40 مليار درهم كمورد سيتأتى من القروض الخارجية؟ وأكيد أن الخروج من هذه الوضعية المعقدة يحتاج إصلاحات قوية وإرادة سياسية في اتجاهين: عقلنة وترشيد النفقات العمومية وإصلاح جبائي شامل يقطع مع سياسة الريع والامتيازات ويزجر التهرب والغش الضريبيين ويكرس مبدأ العدالة الضريبية.
 
عثمان مودن/ رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية