الخميس 2 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

عبد الإلاه حبيبي: التمريض زمان في مستوصفات زمان... "مدام ناريو" بقرية مريرت الأمازيغية

عبد الإلاه حبيبي: التمريض زمان في مستوصفات زمان... "مدام ناريو" بقرية مريرت الأمازيغية عبد الإلاه حبيبي
المناسبة التي حفزتني على الكتابة في هكذا موضوع هو اطلاعي مؤخرا على انتظارات الناس وتمثلهم لجودة الخدمات الطبية التي يحلمون بها في بلدتي مسقط راسي مريرت، وهي متمنيات تملؤها تارة الحسرة والحنين لزمن ولى، وتارة تشد الرحال نحو الحلم بطبيب أو طبيبة يشبهان في ملامحهما صورة مثالية قريبة من قسم ابوقراط الإغريقي...
لكن لنبدأ من البدء...المرض والإصابات والأوبئة وكل ما يهدد الصحة له منطق خاص، أهم سماته هي الاستعجال، أي البحث عن علاج سريع وفعال لإيقاف النزيف إذا كان الأمر يتعلق بحادث سير أو سقوط من مكان عالي، أو إصابة بمدية أو بأداة حادة، أو البحث عن عقاقير لإيقاف إسهال قوي يهدد المريض بجفاف الجسم من الماء والأملاح وبالتالي الوفاة، أو طلب أمصال مضادة للسموم وخاصة لدغات العقارب والأفاعي التي تكثر في فصل الصيف وترتفع معدلاتها في الأوساط القروية ...كلها حالات تستلزم علاجا سريعا وفعالا، لهذا أصبح المستشفى ضرورة مؤسسية للاستجابة لهذه الحالات التي تصبح فيها حياة الناس في خطر، بمعنى أن الحل لإنقاذ المرضى والمصابين من تبعات المرض والإصابات واللدغات وحتى عسر الولادات وغيرها من الدواعي المرضية هو وجود مكان أو فضاء تتوفر فيه الخدمات الصحية المناسبة والمطابقة للمعايير الصحية العالمية ... هاهنا نحن دوما في سوق البديهيات، أي في رفع اللبس عن معنى المستشفى اصطلاحا ودلالة وتنظيما في علاقته بالوظائف التي من أجلها وجد...
لعل البحث في دلالات الأشياء هو من الأواليات التي تدخل في سياق العلم بها، حيث أن الجهل بهذه المداخل الأولية هو سبب الكثير من الكوارث، وبالتالي يصبح من المستعجل تنوير المعنيين بالأمر بهذه المقدمات الضرورية لإعادة اكتشاف المهن والأمراض و الأوساط والسياقات والسياسات والدولة والمواطنين، وكل هذا المعجم الذي استلهمناه من الفلسفة السياسية لفلاسفة الأنوار، ونصوصهم التي ألهمت العالم وحملته على التخلي عن الأفكار التقليدية، والأساليب العتيقة في الفهم والتدخل والتكفل بالمرضى و الأمراض...أي تلك الأفكار التي جعلت الإنسان هو مركز كل السياسات، ومركز كل الفلسفات، ومركز كل المخططات، وكرست مفهوم الدولة ليصبح متوافقا مع هذه النزعة الإنسانية الكونية الكاسحة...
المستشفى في خيالي الطفولي يعيدني إلى تلك الممرضة الملاك، المسماة آنئذ مادام "ناريو"، جميلة الخلقة، والخلق، ممشوقة القوام، شعرها كث، أسود، طويل، منسدل دوما على كتفيها الناعمين، عيناها سوداوان واسعتان، لون بؤبؤهما يميل إلى البني، ليست شقراء، بل ملامحها كانت تقترب من ملامح سيدة من أصول إيبيرية أو إغريقية، بمعني آخر أنها كانت تمتلك جمالا متوسطيا، تحرص على أداء عملها ببذلتها المهنية البيضاء، حاضرة في كل وقت وحين في المستوصف القروي لمريرت، خدومة بكل تفان، الابتسامة اللطيفة لا تفارق شفتيها، لا تضجر من خدمة مرضاها، نساء ورجال القرية الأبرياء، سكان جبال الأطلس البسطاء، الذين لا يشترطون كثيرا في طلب حقوقهم، بل يكتفون بالموجود، لقد وجدوا في مدام "ناريو" آنذاك خير مؤنس لعللهم، وخير معالج لأسقامهم ولو أنها لم تكن طبيبة، بل مجرد ممرضة لكن بنفحة إنسانية كبيرة جدا...
لم تكن وحيدة في المستوصف، بل كانت تشتغل كنحلة وسط فريق من الممرضين المغاربة، منهم من غادر هذه الدنيا الفانية تاركا أثره الجميل خلفه، ومنهم من لازال ينتظر وما بدلوا تبديلا، كانت "مدام ناريو" عروس هذا التاريخ... تنتقل بسيارتها الرونو 4 إلى البيوت لعيادة النساء المريضات، وتقديم الخدمات لهن في عين المكان إذا تعذر عليهن القدوم إلى المستوصف، ولازال اغلب أصدقائي من مجايلي يحتفظون في ذاكرتهم بتلك الروائح الطيبة التي تتركها وراءها "مدام ناريو" حينما تغادر المكان، أو بيتا، أو متجرا، تخلف وراءها سيلا من الهواء الطيب، ممزوج بعطر نادر، و هكذا نظل نتشوق إلى استنشاق هذا العطر متى رأيناها تعبر الطريق بسيارتها البيضاء، أما أهم حلم أو أكبر عرس كنا ننتظره على أحر من الجمر هو أن تكون من ضمن عناصر اللجنة الطبية التي ستزور المدرسة لتضع في عيوننا ذلك المرهم العجيب الذي كان يحمينا من كل الجراثيم وبعض البكتريا المسببة لأمراض العيون والعمى لدى الصغار... حينما تنحني مدام ناريو لوضع المرهم في عيني كنت أقترب كثيرا حتى ابتلع رائحتها الساحرة وكأنها فعلا ملاك قادم من السماء... يا لها من روعة اللقاء بهذا الكيان العجيب في ذلك الزمن الفريد...
لن أطيل في الوصف لأن المقام يستدعي الحديث عن وجوه أخرى قدمت خدمات طبية جليلة لقبائل آيت سكوكو زمن الستينيات والسبعينيات ومنهم الراحل حمدان الذي ظل وفيا لمهنته حتى لقي ربه قبل أشهر ، وحينما سافرت إلى مريرت أول من قمت بزيارته هو قبر هذا الرجل وقبر والد صديقي الحاج أمدياز، حيث ولحسن الصدفة دفنا هذان الرجلان الأصيلان في المقبرة القديمة وفي نفس المكان تقريبا... رحم الله كل هؤلاء الرجال وهؤلاء النساء اللائي قدمن من بلاد العجم لعلاجنا بأريحية وإنسانية، وهن الذين قال فيهن الله سبحانه وتعالي: " ثم قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ ..... صدق الله العظيم ...