الخميس 2 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

سعيد أكدال: قضايا في التدبير الحضري

سعيد أكدال: قضايا في التدبير الحضري سعيد أكدال

نحن لا ننكر أبدا أنه منذ الاستقلال إلى الآن تحققت إنجازات لا سبيل إلى إنكارها، كما خرجت للوجود مشاريع عدة ونفذت برامج ومخططات بمختلف الجماعات الترابية بالمغرب. غير أن كل ما تحقق ليس بفضل حكامة جيدة تحظى برضى المواطنين وتستجيب لمتطلباتهم وتتماشى مع انتظاراتهم.

 

ويظل المغاربة قاطبة يأملون لمس نتائج نقلة نوعية لمسألة تدبير الشأن المحلي على غرار الدول المتقدمة. ففي العديد من المؤسسات الترابية بالغرب أضحت رغبات المواطن هي المحدد الرئيسي الذي لا يتحكم فقط في التشكيل السياسي للمجالس المنتخبة، وإنما في تقرير مصير جماعته.

 

فلماذا ما زلنا في المغرب ننتظر تلك النقلة النوعية لتدبير الشأن المحلي؟

 

بإجابتنا عن هذا السؤال نرغب في تجديد الخطاب والتأسيس لمعالجة واقعية للقضايا المرتبطة بالشأن المحلي. فتعاملنا مع مسألة التدبير بالجماعات الترابية المغربية لن يكون من منطلق المنظر أو الباحث البعيد كل البعد عن حقيقة تدبير الشأن المحلي، ولكن التعامل سيتحقق من منطلق الباحث والممارس للعمل الجماعي في آن واحد.

 

القضية الأولى: التأطير القانوني للعمل الجماعي واستمرار التدبير الكلاسيكي

حين الحديث عن العمل الجماعي بالمغرب تتكرر بعض الخطابات حتى أن تكرارها هذا جعلها تبدو وكأنها مسلمات أو ثوابت. فالسنوات الماضية ظلت تتميز بهيمنة الخطاب الذي يربط بين العمل الجماعي والتنظيم القانوني الذي يؤطره. وبعبارة أخرى، كانت وما زالت كل قضايا تدبير الشأن المحلي تناقش وتعالج انطلاقا من منظور يعتبر أن مسبباتها هي ذات طبيعة قانونية في المقام الأول.

 

لذلك ما انفكت أجهزة الدولة، منذ الاستقلال، تجتهد في ابتكار الأساليب والآليات القانونية لتأطير العمل الجماعي، ظنا منها على أن ما كانت تقدم عليه هو السبيل الذي يمكن من الارتقاء بالتدبير والوصول إلى الحكامة الجيدة.

 

ففي هذا الإطار جاء الميثاق الجماعي لسنة 1976 معلنا عن نقلة نوعية للعمل الجماعي بالمغرب. حيث اعتبر كثورة ديمقراطية حررت تدبير الشأن المحلي من تحكم السلطة، وأعطت للأجهزة المنتخبة فرصة لتدبير شؤونها بنفسها.

 

ولم تكن التعديلات التي أضفيت فيما بعد على هذا الميثاق الجماعي كافية لتجاوز معضلات تدبير الشأن المحلي. وقد استمر الوضع على ما هو عليه إلى حدود سنة 2002 حيث تم إصدار الظهير الشريف رقم 1.02.297 بتنفيذ القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي. وتمحورت التعديلات حول توفير آليات تجعل المنتخبين فاعلين أساسين فيما يتعلق بوضع مخططات التنمية المحلية. وجاءت معها بما سمي بنظام وحدة المدينة الذي أقر مقتضيات تهم اختصاصات رؤساء مجالس جماعات المدن الستة الكبرى ورؤساء مجالس المقاطعات التابعة لها. هذا علاوة على وضع آليات لتنظيم وتأطير التعاون بين الجماعات.

 

وقد ظل الهاجس القانوني هو المسيطر دائما على التعامل مع مسألة تدبير الشأن المحلي بالمغرب، وكأن المعضلات التي كانت تواجهها أجهزة السلطة والأجهزة المنتخبة هي معضلات ذات طبيعة قانونية فحسب. لذلك تم إصدار القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات في سنة 2015. وكان أبرز ما نص عليه هذا القانون هو الانفتاح على المجتمع المدني وإشراك الجميع في صنع القرار المحلي وذلك من خلال إقرار آليات التدبير التشاركي، والتي لم تفعل بالشكل المطلوب.

 

وموازاة لتعديل الإطار القانوني للعمل الجماعي وابتكار آليات تدبير جديدة، عمدت الوزارة الوصية إلى إعادة التقطيع الترابي للمملكة وإحداث جماعات أخرى. فبعد أن كان عدد الجماعات يصل إلى 801 في سنة 1959 انتقل إلى 859 في سنة 1984 ثم إلى 1547 في سنة 1997 ليصل في سنة 2009 إلى 1503 جماعة.

 

غير أن النصوص القانونية وما صاحبها من تعديلات وتقطيعات ترابية لم تكن كافية لتحقيق نقلة نوعية للتدبير ولم يتأتى الوصول للحكامة الجيدة الحقيقية التي تضمن خدمات عمومية تستجيب لمتطلبات المواطن وانتظاراته.

 

فإن بدا مظهريا أن العمل الجماعي بالمغرب قد حظي بتطورات مهمة منذ الاستقلال، وإن بد أيضا أن تدبير الشأن المحلي أضحى يمارس في إطار ديمقراطية حقة تجسدها استقلالية الجماعات الترابية، فإن الحقيقة الواقعية تعبر عن وضع مخالف. فالنقائص والانتقادات المرتبطة بتدبير قطاعات النقل العمومي والنظافة والبيئة والمساحات الخضراء والبنيات التحتية والسكن...لا زالت قائمة وتظل معها انتظارات المواطنين معلقة.

 

وخلاصة الأمر أن مسألة تدبير الشأن المحلي بالمغرب ليست فقط مسألة تشريعات وقوانين ونصوص تنظيمية بقدر ما أنها مسألة مرتبطة بما هو ذو طبيعة بشرية. إن ما لا يمكن استمرار الإيمان به هو أن معادلة العمل الجماعي معادلة مؤلفة من عنصرين: الإطار القانوني والموارد البشرية. ومع الأسف أن الاهتمام ظل موجها لما هو قانوني. ولا جرم أن الوصول إلى الحكامة الجيدة لن يكتب له التحقق إلا من خلال التعامل المتكافئ مع عنصري المعادلة دون تمييز بينهما بحيث تعطاهما الأهمية نفسها.

 

- سعيد أكدال، إطار جماعي وباحث جغرافي مهتم بالشأن المحلي