الأربعاء 27 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

عبد الرحمان الغندور: هل المغرب المتغير باستمرار.. يتقدم أم يتقهقر؟

عبد الرحمان الغندور: هل المغرب المتغير باستمرار.. يتقدم أم يتقهقر؟ عبد الرحمان الغندور
عشت مغرب الخمسينات من القرن الماضي، إلى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. وأشهد صادقا -أنا المنتمي إلى أسرة على حافة عتبة الفقر المدقع- أني في سنوات الرصاص، التي عمرت طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، قد تمتعت نسبيا بأكثر الحقوق التي تضمن لي العيش الكريم. مثل حق أسرتي في سكن متواضع جمع بين الطوب والصفيح، بوجيبة كرائية بسيطة لا تتجاوز 30 درهم شهريا. كما استفدت مثل أبناء جيلي من تعليم مجاني جيد من الابتدائي إلى العالي، وتمتعت بمنحة جامعية كنت أقاسم مبلغها مع أسرتي الفقيرة جدا، كما تمكنت من سكن في الحي الجامعي، وتغذية جيدة، كما ونوعا، بمطعمه، بوجيبة 1.15 درهم للوجبة. واستفدت من تطبيب مجاني منذ طفولتي إلى أن اصبحت موظفا استمتع بحقي في أنظمة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية.
لم يكن بالنسبة لي ولجيلي هاجس الشغل من بين الهواجس المؤرقة كما هو اليوم. فقد كانت فرص الشغل متوفرة بأية شهادة من شواهد التعليم، بل كان مستوى الشغل وقيمته الاجتماعية والمادية يرتفعان تبعا لارتفاع الشهادة المحصل عليها. (شهادة ابتدائية، ثانوية "البروفي"، باكالوريا، إجازة، شهادة الدروس المعمقة، دكتوراه...) لذلك استطعت بمجرد تخرجي، تكوين أسرة وتربية أبنائي وتعليمهم مجانيا، وبعد سنوات من التخرج تمكنت من اقتناء شقة وسيارة بقروض في المتناول، لاسيما وأن شريكة حياتي هي بدورها لها شغل وتتمتع باستقلال مادي يساهم في تدبير شؤون الأسرة.
كل هذه المكاسب المادية، كانت متحققة في زمن أطلقنا عليه "زمن الرصاص" الذي كنا نناضل فيه بشراسة من أجل حقوقنا السياسية والنقابية، التي لم تكن في المتناول مثل الحق في حرية التعبير والتظاهر، والتي كنا نفرضها بنضالاتنا ونحقق الكثير منها، بالرغم من أنواع القهر والقمع والتنكيل التي كان يسلطها علينا نظام الحكم، ويرغمنا على تأدية ضرائب باهظة من الأرواح والمنافي وسنوات الاعتقال والحرمان من الأرزاق، والتي كان لي شرف تحمل نصيب منها بافتخار وكبرياء.
أما اليوم، وبعد التصريح بانتهاء زمن الرصاص والاختطافات والاغتيالات والمعتقلات والمنافي، وبعد هذا الذي يسمى تقدما اجتماعيا وماديا من الناحية الكمية، وهذا الهامش الديمقراطي القائم على الانتخابات الموسمية، وهذا الاعتراف بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا. بعد كل هذا يفرض علي الواقع المغربي المتحول أسئلة حارقة. فالشريحة الاجتماعية المعدمة التي كنت أنتمي إليها في زمن الرصاص، والتي استطاعت التطور بفعل التعليم إلى شريحة "متوسطة" نسبيا، قد اتسعت كما ونوعا، باتساع دائرة الفقر، وأغلقت في وجهها كل إمكانية التطور أو الترقي، إلا في حدود ضيقة جدا، وتزداد ضيقا مع توالي الأيام. ولم يعد التعليم ذاك "المنقذ من الفقر" كما كان في جيل أزمنة الرصاص، بل انفتح الباب على وسائل أخرى، أبرزها بيع الكرامة مقابل بعض الحقوق التي كانت إلى الأمس القريب مكتسبات غير قابلة للمساومة.
لا أحد اليوم، من أبناء وبنات الشريحة الاجتماعية التي انتميت إليها في النصف الأول من القرن الماضي، من هو قادر في "زمن الديمقراطية" أن يحقق ما تحقق لي ولجيلي بشموخ وكبرياء، في "أزمنة القهر والتنكيل".
كل ما تمتعت به وتمتع به أبناء جيلي، كان ينتزع انتزاعا كحقوق واجبة على دولة اعتبرناها ظالمة، مقابل ضرائب باهظة. لكنه اليوم، بالنسبة لجموع الشباب، الذي يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالتفاهات، تحول من حقوق مفروضة على الدولة، ومنصوص عليها دستوريا، إلى أحلام، أو أضغاث أحلام أصبح الوصول إليها في علم الغيب، وأحيانا من المستحيلات.
كل هذا الهجوم على المكتسبات والدوس على الحقوق يتم اليوم بشعارات النماذج التنموية القديمة والجديدة، والاستثناء الديمقراطي "النزيه" كأساس لكل إقلاع اقتصادي واجتماعي وتنموي، وتحت لافتة عريضة من الكذب والنفاق والخداع، يصدقها الناس رغم يقينهم بعدم مصداقيتها، وهم يعاينون استمرار مسلسل النهب والفساد من طرف اللوبيات الاقتصادية التي بوأتها صناديق الاقتراع مواقع القرار السياسي.
خلاصة المقارنة بين مغرب الأمس ومغرب اليوم، هي أن ما كان بالأمس حقا مكتسبا بقوة النضال، أصبح اليوم حلما، عسير التحقق عند البعض، ووهما مستحيلا عند الأغلبية الساحقة، مع فتح المجال للطرق "السحرية" التي تحول الحلم إلى حقيقة، بما تتطلبه هذه الطرق من هدر للكرامة وقابلية للاستعمال والخضوع والانحناء، وانخراط غير مشروط في عالم الرداءة والضحالة والدناءة والعمل على ترويجه وتقديسه وترسيخه، بفضل ما تتوفر عليه منظومة التحكم المحلية والكونية، من وسائل اقتصادية وسياسية وتكنولوجية تسهل عمليات التهجين والتدجين.