الخميس 21 أكتوبر 2021
خارج الحدود

إيريك زيمور.. وريث النازية ورائد التطرف والعنصرية بالإعلام الفرنسي

إيريك زيمور.. وريث النازية ورائد التطرف والعنصرية بالإعلام الفرنسي إيريك زيمور الكاتب العنصري المثير للجدل داخل الأوساط الإعلامية الفرنسية

لم يعد إيريك زيمور فقط ذلك الكاتب العنصري المثير للجدل داخل الأوساط الإعلامية الفرنسية، بل صار اليوم الظاهرة المميزة للحملة الانتخابية الخاصة برئاسيات 2022 بعد إعلانه عن احتمال الترشح. ومن ثم تقوى صيته لدرجة أن آخر استطلاعات الرأي، الخاصة بنوايا المصوتين الفرنسيين، قد وضعته في المرتبة الرابعة مع اليساري جون لوك ميلونشون زعيم فرنسا الأبية 11 %، وذلك بعد الرئيس إيمانويل ماكرون بنسبة 23 % ومارين لوبين زعيمة حزب التجمع الوطني (أقصى اليمين) بنسبة 18 % والوزير الأسبق كزافيي بيرتراند (من حزب الجمهوريين-اليمين التقليدي) بنسبة 14 %، في حين لم تحصل عمدة باريس آن هيدالغو (من الحزب الاشتراكي) سوى على 8 %.

المثير للنظر أن زيمور صار يحظى بهذه الرتبة مع أنه، بخلاف  باقي الأسماء المذكورة لم يعلن ترشيحه رسميا، ولا  ينتمي إلى حزب معين. فقط أصدر مع بداية الحملة كتابا بعنوان "فرنسا لم تقل كلمتها بعد" حقق رقما كبيرا من حيث المبيعات، وصارت حملات التوقيع بمثابة تجمعات انتخابية.

من هو زيمور؟ ما أفكاره؟ ولما نخصص له هذه الورقة تحديدا؟

هو كاتب وصحافي فرنسي (63 سنة) ينحدر من أسرة يهودية أمازيعية كانت تعيش في الجزائر ثم انتقلت إلى فرنسا قبل قرن ونصف، وتجنست. بدأ كاتب مقالات ثم اشتهر كأحد المشاركين في برنامج On n'est pas couché الذي يقدمه لورون ريكيي على القناة الثانية. وبموازاة هذا الانتشار الإعلامي أصدر عددا من الكتب من بينها "الانتحار الفرنسي" سنة 2014 الذي يلخص أهم أفكاره المتمحورة أساسا حول قضايا الهوية والهجرة والإسلام انطلاقا من تشخيص أسود لواقع فرنسا ومستقبلها. فهو يعتبر أن بلاده تقيم على الهاوية، وتتهددها حرب أهلية بسبب ما سماه "الاحتلال الأجنبي" الذي قام به المهاجرين الأفارقة والعرب والمسلمين. ويفسر ذلك الاحتلال بالقول، كما صرح بذلك في لقائه الأخير مع ميلونشون، بأن فرنسا لم تعد هي فرنسا بل تم تعويضها بقوم آخر. وهو ما يزعزع في رأيه التوازن الديموغرافي والثقافي والاجتماعي.

و تكمن الخطورة، حسب رأيه،  في "كون هؤلاء المهاجرين لا يأتون من أجل الانخراط في القيم الجمهورية كما فعل أسلافه حين قدموا من الجزائر. بل يأتون لإقامة دولتهم بثقافتها الخاصة المنافية لتلك القيم. فهم يرفضون قيم فرنسا. بما في ذلك الأسماء الفرنسية". ويضيف موضحا إنهم يعيشون في فرنسا، ويتمتعون بخيراتها، وحين ينجبون يسمون أبناءهم محمد...
ولذلك يدعو إلى أن يفرض على هؤلاء تسمية المواليد بأسماء فرنسية عبر العودة إلى القانون الذي كان نابليون بونابرت قد أقره لتحديد أسماء المواليد المسموح بها، والذي ألغي سنة 1993. وإذا تمسكوا بأسمائهم العربية أو الإفريقية فلتكن اسما ثانيا. نذكر ضمن هذا السياق انتقاده الصارخ لرشيدة داتي ذات الأصل المغربي ووزيرة العدل الفرنسية سابقا، بعد أن سمت ابنتها "زهرة" تكريما لوالدتها، مؤكدا أن ذلك "الاسم لا يندرج في قائمة الأسماء الفرنسية المسيحية الرسمية. وهذا ما سيجعل البنت أقل فرنسية من الأطفال الآخرين".

من أفكاره الممعنة في التطرف إقراره بأن لا فرق بين الإسلام الذي هو بالنسبة إلينا دين الاعتدال والتسامح و L'islamisme المرادفة لمعاني التطرف الديني. هو يعتبر ذلك التمييز بدعة خلقتها النخب للالتفاف حول حقيقة الأشياء. الإسلام بالنسبة إليه هو الإرهاب والتطرف. هو داعش تحديدا.

من أفكاره كذلك أن فرنسا صارت بلا هوية. بل إن الحكام والنخب ساهموا، منذ أربعين سنة، في ضياع هذه الهوية لأنهم سكتوا عن "الاحتلال الأجنبي"، بل إن سياساتهم بهذا الخصوص ساهمت في محو الهوية الفرنسية، ودفعت فرنسا إلى الانتحار كما هو عنوان أحد كتبه.

ما الحل إذن؟

يرى زيمور أن هناك عددا من الإجراءات التي ذكرها في برنامج لوران ريكيي، يوم السبت ما قبل الاخير، مثل تشديد شروط دخول الأجانب، وإلغاء حق الحصول على الجنسية بالنسبة للمواليد على التراب الفرنسي وحق التجمع العائلي، وحق اللجوء وطرد  المجرمين او المنحرفين من الأصول المهاجرة، وإرغام المسلمين على ما يعتبره "اندماجا" بتخليهم عن خصوصياتهم الدينية والثقافية.

هذا هو الإطار الفكري لكاتب عنصري لا يؤمن بوجود الآخر، أو بالحوار معه، ولا يعترف بأن ديننا مثل كل الأديان يتعرض، من حين لآخر، لسطوة المتطرفين تماما كما عند اليهود والمسيحيين.
لا يعترف كذلك بأن المهاجرين الأوائل هم بناة فرنسا الحالية. وهم الذين أخرجوها بعرقهم من الكساد الناتج عن الحرب العالمية الثانية. وهم اليوم عنصر أساسي في إثراء البلاد ثقافيا، وفي جعلها تتمتع بفضيلة التنوع. بل إنه يتحدث عن الأفارقة والعرب المسلمين كما لو كلهم مهاجرون، والحال أن أغلبهم من مواليد فرنسا، وهم ثمار سياسات الإقصاء والتهميش.

إن مصدر خطورة زيمور لا يكمن فقط في جهره بمثل هذه الأفكار التي عرضته إلى المتابعة القضائية، وإلى الإدانة مرتين، سنة 2011 وسنة 2018. فلقد سبقه اليها جون ماري لوبين. الخطورة تكمن أساسا في هذا الامتداد الذي صار يتمتع به في وسائل الإعلام التي صارت أكثر ترحيبا به، نذكر على سبيل المثال أن مواجهته مع ميلونشون، يوم الخميس الماضي على قناة BFM، كانت قد حققت 18 % من نسبة المشاهدة بعد أن تابعها أربعة مليون فرنسي. وهو رقم استثنائي في متابعة برامج الحوارات في فرنسا. كما ان كتابه الجديد، الصادر بالضبط في 16 شتنبر الجاري،  قد حقق أكبر عدد من المبيعات عبر شبكة الأنترنيت ففي أقل من أسبوع بيعت 78000 نسخة.

الخطورة بشكل آخر تتجسد في تغول الخطاب العنصري الذي أصبح عملة مطلوبة في سوق البيع والشراء الإعلامي والسياسي بدليل أن زيمور كان يجب أن يكون في السجن مادام يجهر بعدائه للآخرين نساء وأقليات، وللجنس البشري بشكل عام عوض أن يصبح نجما إعلاميا، ومرشحا محتملا للرئاسيات تتهافت عليه وسائل الإعلام في حين لا تمنح نفس المساحة للمفكرين والأدباء العرب والمسلمين والأفارقة الذين ينخرطون في النسيج المجتمعي الفرنسي، ويعطون الدليل على تمثلهم لفكرة التنوع الثقافي، ولحوار الشعوب والحضارات.